لا تحدث الحرب في إيران على جبهات القتال فحسب، بل يُرى أثرها في المطابخ، ومحافظ نقود العائلات، والصفوف الدراسية، والهواتف المقطوعة، والأجساد المنهكة. وبالتزامن مع غياب الأمن، والتضخم، وعدم الاستقرار الاقتصادي، دفعت النساء الإيرانيات تكلفة الأزمة أكثر من غيرهن. وهذه التكلفة لا تعني الفقر الفاحش فحسب؛ بل تعني العمل لفترات أطول، وتناول طعام أقل، والعيش في بيئة أكثر انعداماً للأمن، ومواجهة مزيد من التهميش والتجاهل.
إن النساء اللواتي لا يستطعن تأمين تكاليف المعيشة الأساسية رغم عملهن، والنساء الحوامل اللواتي يهدد نقص المواد الغذائية صحتهن وصحة أطفالهن، والمعيلات اللواتي يواجهن دائماً خطر الاستبعاد من سوق العمل، والأمهات والفتيات اللواتي ينهكهن الاختلال في الإنترنت والتعليم غير المستقر، كلهن يمثلن الوجه الحقيقي للأزمة التي غالباً ما توصف بلغة عامة ومجردة.
وإذا ما جمعنا هذه الروايات معاً، فلن نكون أمام مجموعة متفرقة من الصعوبات، بل سنواجه سلسلة من الأزمات المترابطة التي تعمل بتمييز جندري واضح. فالتردي الاقتصادي وأجواء الحرب يجعلان عمالة النساء أكثر هشاشة؛ وانخفاض الدخل يؤدي إلى تراجع جودة الغذاء؛ وسوء التغذية يهدد صحة النساء ولا سيما الحوامل؛ واضطرابات الإنترنت والتعليم تعيد إلقاء عبء الرعاية وإدارة الأزمات على عاتق النساء مجدداً. فالمسألة لا تقتصر على أن الحياة أصبحت أكثر مشقة، بل تكمن في أن عدم المساواة السابقة تتعمق في ظروف الحرب، مما يحول النساء إلى الفئة الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع.

تأنيث تآكل المعيشة في ظل الحرب والتضخم
تتجلى الطبقة الأولى من هذه الأزمة في الحياة المعيشية اليومية. إذ تشير تقارير صحيفة “شرق” إلى أنه حتى النساء العاملات لم يعد لديهن أي ضمانات لتأمين مصاريف الشهر؛ إذ لا تغطي رواتبهن سوى جزء يسير من النفقات، وأصبحت الحياة المستقلة للمرأة الشابة، بدلاً من أن تكون رمزاً للاستقلال، ساحة مستمرة للديون والتقشف وانعدام الأمن.
هذا الوضع لا يمثل مجرد ضائقة اقتصادية؛ بل هو مؤشر على تآكل القدرة على التخطيط للمستقبل. وعندما تصبح تكاليف الإيجار والمواصلات والغذاء تفوق الطاقة، فإن النساء اللواتي كن يفتقرن أصلاً للدعم الاجتماعي والعائلي الكافي، يندفعن بسرعة أكبر نحو حافة الإقصاء.
مريم وزميلتاها في السكن، وهن ثلاث نساء شابات عاملات، اضطررن تحت وطأة الإيجار والغلاء إلى شراء مستلزماتهن اليومية بالدين وتقاسمها فيما بينهن. وجاء طرد إحداهن من العمل بعد العيد ليزيد من الضغوط الاقتصادية على المرأتين الأخريين، مما يظهر أن النساء المستقلات الشابات في طهران يواجهن أزمة معيشية حادة. (صحيفة شرق، ۲۹ أيار ۲۰۲۶)
تقليص بالمئةدة وزيادة المخاطر على النساء
تظهر الطبقة الثانية للأزمة في مجالي الصحة والتغذية. فعندما يدفع الغلاء الأسرة إلى إلغاء مشتقات الحليب واللحوم والمواد المغذية الأخرى، فإن التبعات لا تكون متساوية على الجميع. فالنساء الحوامل، والمرضعات، والأطفال هم المجموعات الأولى التي تدفع ثمن هذا الحرمان من أجسادها وصحتها.
وتُحذر تقارير موقع “خبر أونلاين” وصحيفة “توسعه إيراني” من أن تراجع جودة تغذية الأسر يمكن أن يؤدي إلى فقر الدم، والضعف الجسدي، واضطرابات الحمل، ومشاكل النمو، والأضرار المستديمة. (خبر أونلاين، ۳۰ أيار/مايو ۲۰۲۶)
كما تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن فقر الدم بين النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين ۱۵ و۴۹ عاماً لا يزال يمثل مشكلة صحية عامة كبرى، ويمكن أن يترك عواقب وخيمة تنتقل عبر الأجيال.
أدلة تكميلية وخلفية توثيقية
تعزز الأدلة التكميلية هذه الصورة المأساوية. إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة في إيران في عام ۲۰۲۴ كان يقارب ۱۴.۱ بالمئة؛ وهو رقم يوضح أن النساء كن يعشن في وضع غير متكافئ حتى قبل اندلاع أي أزمة جديدة. ولهذا السبب، فإن أي صدمة اقتصادية أو عسكرية يمكن أن تخرجهن بسرعة أكبر من سوق العمل، أو تخفض جودة وظائفهن بشكل حاد على أقل تقدير.
وفي الوقت نفسه، تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقاريرها أنه خلال الأزمات والنزاعات، يزداد حجم أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، ويقع هذا العبء في المقام الأول على عاتق النساء والفتيات؛ وهو العمل الخفي الذي لا يراه أحد لكنه يشكل الركيزة الأساسية للبقاء والاستمرار في أوقات الأزمات.

سوق العمل الذي يقصي النساء أولاً
الطبقة الثالثة للأزمة هي انعدام الأمن الوظيفي. ففي ظروف الحروب وعدم الاستقرار، تكون النساء عادةً أول من يتم إقصاؤه من سوق العمل، وآخر من يعود إليه. وتُظهر الأخبار المتعلقة بتقليص العمالة وتحولات سوق العمل أنه حتى عندما يتم الحديث عن دعم المعيلات، فإن هذا الدعم يبقى في إطار الدعاية الإعلامية فقط.
بالنسبة للعديد من النساء، لا تمثل الوظيفة مجرد مصدر للدخل، بل هي الدرع الأخير الذي يمنع السقوط في هاوية الفقر المدقع. وعندما يتحطم هذا الدرع، تنتقل الضغوط مباشرة لتؤثر على التغذية والمسكن والصحة ومستقبل الأطفال. وهنا تحديداً تتجاوز الأزمة الاقتصادية مجرد رقم في الإحصاءات، لتبدو في صورة غياب مزمن للاستقرار في حياة النساء.
الإنترنت والتعليم والعبء الخفي للأزمة على عاتق النساء والفتيات
ترتبط الطبقة الرابعة والأخيرة للأزمة بمجال أقل وضوحاً للعيان، لكن أثره عميق للغاية، وهو: الوصول إلى الإنترنت، والتعليم، وإمكانية استمرار الحياة اليومية.
إن انقطاع أو الاختلال في الإنترنت بالنسبة للنساء، لا سيما ذوات الدخل المحدود، يعني حرماناً إضافياً من التواصل والعمل والتعليم والخدمات. وفي قطاع التعليم، في كل مرة تُدفع فيها الصفوف الدراسية نحو المنصات الافتراضية غير المستقرة، تضطر الأمهات إلى تحمل عبء تنسيق ومتابعة تعليم أبنائهن، وتصبح الفتيات، في ظل ظروف غير آمنة ومرتفعة التكلفة، أكثر عرضة من غيرهن للتخلف عن التحصيل الدراسي والتعليم.
الاستنتاج
إن نتيجة هذا التقرير واضحة: لا تُعرَّف الحرب في إيران بالصواريخ والتهديدات أو الانسداد الدبلوماسي فحسب. بل تحضر الحرب في حياة النساء الإيرانيات في شكل تضخم، وحرمان غذائي، وانعدام للأمن الوظيفي، واضطراب تعليمي، وتآكل نفسي.
والنساء في هذا المعترك لسن مجرد ضحايا للتبعات العامة للأزمة، بل هن الحاملات الرئيسيات لتكاليفها الخفية؛ تكلفة الرعاية، وتكلفة البقاء، وتكلفة الحفاظ على العائلة، وتكلفة الصمود؛ وهي تكاليف لن يتم تعويضها أبداً حتى لو توقفت الحرب، في ظل نظام الملالي المناهض للشعب والمعادي للمرأة.




















