سياسات النظام تمحو جيلاً جديداً من النساء العاملات في إيران من عالم العمل
التقرير الشهري – حزيران/ يونيو 2026: خلف المؤشرات الكلية والأرقام الجافة لسوق العمل، تكمن رواية مؤلمة لملايين النساء المبدعات، المتعلمات، والمفعمات بالأمل، اللواتي سُلبت حقوقهن الطبيعية في امتلاك هوية مهنية مستقلة واستقلال مالي، جراء القوانين الأصولية للملالي. لقد حول النظام الكهنوني الحاكم في إيران حق العمل من حق أساسي إلى أداة للقمع؛ وهو نظام معادٍ للمرأة يسعى عمداً، من خلال دفع السكان الفاعلين بقوة إلى زوايا المنازل، إلى تطهير مقاعد المجتمع من النساء. وتكشف أحدث البيانات الرسمية الصورة العارية للإقصاء الممنهج للنساء العاملات في إيران تحت وطأة الفقر والغلاء.
السقوط التاريخي لمعدل المشاركة وسيناريو الاختفاء الصامت للنساء
سقط معدل المشاركة الاقتصادية الإجمالي في البلاد عام ٢٠٢٦ إلى ما دون ٤٠٪، وهو أدنى مستوى له منذ عقد من الزمن. (إيلنا، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
ومع هذا السقوط غير المسبوق، صُنفت إيران ضمن الدول ذات معدلات المشاركة الأدنى على مستوى العالم، بحيث أن ٦١٪ من السكان في سن العمل بالبلاد ليس لهم عملياً أي دور في الناتج المحلي الإجمالي، ويقع عبء معيشتهم على عاتق الأقلية العاملة. لكن الكارثة الحقيقية تجري خلف ستار الإحصاء الصوري لمعدل البطالة البالغ ٧.٥٪ الذي يعلنه النظام؛ وهي الكارثة التي وصفتها وسائل الإعلام بأنها “قصة اليأس الصامت”. (زومان، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وتشير الدراسات إلى أنه خلال العام الماضي، ارتفعت عمالة الرجال بمقدار ٢٢٨ ألف شخص، ولكن في المقابل، شهد سوق العمل اختفاءً صامتاً ومحواً لنحو ١٩٥ ألفاً من النساء العاملات في إيران؛ وهو رقم قياسي مرعب وتراجع كبير لم يسبق له مثيل منذ عام ٢٠٢١. يأتي هذا في وقت ارتفع فيه عدد السكان في سن العمل بالبلاد بأكثر من ٨١٠ آلاف شخص، إلا أن العدد الإجمالي للعاملين في البلاد زاد بمقدار ٣٤ ألف شخص فقط؛ أي أنه مقابل كل ١٠٠ شخص يضافون إلى السكان في سن العمل، يتم إدراج نحو ٤ أشخاص فقط في عداد العاملين، مما يعني أن محرك توليد فرص العمل في الاقتصاد قد توقف عملياً. (صحيفة ”جهان صنعت“، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)

حيلة البطالة المقنعة للإقصاء الممنهج للنساء من الإحصائيات
وفقاً لما ذكرته زهراء كريمي، أستاذة الاقتصاد في جامعة مازندران، فإن معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة قد انخفض خلال عام واحد فقط بنسبة بلغت ٥٪، ليصل إلى مستوى مرعب قدره ١٢٪؛ وهي كارثة متكررة يقوم النظام من خلالها باستخدام أداة “البطالة المقنعة” بحذف النساء المفصولات من مقام كسر الحسابات الإحصائية. (جهان صنعت، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وتظهر البيانات الإحصائية أن عدد النساء الباحثات عن عمل زاد بمقدار ٤ آلاف و٦٠٠ امرأة فقط، وبدلاً من ذلك، خرجت نحو ١٩٠ ألف امرأة من إجمالي سوق العمل، وجرى تصنيفهن عملياً تحت مسمى “ربات بيوت” من أجل هندسة الإحصاءات الرسمية. (زومان، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وتؤكد هذه الخبيرة أنه في الهيكل الذكوري لسوق العمل، تعد النساء الضحايا الأول لخطط تقليص العمالة في المنشآت الاقتصادية. ومع حدوث الصدمات الاقتصادية، والانقطاع الواسع للكهرباء والغاز عن الصناعات، والإغلاق الإجباري للمنشآت في الصيف، أصبح ما لا يقل عن ١٥٠ ألفاً من المؤمن عليهم الرئيسيين عاطلين عن العمل، حيث يتم فوراً تصنيف النساء المفصولات في هذه الموجات المتتالية ضمن الأنظمة الإحصائية تحت مسمى “ربة منزل” أو “طالبة”، لكي لا يظهر معدل البطالة الرسمي في البلاد تغييراً كبيراً. (إيلنا، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
هذه الآلية القائمة على التستر تزيد بشدة من حجم السكان غير الفاعلين اقتصادياً، وهي ظروف أدت إلى تحطيم الأمن الوظيفي للعديد من النساء العاملات في إيران بالكامل؛ في حين أن الرجال يضطرون عند البطالة إلى القبول بأي عمل مثل البيع المتجول أو القيادة ولا يمكن اعتبارهم “غير فاعلين”. (جهان صنعت، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وتظهر مراجعة الإحصاءات الفصلية أنه بالتزامن مع فرض القيود الشديدة على الإنترنت، وصل الرقم المسجل لعمالة النساء إلى أدنى مستوى له منذ عام ٢٠١٧. لقد قطع النظام بشريان الأعمال الافتراضية عبر قطع الوصول إلى الإنترنت؛ بحيث شهد قطاع الخدمات، الذي كان يمثل الملاذ الرئيسي ويحقق نمواً مستمراً منذ عام ٢٠٢١، شهد خروج أكثر من ٦٥ ألف امرأة. وأصبح هذا الوضع أكثر كارثية في قطاع الصناعة والمصانع بسبب الأزمات الهيكلية، حيث فقدت نحو ١٠٩ آلاف من النساء العاملات في إيران وظائفهن أو اضطررن لتركها. (زومان، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)

بالإضافة إلى الآثار المدمرة لانقطاع الإنترنت على الفضاء الرقمي، فإن الركود الاقتصادي الحالي، إلى جانب الانقطاع الواسع للكهرباء والغاز عن المنشآت الإنتاجية والإغلاق الإجباري للمدن الصناعية في الصيف، قد قلص القدرة الإنتاجية الصناعية للبلاد بشدة ووصل بالطلب على الأيدي العاملة الجديدة إلى طريق مسدود؛ وهي أزمة هيكلية أدت، في ظل التضخم السنوي البالغ ٦٢٪ وتجاوز معدل التضخم على أساس سنوي في المحافظات المحرومة حاجز ١٠٠٪، إلى تحطيم معيشة الأسر منخفضة الدخل، ومن خلال خلق تضخم جامح وثلاثي الأرقام في السلع الأساسية، دفعت بجميع أفراد هذه الأسر، وخاصة النساء العاملات في إيران في القطاعات غير الرسمية، نحو العمل المياوم من أجل البقاء. (إيلنا، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وفي هذا السياق من الانهيار المعيشي، تهيأت الأرضية للاستغلال المضاعف عبر عرض أجور مهينة تبلغ ١٠ ملايين تومان، وهي لا تكفي حتى لتغطية النفقات الأساسية للأسرة. وتحديداً في المقاطعات والمدن الصغيرة، عندما تواجه النساء الباحثات عن عمل عرضاً بأجر قدره ١٠ ملايين تومان، فإنهن يفضلن الاستمرار في المكوث القسري في المنازل بسبب عدم كفاية الأجر والارتفاع الهائل لتكاليف التنقل ورعاية الأطفال. (جهان صنعت، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
ووفقاً للإحصاءات المتاحة، فإن ٧٤٪ من الباحثين عن عمل اضطروا إلى خفض نفقاتهم المعيشية الأساسية بشكل حاد، وهذا التدني في الأجور استهدف الاستدامة الاقتصادية للعديد من النساء العاملات في إيران ودفعهن قسراً نحو المكوث في المنازل. وبناءً على هذا الاستطلاع، فإن ٦٦٪ من الباحثين عن عمل يشكون من النقص الحاد في الوظائف الجيدة وغياب الاستقرار الاقتصادي، و٤٣٪ بحاجة إلى دعم مالي أو قروض، وأعلن ٣٠٪ منهم أنهم للعودة مجدداً إلى سوق العمل بحاجة أكثر من أي شيء آخر إلى التدريب والارتقاء بالمهارات الوظيفية. (تقرير منصة جاب فيجن، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)

انسداد الآمال والبطالة الحرجـة للخريجات
تعتبر الفتيات الخريجات الخاسر الأكبر في هذا الهيكل المعادي للمرأة. فقد قفز معدل البطالة بين الشابات إلى رقم صادم بلغ ٣٢.٢٪، وتكشف الخريجات من التعليم العالي نسبة ٦٣.٥٪ من إجمالي النساء العاطلات عن العمل في البلاد. وهذا يعني الهدر المتعمد للآمال ورأس المال البشري لنصف المجتمع من قبل النظام الكهنوني الحاكم في إيران. ووصل معدل البطالة بين الشباب من سن ١٥ إلى ٢٤ عاماً إلى ٢٠.٣٪ (أكثر من ٢.٧ ضعف المعدل الإجمالي للبلاد)، وفي الفئة العمرية من ١٨ إلى ٣٥ عاماً يبلغ معدل البطالة ١٥٪. (جهان صنعت، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
وتواجه هذه الطبقة المتوسطة المتعلمة وشبه الماهرة فراغاً هيكلياً؛ فلا هي مثل العمالة البسيطة في القطاعات التقليدية تتوفر لها الأعمال منخفضة الأجر بكثرة، ولا تتوافق قدراتها مع واقع الأجور الضئيلة في السوق. ونتيجة لانسداد الآمال هذا، اتجه ٣٠٪ من الباحثين عن عمل نحو تعلم مهارات جديدة للتكيف، ويرى ١٧٪ منهم أن السبيل الوحيد لنجاتهم يكمن في السعي للهجرة من البلاد، وبهذا الشكل، يطول الطابور الطويل لخروج الكوادر المتخصصة والنساء العاملات في إيران من البلاد يوماً بعد يوم. (وكالة ”إيلنا“ للأنباء، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
الاستغلال المضاعف في المزارع ودفع النساء نحو الاقتصاد غير الرسمي الهش
دفعت ضغوط الفقر وانهيار الأنماط التقليدية للمعيشة الجيل الجديد من النساء نحو وظائف غير مستقرة للغاية، ومياومة، وبدون عقود. ففي المناطق المحرومة مثل كردستان، تنخرط العاملات الموسميات في الزراعة، بدءاً من الفتيات الشابات بعمر ١٣ عاماً وحتى النساء بعمر ٦٠ عاماً، من الساعة ٥ صباحاً تحت أشعة الشمس الحارقة في أعمال شاقة تشمل الزراعة والحصاد. وتتقاضى العاملات الموسميات في عام ٢٠٢٦ مقابل يوم عمل كامل في قطف الفراولة أركاماً ضئيلة تبلغ ٨٠٠ ألف تومان فقط، وهو ما يعادل سعر زيت نباتي سعة ٥ كيلوغرامات. ويمثل هذا الوضع تقاطعاً عارياً للاستغلال في بيئة العمل والاضطهاد المنزلي؛ إذ إن هؤلاء النساء بعد انتهاء نوبة عملهن، يتعين عليهن العودة إلى المنزل لبدء النوبة الثانية من عملهن غير المدفوع (الطهي والتنظيف).
وفي الوقت نفسه، أدت ظاهرة “تقليص العمالة النسائية” وتآكل العمالة الرسمية في المدن الكبرى إلى دفع النساء نحو القطاع غير الرسمي والخدمات منخفضة المرونة. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، فإن أكثر من ٥٠٪ من عمالة النساء تتركز في قطاع الخدمات الصغيرة، وهي الأكثر تضرراً من الركود الاقتصادي، ومما يهدد مباشرةً أمن نصف مجتمع النساء العاملات في إيران.
واليوم، فإن التواجد الواسع للنساء في وظائف مثل القيادة في سيارات الأجرة عبر الإنترنت، والبيع المتجول في المدن، والبيع المنزلي عبر الإنترنت، يعد مؤشراً على الهروب من الفقر المدقع أكثر من كونه علامة على التنوع الوظيفي؛ لا سيما في هيكل تُقدر فيه فجوة الأجور الجندرية بنحو ٤٠٪، ويعمل هذا التمييز في الاقتصاد غير الرسمي على تعميق وتكثيف دورة الفقر. (صحيفة ”جهان صنعت“، 30 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)

النساء معيلات الأسر؛ الخط الأمامي للفقر الحضري والإقصاء الممنهج
وفي هذا السياق، وُجهت الضربة الأشد لهذه الأزمة الاقتصادية إلى النساء معيلات الأسر؛ وهي مجموعة يُقدر عددها بين ٣.٥ إلى ۶.۵ مليون شخص (نحو ١٤٪ من إجمالي معيلي الأسر)، ويقع جزء كبير منهن في العشريات الدخلية الدنيا.
وتواجه هذه النساء في آن واحد ثلاث أدوات للقمع الاقتصادي: الارتفاع المستمر والجنوني لتكاليف السكن والغذاء، القيود الشديدة والتمييزية في الوصول إلى العمل الرسمي والمؤمن عليه، وأخيراً غياب الوصول إلى رأس المال والقروض وشبكات الدعم. وبالنسبة لهذه الفئة، فإن دخول السوق غير الرسمية والبيع المتجول ليس خياراً، بل هو ضرورة معيشية للبقاء في هيكل يعيد إنتاج وتعزيز عدم المساواة الجندرية عمداً في الأزمات، لإبقاء جزء هام من النساء العاملات في إيران في الهامش وتحت خط الفقر. (اقتصاد نيوز، ٢6 يونيو/ حزيران ٢٠٢٦)
إن الخروج المفاجئ لمئات الآلاف من النساء من سوق العمل والتدني الحاد في معدل مشاركتهن إلى ١٢٪، يشير إلى إقصاء ممنهج وحرمان متعمد. ويحاول هذا الهيكل، من خلال قطع سبل العيش عبر الإنترنت وبخس قيمة الأيدي العاملة، دفع الجيل الجديد من النساء إلى هامش المجتمع والمكوث القسري في المنازل. ولكن نيل الحقوق المهدورة للنساء العاملات في إيران وكسر هذا السد التمييزي، لن يتحقق إلا بإسقاط هذا النظام المعادي للمرأة وتحقيق ميثاق الحرية والمساواة الجندرية الكاملة.




















