فرضت الحرب وتفاقم الأزمات الاقتصادية في الأشهر الأخيرة الضغوط الأكبر والأكثر مباشرة على النساء في إيران، ووضعهن في خط المواجهة الأول للضرر جراء الانخفاض الحاد في القدرة على التحمل النفسي للأسر. والنتيجة الحتمية لهذه الظروف هي الانتشار غير المسبوق للعنف الأسري ضد المرأة؛ وهو عنف يتجلى أكثر من أي وقت مضى في أشكال معقدة نفسية وعاطفية واقتصادية، ويعرض سلامة النساء الجسدية والنفسية لخطر حقيقي.
تغير وجه العنف الأسري في ظل الضغوط الاقتصادية
أصبحت الضغوط المعيشية، وانعدام الأمن الاقتصادي المفرط، والقلق الناجم عن الحرب، تمهد الطريق لتصاعد السلوكيات العنيفة ضد المرأة في بيئة المنزل. وإذا كان العنف الأسري في الماضي يُعرف غالباً بالأضرار الجسدية والضرب والجرح، فإن النساء يواجهن الآن أشكالاً ناشئة ومستمرة من العنف مثل التحقير الممنهج، والتهديد، والسيطرة المفرطة، والحرمان المتعمد من الموارد المالية، والضغوط النفسية المستمرة؛ وهي سلوكيات تفرض عليهن استنزافاً نفسياً شديداً بالتوازي مع العنف الجسدي وحتى الإهمال والإساءة العاطفية.
ورغم الأبعاد الواسعة لهذه الأضرار، فإن العديد من النساء الضحايا يصبن باليأس من المتابعة القانونية بسبب العقبات المرهقة في الإجراءات القضائية، وغياب الهياكل الحمائية الاجتماعية والاقتصادية، والتحديات التي تكتنف الإثبات القانوني للعنف النفسي والمالي. هذه الثغرات القانونية والحمائية، إلى جانب التبعية المالية، تسد أمامهن طرق الخروج وتجعل أعداداً كبيرة من النساء المضطربات والمتضررات يبقين في حلقة إعادة إنتاج العنف رغماً عن إرادتهن.

كما تظهر الروايات المسجلة في البيوت الآمنة وجود علاقة مباشرة بين انعدام الأمن الاقتصادي وزيادة العنف الأسري. وتشير التجارب الميدانية إلى أن حصول النساء على الدخل والعمل وإمكانية تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة هو أحد أهم العوامل للخروج من العلاقات العنيفة. وفي المقابل، فإن الأزمات الاقتصادية، وتداعيات الحرب، وارتفاع معدلات البطالة، وإغلاق الأعمال التجارية، وارتفاع تكاليف المعيشة، جعلت النساء أكثر عرضة للعنف من أي وقت مضى.
وفي كثير من الحالات، تتحمل النساء عبء رعاية الأسرة والأطفال وإدارة الحياة اليومية بالإضافة إلى تحمل الضغوط الاقتصادية. وحتى النساء اللواتي يعملن عن بُعد لا يزلن يواجهن توقعات بالقيام بالمسؤوليات الأسرية التقليدية بالكامل.
التضييق المالي والعودة الحتمية إلى البيئات المسببة للضرر
إن إحدى العواقب المقلقة للفقر هي عودة بعض النساء الإيرانيات إلى البيئات العنيفة. فارتفاع تكاليف السكن، وفقدان الوظائف، والعجز عن تأمين مصاريف العيش، أجبر بعضهن على العيش مرة أخرى إلى جانب الشخص المعنف.
وتقول فاطيما باباخاني، مؤسسة البيت الآمن “مهر شمسآفريد” الذي ينشط في مجال دعم النساء المعنفات في شمال غرب البلاد، إن في الأسابيع الأولى من الحرب الأخيرة، كان جزء كبير من المراجعات يتعلق بأسر واجهت صعوبات معيشية شديدة بسبب البطالة المفاجئة أو إغلاق مكان العمل. وبحسب قولها، فإن فقدان مصادر الدخل، بالتزامن مع زيادة الضغوط الاقتصادية، أدى إلى تفاقم التوتر والعنف داخل الأسر. كما تؤكد أن العنف لا يظهر بشكل جسدي فحسب، بل إن تقييد حركة النساء، وقطع اتصالهن بالمحيطين بهن، وحرمانهن من الموارد المالية، ومراقبة حساباتهن المصرفية، وخلق حالة من انعدام الأمن النفسي، هي أيضاً من أشكال العنف التي تزايدت في الأشهر الأخيرة. (صحيفة شرق، ٢٧ يونيو / حزيران ٢٠٢٦)

تداعيات العنف على الأطفال ووطأة إعادة إنتاج التقاليد الاجتماعية
كما تشير التقارير إلى أنه في هذه الفترة، تزايد القلق والمشكلات النفسية بين الأطفال والمراهقين، وتمهدت الأرضية في الوقت نفسه لتفاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وتعتقد فهيمة حدادي، المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين وعضو مجلس إدارة جمعية حماية حقوق الأطفال، أن ما نشهده اليوم ليس مجرد زيادة في العنف، بل هو زيادة في المراجعات لمراكز الاستشارة وتزايد تعقيد القضايا التي تتطلب تدخلات تخصصية. وبحسب قولها، فإن الجزء الأكبر من الأضرار المسجلة يتعلق بالعنف النفسي والعاطفي؛ وهي أضرار لا تترك آثاراً ظاهرية، لكنها تترك تداعيات عميقة على الصحة النفسية للأفراد، ولاسيما الأطفال. (صحيفة شرق، ٢٧ يونيو / حزيران ٢٠٢٦)
وفي بعض المناطق، أدت الضغوط الاقتصادية إلى جانب الهياكل التقليدية إلى تفاقم العنف ضد النساء والأطفال. ويقول ”عبيد ملك رئيسي“، وهو معلم وناشط اجتماعي في محافظة سيستان وبلوشستان، إن العديد من حالات العنف الأسري لا يتم إبلاغ المؤسسات الرسمية بها أبداً بسبب خوف العائلات من الأحكام الاجتماعية أو للحفاظ على السمعة. ويشير أيضاً إلى تزايد الضغوط لتزويج الفتيات المراهقات قسراً نتيجة للمشكلات الاقتصادية؛ وهي ظاهرة تقترن في حالات عديدة بالعنف الجسدي والنفسي.

التهميش المتزايد وضرورة التغييرات الهيكلية
ومن ناحية أخرى، فإن النساء بلا مأوى، والنساء اللواتي يعانين من الإدمان، والنساء العالقات في دوامة الأضرار الاجتماعية، يعتبرن من الفئات الأكثر ضعفاً وعرضة للعنف. وتواجه الكثير منهن، بالإضافة إلى الفقر، الإقصاء الاجتماعي، والعنف الأسري، والمرض، والمحرومية المتراكمة، ويتعرضن باستمرار للعنف الجسدي والنفسي والجنسي بسبب غياب الدعم الاقتصادي والاجتماعي.
إن الضغوط الاقتصادية، وانتشار الفقر، وتراجع الحصول على الخدمات الحمائية والعلاجية، وازدياد انعدام الأمن الاجتماعي، جعلت طريق خروج هؤلاء النساء من دوامة العنف أكثر صعوبة. وفي ظل هذه الظروف، تضطر بعض النساء، لتأمين أبسط احتياجات الحياة، إلى قبول علاقات غير مرغوبة وظروف تجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والعنف من ذي قبل.
إن ما يمكن ملاحظته اليوم أكثر من أي شيء آخر هو أن أشكال العنف ضد المرأة أصبحت أكثر عمقاً واستنزافاً. فلم يؤثر استمرار الحرب والفقر والأزمات الاقتصادية على أمن الأسر ومعيشتها فحسب، بل دفع بالنساء الأكثر ضعفاً في المجتمع نحو دوامة من العنف؛ وهي دوامة لن يتحقق الخروج منها في نهاية المطاف إلا بإسقاط نظام الملالي المعادي للمرأة وإقامة جمهورية ديمقراطية تعترف بالحقوق المتساوية للمرأة ولجميع أفراد الشعب.



















