إن انقطاع الإنترنت في إيران، الذي دخل الآن مرحلة الإنعاش بالتنقيط بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من الانسداد المطلق، إلى جانب الهزات الارتدادية المعيشية الناجمة عن الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يوماً، قد وجه ضربة قوية لجسد المجتمع. ورغم الانفراج الجزئي في الوصول، فإن الفلترة الشديدة المفروضة على تطبيقات المراسلة والقيود غير المسبوقة على متاجر التطبيقات مقارنة بالماضي، تظهر مدى هشاشة هذا الانفتاح وكونه تحت السيطرة.
وبعيداً عن الأبعاد الأمنية، فإن هذا الظلام الرقمي الذي اشتد منذ مارس/آذار ٢٠٢٦، قد عمل عملياً كأداة للقمع الاقتصادي والجنساني ضد النساء؛ وهي سياسة قطعت الشرايين الحيوية لـ “سوق العمل الموازي” الذي أنشأته مئات الآلاف من النساء الإيرانيات لأنفسهن هروباً من السوق الرسمي والتميزي. وكانت حصيلة هذا الانسداد الذي استمر ثلاثة أشهر هي القمع المتعمد للاستقلال المالي والفاعلية الاجتماعية للمرأة، لا سيما في المناطق الهامشية والحدودية.
تدمير السوق عبر الإنترنت والضربة القاضية للاستقلال الاقتصادي للمرأة
بُنيت بنية التوظيف الرسمي في إيران على ترويج الصور النمطية القائمة على النوع الاجتماعي، مما أدى إلى هبوط معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة إلى ١٣.٤٪. (صحيفة شرق، ٢١ مايو ٢٠٢٦)
وفي هذا المأزق، كانت المنصات الاجتماعية مثل إنستغرام بمثابة سوق حرة للنساء اللواتي لا يملكن رؤوس أموال ضخمة أو تراخيص حكومية. وكان الدخل المتأتي من هذه الواجهات الافتراضية يؤدي مباشرة إلى تحسين معيشة الأسر.
وتتضح أبعاد الكارثة عند النظر إلى إحصاءات وكلاء النظام. فوفقاً لبيانات اتحاد الأعمال الافتراضية، كان هناك نحو مليون متجر افتراضي نشط على إنستغرام بتداول مالي سنوي يتراوح بين ١٠٠ إلى ١٢٠ ألف مليار تومان، وتشكل النساء أكثر من ٦٠٪ من أصحاب متاجر إنستغرام، بحسب تصريح ”بشتون بوربزشك“، نائب رئيس هذا الاتحاد. (سلامت نيوز، ٢٠ يناير ٢٠٢٦)
وهذا يعني أنه مع الانسداد الأخير الذي دام ثلاثة أشهر، فقدت ما لا يقل عن ٦٠٠ ألف امرأة معيلة كل ممتلكاتهن ودخلهن. وبتعبير علماء الاجتماع الداخليين، فإن سلب هذا الفضاء قد استهدف معنويات النساء؛ إلى درجة أن إحدى هؤلاء النساء تقول: “أشعر وكأنهم سجنوني”. وهي ظاهرة متكررة تثبت أن التبعات النفسية لانقطاع الإنترنت في إيران ليس لها مخرج سوى الإحباط والعزلة والغضب الاجتماعي المتراكم.
الإنترنت الطبقي: فخ جديد للنساء الفقيرِات
إن أزمة الخنق الرقمي تبتلع الفئات الضعيفة بشكل أكثر ضراوة. وتتضاعف هذه القيود في المناطق الحدودية والأقل حظاً؛ حيث كانت معيشة المرأة الريفية الكردية أو البلوشية تعتمد على بيع الصناعات اليدوية عبر الإنترنت. وقد ساءت الأوضاع مع تنفيذ مشروع “الإنترنت برو (Pro)” القائم على الريع.
فقد أسست السلطة لفصل عنصري رقمي جديد من خلال تسعير الوصول إلى الشبكة؛ وفي الواقع، مع الاستمرار الذكي لانقطاع الإنترنت في إيران، وبسبب عزلتهن النظامية عن الاقتصاد، لا تملك النساء القدرة على دفع التكاليف الباهظة لمخترقات الحجب (VPN) والإنترنت الخاص، وتكاد تكون فرص وصولهن منعدمة.
وقد اعترفت زهرا بهروز آذر، معاونة شؤون المرأة في حكومة النظام، بهذا التمييز الهيكلي قائلة: “إن الفئة الأكثر تضرراً من الاضطراب وانقطاع الإنترنت هي النساء؛ لأن العديد من أنشطتهن التعليمية والمهنية والاقتصادية تعتمد على أرضية الإنترنت”.
وأوضحت بهروز آذر أن حصة النساء من التعليم الجامعي تبلغ نحو ٦٠٪، لكن مشاركتهن الاقتصادية في سوق العمل تُقدر بنحو ١٤٪ فقط، وقالت: إن انقطاع الإنترنت له تأثير مباشر على تقليص استفادة النساء من هذا الفضاء. (وكالة مهر للأنباء، ١٩ مايو ٢٠٢٦)

ضربة ثلاثية الطبقات للأمن الوظيفي ومعيشة الأسرة
إن سياسة التعتيم الرقمي قد دمرت عمالة النساء على ثلاثة مستويات:
• المستوى الأول: النساء العاملات في المهن المنزلية الصغيرة اللواتي يشكلن، بناءً على بيانات وزارة العمل، “نحو ٨٠٪ من العاملين المنزليين”، وغالبيتهن من أسر العشريات الاقتصادية المنخفضة.
• المستوى الثاني: عشرات الآلاف من النساء اللواتي كن يعملن في وظائف جانبية مثل إنتاج المحتوى، وإدارة الحسابات (الأدمين)، والتصميم الغرافيكي.
• المستوى الثالث: وصلت موجة التسريحات إلى شركات التكنولوجيا، المنصات الإلكترونية، ودور النشر. وتظهر التقييمات أن موجة الخسائر الناجمة عن انقطاع الإنترنت في إيران، وبسبب العقلية المعادية للمرأة في السوق، قد وجهت أولوية تقليص العمالة نحو النساء، لأنهن لا يُعتبرن حتى الآن المعيل الرئيسي. وفي هذا الصدد أيضاً، اعترفت بهروز آذر بأن “نحو ثلث طلبات تأمين البطالة المسجلة خلال الأيام الأربعين الماضية كانت تخص النساء”. (وكالة إيلنا للأنباء، ٣٠ أبريل ٢٠٢٦)
والنتيجة الملموسة لهذا الإرهاب الاقتصادي هي التغيير القسري لنمط حياة النساء والهجرة الإجبارية للمتاجر الإلكترونية إلى البيع المتجول في الشوارع. من ناحية أخرى، وبما أن الإحصاءات تظهر أن النساء ينفقن معظم دخلهن المستقل على تعليم وصحة الأطفال، فإنه بقطع هذا الشريان المالي، يتم رسمياً التضحية بجودة حياة أطفال المجتمع.

خلاصة؛ المستقبل الهش لحرية الإنترنت في إيران
إن سياسة انقطاع الإنترنت وترويج “الإنترنت الطبقي” من قبل النظام الإيراني هي قرار سياسي منظم لدفع نصف المجتمع تعمداً إلى الهامش المطلق. وفي بلد أعلنت وزارة اتصالاته أن متوسط قدرة تحمل الأعمال التجارية عبر الإنترنت يبلغ “٢٠ يوماً” فقط، فإن تجاوز حاجز ٨٠ يوماً من قطع الاتصالات يعني رصاصة الرحمة على الاستقلال المالي للمرأة.
ورغم أن النظام بدأ اليوم، تحت ضغط التهديد بانتفاضات شعبية، تراجعاً خطوة بخطوة وإعادة بناء الشبكة على مدار ٢٤ ساعة، إلا أن البنى التحتية للاقتصاد الرقمي للمرأة قد دمرت عملياً؛ وهو نهج تميزي يرفع بشدة، من خلال القضاء على قدرة تحمل المجتمع، من إمكانية الانفجار النفسي والاحتجاجي في الطبقات السفلية للمجتمع وبين الأجيال الشابة



















