خلاصة:
تظهر مجموعة البيانات والتقارير الرسمية والإعلامية المنشورة في أشهر مايو/ أيار ويونيو/ حزيران ويوليو/ تموز عام 2026 أن إيران تواجه أزمة متعددة الأبعاد في مجال السكان: هبوط المواليد، وانخفاض الزواج، وانتشار العزوبة القطعية، والشيخوخة المتسارعة، وتزايد الضغط على النظام الصحي، والفجوة العميقة بين رغبة العائلات في الإنجاب والإمكانية الواقعية لذلك.
ومع ذلك، فإن سياسات النظام الكهنوتي الحاكم في إيران، وبدلاً من التركيز على معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية للأزمة، ركزت عمدًا على التحكم في أجساد النساء، والترويج لدور الأمومة، وتقييد خيارات الإنجاب وأمننة قضية السكان. ويظهر هذا الاستعراض المستند إلى تقارير وسائل الإعلام الحكومية أن السياسات السكانية للملالي الحاكمين لم تفشل فحسب في حل الأزمة، بل ساهمت في إعادة إنتاجها وتعميقها من خلال تجاهل حقوق النساء والواقع الاقتصادي للمجتمع.
1. المقدمة: أزمة السكان بوصفها أزمة حكم
لم تعد أزمة السكان في إيران مجرد تحذير مستقبلي، بل باتت واضحة للعيان في البيانات الرسمية المتعلقة بالمواليد، والزواج، والشيخوخة، وبنية الأسر. يشير تقرير صحيفة ”اعتماد“ الصادر في 4 يونيو/ حزيران 2026 تحت عنوان الهبوط التاريخي للمواليد في إيران إلى أن الولادات انخفضت من مليونَي ولادة في عقد الثمانينات الميلادية لتصل إلى 892 ألفاً في العام الماضي، كما انخفض صافي زيادة السكان لأول مرة إلى أقل من 500 ألف نسمة. وسجل التقرير نفسه انخفاض معدل زواج النساء العازبات من 4.35 بالمئة في عام 2022 إلى 3.16 بالمئة في العام الماضي، وعزا الأسباب إلى أزمة السكن، وعدم اليقين بالمستقبل، والمشكلات الاقتصادية، وارتفاع سن الزواج.
توضح هذه البيانات أنه لا يمكن اختزال أزمة السكان في أسباب مثل الامتناع الثقافي أو عزوف النساء. إن انخفاض الزواج والإنجاب في إيران هو، قبل كل شيء، مؤشر على أزمة حكم: عجز الحكومة عن خلق أفق اقتصادي، والضمان الاجتماعي، وفرص العمل، والسكن, وخدمات الرعاية، وضمان الحقوق المتساوية للنساء والعائلات. وفي ظل هذه الظروف، فإن السياسات التي تعرّف النساء مجرد أمهات وأدوات لإنتاج السكان، كانت محكومة بالفشل منذ البداية في المجتمع الإيراني، حيث سطرت النساء نماذج مشرقة سواء في الاحتجاجات والشجاعة في الوقوف بوجه الظلم وكراهية النساء، أو في التعليم ومختلف المهارات، والآن تعترف وسائل الإعلام الحكومية بهذا الفشل.

2. هبوط المواليد وفشل سياسات التحفيز
في تقرير لوكالة أنباء ”مهر“، في 19 مايو/ أيار 2026، تحت عنوان تحذير من انخفاض المواليد، أعلن رضا رئيسي، معاون وزير الصحة لشؤون الصحة، أن عدد سكان إيران في العام الماضي بلغ 86 مليوناً و564 ألف نسمة، وذكر أن معدل الحمل والإنجاب انخفض من 6.5 في عقد الثمنانينات إلى 1.35 في العام الماضي؛ وهو رقم يبتعد كثيراً عن حد الإحلال السكاني البالغ 2.1 إلى 2.5. كما أعلن أن إحصاءات عام 2025 سجلت 892 ألفاً و268 ولادة مقابل 451 ألفاً و682 وفاة، وانخفاض الزواج من 470 ألفاً و372 حالة في عام 2024 إلى 431 ألفاً و664 حالة في عام 2025.
بدورها، صرحت ”مرضية وحيد دستجردي“، أمينة اللجنة الوطنية للسكان، في تقرير وكالة مهر في 20 مايو/ أيار 2026، أن الزواج انخفض من 891 ألفاً و627 حالة في عام 2010 إلى 431 ألفاً و21 حالة في عام 2025، وأن الولادات في العام الماضي بلغت 892 ألفاً و278 حالة. واعتبرت أن معدل الإنجاب في إيران يقع في النطاق المنخفض جداً، مؤكدة أن السياسات لا ينبغي أن تركز فقط على الطفل الثالث فما فوق.
ورغم هذه الاعترافات الرسمية، فإن السياسات الحكومية بنيت أساساً على حوافز محدودة، ومشاريع دعائية، وتسهيلات غير كافية، وتقييد حقوق الحمل والإنجاب للنساء. وزعم أمير حسين بانكي بور، ممثل أصفهان وعضو اللجنة الثقافية في البرلمان، في مقابلة مع وكالة إيرنا في 20 مايو/ أيار 2026 أنه تم تنفيذ أكثر من 50 بالمئة من مواد قانون شباب السكان، وأن نمط الطفل الثالث فما فوق ارتفع بنسبة 65 بالمئة، وتراجع الإجهاض بنسبة 52 بالمئة.
تزامن هذه الادعاءات مع هبوط المواليد، وانخفاض الزواج، والطوابير الطويلة للحصول على القروض، يظهر أنه حتى لو تحسنت بعض المؤشرات التي يزعمها المسؤولون، فإن الهدف من هذه السياسات لم يكن احترام حقوق المواطنة، والاختيار الفردي، والعدالة الاقتصادية، والدعم الاجتماعي، بل استخدام أزمة السكان فرصةً لتهميش النساء.
3. عدم اليقين الاقتصادي العائق الأكبر أمام زواج الشباب
أحد أبرز الأدلة على إخفاق السياسة السكانية هو وضع زواج الشباب. فقد كشف تقرير لوكالة إيرنا في 26 مايو/ أيار 2026 تحت عنوان العزوبة القطعية لأكثر من 18 مليون إيراني عن وجود 18 مليوناً و775 ألفاً و452 عازباً لم يتزوجوا قط، و24 مليوناً و635 ألفاً و974 عازباً في معرض الزواج. كما تظهر إحصاءات زواج النساء العازبات انخفاضاً بنسبة 1.20 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.
وفي هذا التقرير، أقر علي رضا رحيمي، معاون وزير الرياضة والشباب في نظام الملالي، بأن ترويج الزواج بالشعارات والإجبار غير ممكن، واعتبر أن العائق الأكبر هو عدم اليقين الاقتصادي.
في ظل هذه الظروف، فإن الدعوة الرسمية للشباب إلى الزواج والإنجاب دون خفض حقيقي لتكاليف المعيشة، والسكن، وفرص العمل، وخدمات الرعاية، وأمن المستقبل، تشبه إلى حد كبير نقل مسؤولية الأزمة من الحكومة إلى الأفراد. إن الضغط الثقافي على النساء من أجل الزواج والأمومة، في وقت غابت فيه البنى التحتية للحياة المستقلة والآمنة، لا يعدو كونه أداة للقمع وتهميش النساء، بدلاً من أن يكون محاولة لحل أزمة السكان.

4. الفجوة بين الرغبة في الإنجاب وإمكانية الإنجاب
يمثل تقرير وكالة إيرنا في 20 مايو/ أيار 2026 حول الفجوة العميقة بين الرغبة والواقع في الإنجاب أحد أهم الأدلة الدامضة للرواية الرسمية للنظام. وصرح رئيس مركز شباب السكان وصحة الأسرة والمدارس بوزارة الصحة والعلاج والتعليم الطبي، رضا سعيدي، بأن الإيرانيين يرغبون في المتوسط بإنجاب 2.6 طفل، لكن معدل الإنجاب الفعلي يبلغ حوالي 1.5 أو أقل بحسب التقارير. كما تشير الإحصاءات العامة إلى انخفاض المواليد في عام 2025 مقارنة بعام 2024 ، و فجوة كبيرة في معدل الحمل والإنجاب عن حد الإحلال. توضح هذه البيانات أن القضية الأساسية ليست عدم الرغبة في الإنجاب، بل عجز العائلات عن تأمين متطلبات الحياة.
وتحمل هذه الفجوة معنى خاصاً للنساء؛ فهن يواجهن بالتزامن مع الضغط الرسمي للأمومة، تمييزاً وظيفياً، وانعدام أمن اقتصادي، وغياب الدعم للأمهات العاملات، وعدم توفر رياض الأطفال المتاحة، وتقييد حقوق الحمل و الإنجاب.
5. الشيخوخة المتسارعة وعدم كفاية الاستعداد المؤسسي
نقل تقرير موقع عصر إيران في 19مايو/ أيار 2026، عن رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية التابعة للملالي، سيد جواد حسيني، تحذيرات بشأن التسارع العالي للشيخوخة في إيران ووصول نسبة كبار السن إلى حوالي 30 بالمئة بحلول عام 2050.
إن الشيخوخة ليست مجرد قضية علاجية؛ بل ترتبط بالفقر، والوحدة، والإعاقة، وتأنيث الشيخوخة، لا سيما مع الارتفاع المتصاعد في أعداد النساء المسنات المعيلات لأسرهن. فالنساء اللواتي يُستنزفن في شبابهن بسبب تقييد الحق في التعليم وحق اختيار الزوج، وحرمانهن من فرص العمل المناسب والأمن الوظيفي وحق العمل الآمن، يجدن أنفسهن في سن الشيخوخة، وعندما يفقدن قدرتهن الجسدية الأساسية، محاصرات في حلقة مفرغة من الفقر والوحدة المضاعفة.
6. أمننة السكان وتحويل النساء إلى أدوات
أحد أخطر أبعاد السياسة السكانية للنظام هو أمننتها. إذ تطرح ”فاطمة محمد بيكي“، عضو لجنة الصحة البرلمانية، مفهوم الحرب السكانية، زاعمة أنه لم يتبق سوى 4 إلى 5 سنوات فقط للاستفادة من فرصة الحمل والإنجاب للجيل الحالي، وتعرّف السكان بأنهم عنصر قوة وأمن وردع. وتتوقع تقارير أخرى لوكالة ”مهر“ انخفاض السكان بلغة قائمة على التهديد، مشيرة إلى أن سكان إيران سينخفضون بحلول عام 2100 إلى ما بين 30 و32 مليون نسمة. (وكالة أنباء مهر في 20 مايو/ أيار 2026).
إن هذه اللغة الأمنية تحول أزمة السكان من قضية اجتماعية وحقوقية إلى مشروع أمني. والنتيجة المترتبة على هذا النهج هي النظر إلى النساء باعتبارهن أدوات لإنتاج السكان، وليس مواطنات يمتلكن حق الاختيار. وبهذه الأدبيات تجمّل الديكتاتورية المناهضة للنساء والحاكمة في البلاد إجراءاتها في تقييد الإجهاض، والتركيز على السن المفيدة لإنجاب النساء، والترويج للأمومة، والضغط الثقافي للزواج والإنجاب.
بناءً على ذلك، وُضع جسد المرأة في مركز تدخل السياسة السكانية. ويتحدث مسؤولون مثل رضا سعيدي وعلي رضا رئيسي عن ملايين الأزواج المصابين بالعقم، والتغطية التأمينية للعقم، والمعدل المرتفع للعمليات القيصرية، وحالات الإجهاض المسجلة، وملايين النساء في سن الإنجاب. وتظهر هذه البيانات وجود تحديات حقيقية في النظام الصحي للمرأة، لكن المسألة تصبح مقلقة عندما ترى السياسة الرسمية جسد المرأة موضوعاً للتحكم والتهديد السكاني، بدلاً من تعزيز الحق في الصحة، والوصول الواعي إلى خدمات الإنجاب، ودعم الأمهات.
وعندما يُطرح الإجهاض باعتباره تهديداً سكانياً، وليس لارتباطه بالصحة، أو حق الاختيار، أو الفقر، أو العنف، أو انعدام الأمن الاجتماعي، فإن السياسة السكانية تخرج من دائرة الدعم والمساندة لتتحول إلى أداة للقمع.

7. الدعاية الثقافية بدلاً من سياسة الرفاه
إلى جانب سياسات التحكم، أسند النظام جزءاً مهماً من استجابته إلى الدعاية الثقافية والمشاريع الرمزية: الاستشارات الزوجية، والحملات الثقافية، واحتفالات الإنجاب، وبطاقة أمل الأم، وغرف الأم والطفل، والبرامج الحضرية. وتغنينا مستشارة العمدة ورئيسة مركز النساء والأسرة في بلدية طهران، مريم أردبيلي، عن الخوض في التهويل الإعلامي للنظام بإقرارها بهذه الحقيقة قائلة إن معدل الإنجاب لا يرتفع دون أمل، ويجب الابتعاد عن النهج القائم على التهديد.
الكلمة الأخيرة
إن أزمة السكان في إيران ليست نتاجاً بسيطاً لتغير نمط الحياة؛ بل هي المحصلة المتزامنة لانعدام الأمن الاقتصادي، وأزمة السكن, وتراجع الثقة العامة، وشكلية الدعم الحكومي، والتمييز الجنسي، ونقص خدمات الرعاية، وتقييد حقوق النساء. وقد أشار المسؤولون الرسميون مراراً وتكراراً إلى جزء من هذه العوامل، لكن السياسة الرسمية لا تزال تركز على التحكم والدعاية والأمننة بدلاً من الإصلاح الهيكلي.
إن الاستجابة الفعالة لأزمة السكان في إيران، شأنها شأن جميع القضايا الاجتماعية في البلاد، تتطلب الإطاحة الكاملة بنظام ولاية الفقيه و إقامة حكومة ديمقراطية وشعبية. وفي هذه الحالة فقط، سينتقل المجتمع الإيراني من التحكم في النساء إلى دعم حقوق النساء؛ ومن الدعاية الثقافية إلى سياسة الرفاه؛ ومن أمننة السكان إلى تعزيز الثقة الاجتماعية؛ ومن الضغط من أجل الأمومة إلى خلق ظروف تتيح للنساء والعائلات اتخاذ القرار بشأن الزواج والإنجاب بحرية، وأمان، ووعي تام.



















