المقدمة: يعتمد بقاء نظام الملالي على ركنين أساسيين: القمع العاري في المجتمع والمعاداة الممنهجة للنساء في القوانين. والنتيجة المباشرة لهاتين الأداتين هي دفع ملايين النساء المعيلات لأسرهن إلى ما دون خط الفقر المدقع واستغلالهن الشديد في سوق عمل يفتقر للمعايير. ولكن هذه ليست كل القصة؛ إذ تحولت آلة القمع التابعة للنظام، من خلال الإعدامات العشوائية وتجاهل معايير السلامة المهنية في الصناعات الاحتكارية، إلى المحرك الأساسي لـ “صناعة الأرامل الممنهجة” في المجتمع.
وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة من المقالات، نتقصى العلاقة المتبادلة بين الفقر والاستغلال والإعدام وحوادث العمل القاتلة في طبس وبندر عباس
نظام الملالي المسؤول المباشر عن تكثير الأرامل
لا يقدم نظام الملالي الفاسد إحصاءات حول النساء الأرامل، كما هو الحال في بقية المجالات التي دمر فيها إيران، لكن ليس خافيًا على أحد أنه السبب الرئيسي في الزيادة اليومية لعدد الأرامل ودفع حياة النساء الإيرانيات إلى قاع الفقر والمعاناة.
يتعرض العديد من النساء المظلومات في إيران للأرملة نتيجة قوانين تمييزية ضد المرأة. وفقًا للمادة 1041 من القانون المدني للنظام، يمكن للأب أو الجد، أو حتى القضاة الحكوميون، إجبار الفتاة على الزواج في سن الثالثة عشرة، أو حتى قبل ذلك، من رجل قد يكون في كثير من الحالات في سن والدها. ووفقًا لتقرير موقع “شهر خبر” بتاريخ15 أكتوبر 2024، تزوجت في العام السابق أكثر من 19 ألف امرأة وفتاة من رجال يكبرونهن بأكثر من 15 عامًا. ويأتي هذا في ظل قوانين وتسهيلات اقتصادية وقانونية تُعرف جميعها لصالح الرجال.
علاوة على ذلك، لم تحظر قوانين النظام الإيراني تعدد الزوجات، بل وضع مشروع قانون يُسمى “حماية الأسرة” شروطًا يمكن التحايل عليها بسهولة. كما أن الزواج المؤقت قانوني، وقد نصت المادة 1152 من القانون المدني للنظام على تحديد مدته، مما يؤسس لهذا النوع من الزواج. ويمكن للرجل أن يطلق زوجته متى شاء، مما يزيد من عدد النساء المطلقات اللواتي تتشابه ظروفهن مع الأرامل.

تؤدي هذه القوانين إلى تآكل أسس الأسرة وزيادة أعداد الأرامل. ومع ذلك، فإن سببًا آخر لتأرمل النساء هو الجرائم التي يرتكبها النظام الإيراني والحوادث الناتجة عن سياساته.
يكفي النظر إلى ثلاث كوارث:
1. النساء اللواتي أصبحن أرامل بسبب الإعدامات الإجرامية
في عام 2015، أعلنت ”شهيندخت مولاوردي“، نائبة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة آنذاك، أنه في قرية بسيستان وبلوشستان، أُعدم جميع الرجال بسبب جرائم مرتبطة بالمخدرات. هذه القرية هي ”روشنآباد“ في منطقة ”سرجنكل “ بزاهدان. تُركت النساء والأطفال الناجون من هذه الإعدامات دون دعم اجتماعي، معرضين للفقر المدقع، والتهريب، والانتقام. (”مهر“– 23 فبراير2016)
إفصاح مسؤولي النظام عن وجود مثل هذه القرية ليس إلا قمة جبل جليدي هائل. منذ عام 2015 حتى 2025، ارتكب النظام الإيراني مئات الإعدامات الإجرامية سنويًا، دون أن يتمتع أي من الضحايا بالعدالة القضائية. هذه الإعدامات تهدف إلى نشر الخوف والهلع في المجتمع لمنع الانتفاضات وإسقاط نظام الملالي غير الشرعي. كل إعدام يعني تفكك عائلة.
تستمر الإعدامات الآن بزيادة مرعبة، حيث بلغ عدد الإعدامات في عام 2024-1153 شخصًا. كانت الإعدامات في شهرمارس 2024 ستة أضعاف نفس الشهر في العام السابق، وفي أبريل 2025 أربعة أضعاف العام السابق. (موقع المجاهد – 26 ما رس 21 إبريل 2025)
تتفاقم الظلم في حالات الإعدامات وسوء المعاملة ضد عائلات السجناء السياسيين. مصطفى صالحي، أحد السجناء السياسيين، أُلقي القبض عليه بسبب مشاركته في انتفاضة عام 2017، ثم أُعدم سرًا. لم يكتفِ نظام الملالي بعدم تقديم أي دعم لزوجته وأطفاله، بل استمر في مضايقتهم واستهدافهم بانتقام بلا رحمة.
في سبتمبر 2020، أُبلغت عائلة مصطفى صالحي في محكمة أن عليهم دفع 500 مليون تومان كدية، وهددوا بمصادرة منزلهم وحديقتهم وممتلكاتهم إذا لم يدفعوا.
حُسبت الدية المزعومة بناءً على تفاصيل تافهة مثل خدوش وكدمات للمدعين المزيفين. رغم التعذيب الوحشي وسجن انفرادي لمدة عام، لم يعترف مصطفى صالحي بأي من التهم الموجهة إليه خلال محاكماته. (موقع المجاهد – 12 سبتمبر 2020)

2. النساء الناجيات من انفجار منجم فحم بمدينة طبس
في 21 سبتمبر 2024، وقع انفجار في منجم فحم “معدنجو” في طبس، أسفر عن مقتل 53 عاملًا. بمعنى آخر، بسبب امتناع السلطات المعنية عن اتخاذ تدابير السلامة في العمل، دُمرت حياة ما لا يقل عن 53 عائلة دفعة واحدة.
اعترف وزير العمل في النظام، في 5 نوفمبر 2024، بأن جميع الضحايا في منجم “معدنجو” كانوا من الفقراء.
حتى العمال الذين نجوا من هذا الحادث يواجهون مشكلات جسدية ونفسية شديدة. بعضهم أصيب بأضرار دماغية وغير قادر على العودة إلى العمل. (”ايلنا“- 30 ديسمبر 2024)
قالت زوجة أحد هؤلاء العمال إن حياتهم دُمرت ولا يملكون المال لمتابعة العلاج.
وقالت زوجة عامل آخر: «كان زوجي يعمل أسبوعين في المنجم وأسبوعين في نيشابور، ومع ذلك لم يكن المال يكفي لمصروفات البيت. الآن، بعد عدة أشهر من المتابعة، خصصت التأمينات الاجتماعية 7 ملايين تومان كتعويض عن فترة المرض، ومع المال الذي نحصل عليه من معدنجو، بالكاد نسدد إيجار المنزل وأقساطنا الشهرية». (”ايلنا“- 30 ديسمبر 2024)
«سيدة خديجة»، إحدى النساء اللواتي نجا أزواجهن، تقول: «زوجة عامل المنجم هي ربة منزل وليس لها عمل. لا تجيد أي مهنة. راتب زوجي لم يكن يكفي أبدًا لخمسة أطفال. كل ما أعرفه هو تنظيف الخضروات وتقطيعها، وحاولت من خلال هذا العمل جني بعض المال». (”ايلنا“- 30 ديسمبر 2024)
هذه الحالات تتعلق بحادث عمل واحد فقط، والذي للأسف يتكرر بكثرة في إيران.
وكانت حالة أخرى تتعلق بـ «زينت»، زوجة أحد عمال منجم ” زمستان يورت“ الذي لقي حتفه في انفجار المنجم عام 2017، تعتقد أن مصيرًا أفضل لن ينتظر زوجات ضحايا الحادث الأخير في المنجم. تقول: «لدي ابنان وصلا لتوهما إلى سن الرشد. عندما تم دفع الدية لوالدهما إلى حسابنا، كان نصيب الابنين وكيفية إنفاقها من جهة، وتدخلات والد زوجي وأخوه من جهة أخرى. لا تعتقدوا أن الدية كانت ملايين التومانات، الأهم هو الرجل الذي لم يعد موجودًا. كان موجودًا، ومهما كانت الصعوبات والفقر، كان يمكن تحمله، لكن الآن شخص يقول افعلي هذا، وآخر يقول افعلي ذاك». تروي ذكريات ذلك العام والصدمة التي أصابت جميع نساء قريتها قائلة: «كانت معظم نساء القرية متزوجات من عمال منجم ”زمستان يورت“.
حاولن منع أزواجهن من الذهاب إلى المنجم. قلن لهم: ابقوا واعملوا في الأرض الزراعية. لكن الأرض الزراعية تحتاج إلى عمال موسميين. وأجر العامل الموسمي لا يكفي للعيش. أنا الوحيدة بين نساء هذه القرية التي حصلت على شهادة الثانوية، لكن خلال هذه السنوات لم أتمكن من إيجاد عمل، حتى العمل في الأرض الزراعية». ( الصحف الحكومية- 30 ديسمبر 2024)

إلى جانب المشكلات المالية، فإن مسألة حضانة الأطفال المتبقين من العمال المتوفين هي أشد إيلامًا من رذاذ الملح على الجرح. كتبت إحدى النساء التي فقدت زوجها: «الأجداد الذين لم يعرفوا حتى كيف ربينا أطفالنا بكل هذه الصعوبات، يريدون الآن أخذ أطفالنا بسبب المدفوعات، والمساعدات، والدية، والمعاشات! يتدخلون في تحركاتي. هل يحبون ابني أكثر مني؟». المسألة واضحة؛ أولئك الذين يجب أن يتخذوا إجراءات في هذا الشأن لا يهتمون بالتحولات الاجتماعية وتكييف القوانين مع متطلبات المجتمع.
قالت زوجة عامل منجم آخر إن الأب الأكبر (جد الأطفال من جهة الأب) أخذ أحفادها منها. كما يحاول الأعمام بشكل منفصل انتزاع الحضانة منها. (موقع ”خبربان“ – 4 نوفمبر2024).
3. النساء اللواتي أصبحن أرامل بسبب انفجار في بندرعباس
في 26 أبريل 2025، وقع انفجار هائل في بندرعباس، أدى إلى مقتل مئات الأشخاص وإصابة وتشويه مئات آخرين. تشير جميع الأدلة إلى تورط خفي قوات الحرس التابعة لخامنئي في نقل غير قانوني للوقود المستخدم في الصناعات الصاروخية. قيّمت صحيفة واشنطن بوست قوة الانفجار بما يعادل انفجار 50 طنًا من مادة “تي إن تي” دفعة واحدة.
وفقًا لشهود عيان: «بسهولة، احترق أكثر من 300 إلى 400 جثة في الرصيف ولم يبقَ منهم أي أثر». (موقع المجاهد – 5 مايو 2025)
أودى هذا الحادث بحياة عدد كبير من العاملات أيضًا. وفقًا لتقارير شهود عيان، اختفت 50 موظفة في إحدى الشركات المجاورة وحدها. في المستشفيات، يرقد مئات المصابين بحالات خطيرة. يقول أحد الشهود إنه من بين 30 موظفة في شركتهم، قُتلت 23 امرأة، بعضهن أُخرجت أعينهن من محاجرها، وبعضهن تعرضن لبتر أطرافهن، وأخريات أصبحن غير قابلات للتعرف عليهن. (موقع لجنة المرأة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية– الأول من مايو2025)
لكن كل رقم يروي قصة عائلة لن تعيش حتى تحت خط الفقر السابق. أطلق موجة الانفجار موجة من الفقر والبطالة والعوز. واجهت عائلات الضحايا، وخاصة النساء الأرامل، مشكلات اقتصادية ونفسية خطيرة. العديد من هذه العائلات، التي كانت تعيش أصلًا في ظروف الفقر قبل الحادث، تُركت الآن دون دعم. بعضهن لا يملكن حتى القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الطعام والماء.

أكبر عدد من الضحايا كان من العمال اليوميين الذين يعملون في أدنى الرتب الوظيفية؛ أشخاص بلا تأمين، بلا عقود رسمية، بلا دعم، والآن لا تعرف عائلاتهم حتى إلى أين يجب أن يتوجهوا، أو ما هي حقوقهم، أو كيف يمكنهم المطالبة بها. لا تعرف هذه العائلات إن كانت ستُمنح دية أم لا، ولا تعرف الوثائق التي يجب تحضيرها، ومن أين تبدأ، أو حتى أي جهة مسؤولة عن النظر في أوضاعهم. عائلات تسكن مناطق فقيرة مثل أحياء سكنية”2000″ أو “22 بهمن” أو “تبهاللهاكبر” لم تتلقَ حتى الآن اتصالًا بسيطًا. هؤلاء ليسوا فقط في حالة حداد، بل هم عاجزون، في حيرة، وقلقون بشأن الأيام القادمة.
قد يبدو هذا المشهد لا يُصدق بالنسبة للكثيرين: عائلة تعرفت على جثة عزيزها، لكنها لا تملك أجرة النقل للوصول إلى مكان تسليم الجثة. أو منزل يمر فيه صندوق مناديل ورقية واحد بين 80 شخصًا في مراسم العزاء. في البيوت، لا يوجد شاي ولا ماء بارد. لم تنفد مواردهم المالية فحسب، بل سُحقت كرامتهم أيضًا. تقول إحدى الشابات: «زوجي توفي، أنا حامل، لكنني قلقة فقط لأنني لا أملك المال لتجديد إيجار المنزل». بالنسبة لبعض العائلات، قد يستغرق الحصول على الدية ستة أشهر. كل شيء يعتمد على إجراءات حصر الإرث وتدقيق الوثائق. وهذا بالنسبة لمن يملكون وثائق هوية كاملة. إذا كانت الوثائق ناقصة، تتضاعف المشكلة. (”ركنا“– 5 مايو 2025)
من بين العائلات الثكلى، الفقر عميق وواسع النطاق لدرجة أن مجرد روايته ترجف القلب.
إحدى العائلات من زاهدان تعيش في منزل يشبه الخرابة أكثر منه بيتًا. أم مسنة، وزوجة شابة، وأخت معاقة تبدو، رغم بلوغها الثلاثين من العمر، كطفلة نحيفة. منزلهم على وشك الانهيار، والفقر يتساقط من جدرانه. كان ”حياة الله “ معيل هذه العائلة، والآن لم يعد موجودًا. غالبية هذه العائلات أميّة. ما هو واضح الآن هو حجم هائل من المعاناة، والفقر، والعوز، وفقدان الهوية، والعجز عن المطالبة بالحقوق. لا أحد يجيب عن سبب توظيف هذا العدد من العمال دون هوية أو رقابة في أحد أهم موانئ البلاد؟ لماذا كانت معايير السلامة الصناعية ضعيفة وهشة إلى هذا الحد؟ لماذا كانت البنية التحتية لمواجهة الأزمات غير فعالة بهذا الشكل؟ والآن، من المسؤول عن الرد على هذه الكارثة الإنسانية؟ (”ركنا“– 11مايو 2025)





















