العمل من أجل البقاء؛ النساء الإيرانيات بين الفقر، الإرهاق وغياب الدعم الوظيفي: بالنسبة للعديد من النساء في إيران، لا يعني فقدان الوظيفة أو عدم العثور على فرص عمل مستقرة مجرد بطالة فحسب، بل هو بداية لدورة من انعدام الأمن الاقتصادي، العمل المؤقت والإرهاق البدني.
في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تفاقم أزمة المعيشة، ارتفاع التضخم وتراجع فرص العمل المستقرة، اضطرت أعداد متزايدة من النساء إلى اللجوء إلى مهن تخلو من الأمن الوظيفي، والتأمين، والدعم القانوني، بل وحتى من أي ضمان لاستمرار العمل في الشهور القادمة.
في مثل هذه الظروف، فإن العديد من النساء اللائي يدخلن سوق العمل ليس لديهن في الواقع خيار سوى العمل نتيجة للضغط الاقتصادي وانخفاض دخل الأسرة. ويتحول اختيار الوظيفة تدريجياً بالنسبة لهن إلى ضرورة لكسب الدخل؛ وهو دخل غالباً ما يرافق ساعات عمل طويلة، وإرهاقاً بدنياً، وحرمان من أبسط الحقوق المهنية.
ولا يقتصر هذا الوضع على النساء العاملات في المصانع أو وحدات الإنتاج. ففي المناطق المحرومة في البلاد، جرى توجيه النساء اللائي كن ربات بيوت سابقاً أو كن يبحثن عن وظيفة ثابتة، نحو أعمال الزراعة الموسمية الشاقة؛ وهي أعمال تبدو أكثر من كونها مؤشراً على التمكين الاقتصادي، انعكاساً لتعمق الأزمة المعيشية داخل العائلات.
وبحسب إعلان مركز الإحصاء الإيراني في ربيع 2026، تصدرت محافظة كردستان بمؤشر بؤس تجاوز 111 بالمئة، وأذربيجان الغربية بمؤشر بلغ حوالي 104 بالمئة، قائمة المحافظات التي سجلت أعلى مستويات مؤشر البؤس. وهذا المؤشر، الذي يمثل مزيجاً من معدلي التضخم والبطالة، يعكس الضغط المزدوج لارتفاع الأسعار ومحدودية فرص العمل على العائلات.
يقدم تقرير من مدينتي سقز وبوكان، في المناطق الكردية غرب إيران، صورة واضحة لهذه الحقيقة؛ فالنساء اللواتي يتوجهن إلى الحقول قبل طلوع الفجر، يعملن ساعات طوال تحت حرارة الصيف، وبعد عودتهن إلى البيت يتحملن أيضاً مسؤولية الأعمال المنزلية ورعاية العائلة. فهن لا يُشاهدن في سوق العمل الرسمي فحسب، بل إن جزءاً كبيراً من عملهن لا يُحتسب في الحسابات الاقتصادية أيضاً.
وتعتبر محافظتا كردستان وأذربيجان الغربية أمثلة صارخة على المناطق التي يظهر فيها الضغط الاقتصادي بشكل ملموس. إن وجود هاتين المحافظتين بين المناطق ذات أعلى مؤشرات البؤس يوضح تزامن البطالة والتضخم؛ وهما عاملان يؤثران مباشرة على حياة الأسر منخفضة الدخل ويدفعان أفراد الأسرة، لا سيما النساء، نحو الوظائف المؤقتة والموسمية.

تجدون أدناه ثلاث عينات من روايات هؤلاء النساء والتي نُشرت على موقع ”اقتصاد 24“ بتاريخ 27 أغسطس/آب 2026:
اليوم الذي يبدأ من الساعة الثالثة فجراً
مريم (40 عاماً) هي إحدى النساء اللائي عملن طوال موسم الحصاد تقريباً في المزرعة. وتقول إن دخل شخص واحد لم يعد يكفي لتغطية نفقات المعيشة، واضطرت العائلات إلى إدخال جميع أفرادها القادرين إلى سوق العمل.
وتقول: “أحد الأطفال يستعد لامتحانات القبول الجامعي. لقد ارتفعت تكاليف المعيشة كثيراً. مهما عمل زوجي، فإننا نعاني من العجز مالياً. ولهذا اضطررت للعمل أنا أيضاً”.
ويتحدث زوج مريم بدوره عن برنامجهم اليومي الشاق بالقول: “تبدأ حياتنا نحو الساعة الثالثة فجراً. إعداد الطعام، جمع المستلزمات واللحاق بوسيلة النقل، هو البرنامج الذي تنفذه زوجتي وأنا قبل شروق الشمس”.
وحسب قوله، يركب العمال حافلة النقل نحو الساعة الرابعة صباحاً ويصلون الحقول بعد قطع مسافة طويلة. ويبدأ العمل من الصباح ويستمر حتى المساء؛ وهو يوم عمل طويل لا تتخلله سوى استراحات قصيرة لتناول الطعام.
وهو يصف وضعه وزوجته بالقول: “مع هذا الضغط في العمل، لم يعد لدينا أعصاب ولا رغبة في الكلام؛ ناهيك عن أن أجسادنا قد أصابها الإنهاك والتآكل.
الوردية التي لا تنتهي أبداً
لكن انتهاء العمل في المزرعة لا يعني انتهاء عمل النساء. فالعديد من العاملات الموسميات يدخلن بعد عودتهن إلى البيت وردية العمل الثانية؛ وهي وردية بلا أجر تتضمن الطبخ، التنظيف، رعاية الأطفال وإعداد مستلزمات اليوم التالي.
نسرین هي إحدى هؤلاء النساء. وتتحدث عن الساعات التي تعقب العودة من المزرعة بالقول: “عندما أصل البيت، يكون الأطفال بانتظاري. يجب أن أعد الطعام، وأقوم بأعمال البيت وأن أجهز لليوم التالي. في أحيان كثيرة أكون متعبة لدرجة أن كل ما أتمناه هو النوم، ولكن لا يمكنني ذلك”.
يمثل هذا الوضع نموذجاً واضحاً لما يُعرف في الدراسات الاجتماعية بـ “عبء النساء المزدوج”؛ فالنساء يعملن خارج البيت لتوفير الدخل ويتحملن في الوقت ذاته المسؤولية الرئيسية عن الأعمال المنزلية.
في العديد من الأسر منخفضة الدخل، لا يعني ارتفاع عدد الأفراد العاملين بالضرورة تحسن رفاهية المعيشة. وعملياً، أدى صعود تكاليف الغذاء، العلاج، التعليم والسكن إلى دفع الأسر للعمل ساعات أطول وإشراك عدد أكبر من أفرادها في سوق العمل بغية الحفاظ على الحد الأدنى من مستوى الحياة.

العمل بالبدن لا خلف المكاتب
يُعد العمل في حقول الحمص وغيرها من المحاصيل الزراعية عملاً شاقاً ومضنياً. فالانحناء لساعات طويلة، السير تحت أشعة الشمس، نقل المحصول والعمل المستمر يشكل ضغطاً هائلاً على أبدان العمال.
تقول شيرين التي تعمل في هذا القطاع منذ سنوات: “تدرك صعوبة العمل عندما تعمل لعدة أيام متتالية في الأرض. تذهب صباحاً وتعود عصراً. يتألم جسد الإنسان، ولكن إن تخلفت عن الذهاب ليوم واحد، فإنك تفقد أجر ذلك اليوم أيضاً”.
إن الاعتماد الكلي للدخل على الحضور اليومي في مكان العمل يحرم العديد من العمال من إمكانية الاستراحة أو الإجازة. وبالنسبة لهؤلاء النساء، قد يعني يوم من المرض أو الاستراحة ضياع جزء من دخل العائلة الضروري.
الفجوة بين الأجر والدخل الحقيقي
بناءً على أقوال العمال المحليين، قد يبدو الأجر اليومي للعمل في موسم الحصاد كبيراً ظاهرياً، إلا أن قسماً مهماً منه يذهب لتغطية تكاليف التنقل، الدفع لرؤساء العمال وتأمين الطعام.
وتقول سارا التي تعمل في هذه الحقول إن جزءاً من الأجر اليومي يُخصم بدل وسيلة النقل والتكاليف الجانبية. ونتيجة لذلك، فإن المبلغ الذي يتوفر للعامل نهاية اليوم بعيد كل البعد عن الرقم المُعلن عنه.
وتكتسب هذه الفجوة بين الأجر الاسمي والدخل الحقيقي أهمية أكبر في ظل الظروف التضخمية؛ إذ إن مجرد زيادة نسبية في الأجور لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين الوضع المعياري للأسر.

الطريق؛ خطر يسبق بدء العمل
لا تقتصر صعوبة العمل على المزرعة وحدها. فالكثير من العمال الموسميّين مضطرون لقطع مسافات طويلة في ظلام الفجر للوصول إلى مكان العمل. وتُعد التعب الناجم عن التنقل اليومي، المسافات الطويلة والظروف غير المناسبة لوسائل النقل جزءاً من المخاطر الخفية لهذا النوع من التشغيل؛ وهي مخاطر بالكاد تنعكس في الإحصاءات والتقارير الرسمية.
الوجه الحقيقي للمشاركة الاقتصادية للنساء
تُظهر قصة نساء في مدينتي سقز وبوكان أن زيادة حضور النساء في سوق العمل، في المجتمع الإيراني الحالي الخاضع لسيطرة نظام الملالي الفاسد، لا تعني توسيع الفرص أو تحسن وضعهن. بل إن هذا الحضور هو النتيجة المباشرة للضغط الاقتصادي، التضخم، انتشار الفقر وتراجع القدرة المعيشية للعائلات.
إن النساء اللائي يبدأن يومهن من الساعة الثالثة أو الرابعة فجراً، ويعملن ساعات طوال تحت أشعة الشمس ثم يتحملن مسؤولية البيت بعد عودتهن، يدفعن في الواقع ثمن الأزمة الاقتصادية بصحتهن، أوقاتهن وإنهاك أجسادهن.
وما يقل إدراكه في خضم ذلك كله، هو حاجة هؤلاء النساء إلى عمل مستدام، دعم قانوني، تأمين، أمن وظيفي وأجر قادر على تأمين حياة كريمة لهن دون فرض مثل هذا الضغط الباهظ.
ولعل الرسالة الأهم لهذه الرواية تتمثل في أن زيادة أعداد النساء العاملات في مثل هذه الظروف هي جرس إنذار حيال تعمق الأزمة المعيشية وانتشار الفقر بين الأسر الإيرانية؛ وهي أزمة غالباً ما تكون النساء ضحاياها الأوائل وآخر من تُسمع أصواتهن.




















