في هذه المقالة، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفقر، نسلط الضوء على وضع النساء المعيلات في إيران والضغوط المضاعفة التي يتحملنها.
عندما نتحدث عن النساء المعيلات، فإن عدة مجموعات رئيسية تكون موضع الاهتمام، مثل: الأرامل، المطلقات، زوجات المدمنين، زوجات السجناء، زوجات الرجال المهاجرين، الفتيات العازبات اللاتي يقمن بإعالة أنفسهن، وزوجات الرجال العاجزين والمعاقين، وكل هؤلاء مضطرات لإدارة وإعالة أسرهن. هذا في وقت تعتبرهن القوانين التي يسنها النظام الإيراني رسميًا مواطنات من الدرجة الثانية في خدمة الرجال. ولهذا السبب، يتحدث خبراء النظام منذ سنوات عن تأنيث وجه الفقر في إيران.
النساء المعيلات: أفقر فئة من العائلات المعيلة
وفقًا لمركز الإحصاء التابع للنظام في عام 2020، كان هناك ما يقرب من 4 ملايين امرأة معيلة في إيران. (موقع حكومي “مخابرات ما” – 20 أكتوبر 2021).
وبحسب نتائج تقرير نفقات ودخل الأسر الصادر عن مركز الإحصاء لعام 2020 (وهو آخر تقرير نفقات ودخل منشور)، من أصل 25 مليون و685 ألف رب أسرة في البلاد، كانت النساء يشكلن 3 ملايين و517 ألفًا منهم. ومن الجدير بالاهتمام أيضًا أن من بين هؤلاء الـ 3.5 مليون امرأة معيلة للأسر، كان ما يقرب من مليون ونصف منهن نساءً يعشن بمفردهن ويقمن بإعالة أنفسهن. بعبارة أخرى، من إجمالي أرباب الأسر في إيران، حوالي 13.7٪ منهم من النساء، ومن بين النساء المعيلات، حوالي 41.5٪ يعشن بمفردهن. (الموقع الحكومي “مشرق” – 9 أبريل 2022).
ما يقرب من نصف النساء المعيلات للأسر يصنفن ضمن أفقر الفئات في المجتمع. ووفقًا للإحصائيات الحكومية، في العشرية الأولى (الأفقر)، حوالي 45٪ من أرباب الأسر هم من النساء. (الموقع الحكومي “صحة نيوز” – 20 أكتوبر 2021).
ومن الجدير بالذكر أن النظام الإيراني ليس شفافًا فيما يتعلق بالإحصائيات. لذلك، من المتوقع أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير مما ينشره مركز الإحصاء التابع للنظام.
على سبيل المثال، أعلنت ”أنيسة خزعلي“، نائبة الرئيس السابقة لشؤون المرأة والأسرة، في يونيو 2022 أن “الإحصاءات غير الرسمية تشير إلى وجود نحو 6 ملايين امرأة معيلة.” وقبلها، كانت ”طيبة سياوشي“، العضوة السابقة في البرلمان الإيراني، قد ذكرت أن هذا الرقم متغير وقد يصل إلى 5 ملايين. (وكالة أنباء البرلمان الإيراني – 7 أغسطس 2017).
النساء المعيلات: نصيب ضئيل في سوق العمل
تواجه النساء في إيران صعوبات كبيرة في دخول سوق العمل والوصول إلى وظائف مناسبة وذات دخل مرتفع، بسبب التمييزات البنيوية والاجتماعية. ولهذا السبب، تضطر العديد من النساء العاملات إلى قبول وظائف في القطاعات غير الرسمية، في ورش صغيرة لا تخضع للرقابة، بأجور منخفضة للغاية، للقيام بأعمال شاقة ولساعات عمل طويلة.
تواجه هؤلاء النساء العديد من التحديات في حياتهن اليومية، وبسبب ظروف العمل غير الملائمة، يتعرضن لمشاكل جسدية أيضاً. كثير منهن يعانين من مشاكل في العمود الفقري والرقبة نتيجة الأعمال الشاقة.
معظم النساء المعيلات إما عاطلات عن العمل أو يعملن في وظائف جزئية وغير رسمية. وحتى إذا كانت لديهن وظيفة رسمية، فإن دخلهن قليل جدًا ولا يكفي لتأمين متطلبات الحياة الأساسية. الكثير من هؤلاء النساء لا يستطعن تغطية نفقات المعيشة اليومية أو دفع مقدمات الإيجار وغيرها من التكاليف.

النساء المعيلات: بطلات الأرض الزراعية الصامتات
في محافظة خوزستان، يوجد أكثر من 35 ألف امرأة معيلة. وتشير المصادر غير الرسمية إلى أن هذا العدد أكبر بكثير. (صحيفة “اعتماد” الحكومية – 15 يونيو 2024)
جزء كبير من هؤلاء النساء يعملن في الحقول الزراعية. ففي مدينة دزفول وحدها، يوجد أكثر من خمسة آلاف عاملة في القطاع الزراعي. من الفتيات المراهقات إلى النساء البالغات 70 عاماً، يعملن مقابل أجر يومي لا يتجاوز 200 ألف تومان. تعمل هؤلاء النساء جنباً إلى جنب مع الرجال، ولكن أجرهن لا يتجاوز 60٪ من أجر الرجال.
معظمهن يعملن بدون تأمين. وقد قالت امرأة تبلغ من العمر 80 عامًا إنها تعمل في الزراعة بدون تأمين منذ 60 عامًا في حرارة خوزستان التي تصل إلى 50 درجة مئوية! لو كانت هذه النساء مؤمّنات منذ بداية عملهن، لكان يجب أن يتقاعدن مرتين على الأقل بحلول هذا العمر.
في عام 2017، أعلن مركز أبحاث الضمان الاجتماعي أن النساء يشكلن 80٪ من العاملين غير المؤمن عليهم.
وتعمل النساء المزارعات غالباً في ورديتين، ويواجهن مشكلات عند استلام أجورهن بسبب حجج أصحاب الأعمال. في بعض الأحيان، لا يمتلك أصحاب العمل المال الكافي، أو يربطون دفع الأجور ببيع المحصول بالكامل، وإذا لم يتم بيعه، لا تحصل النساء على أجورهن.
غالباً ما تفقد العاملات حياتهن أثناء انتقالهن إلى مواقع العمل بسبب الحوادث المرورية. ففي سبتمبر 2022، توفي 18 شخصاً نتيجة حادث انقلاب حافلة صغيرة تقل عمالاً زراعيين في طرق شوشتر. وفي شتاء 2023، تعرضت 8 عاملات لإصابات إثر انقلاب سيارة بيك أب كانت تقلهن إلى حقول زراعية بالقرب من مدينة فضيلي التابعة لدزفول. وفي يونيو 2024، أصيب سبعة نساء عاملات بجروح بسبب انقلاب سيارة أخرى.
وفي مايو 2024، أعلن علي ضيائي، رئيس قسم فحص موقع الجريمة في منظمة الطب الشرعي التابعة للنظام، عن وفاة 2115 عاملاً وإصابة 27 ألف آخرين جراء حوادث عمل في عام 2023. (صحيفة “اعتماد” الحكومية – 15 يونيو 2024). للأسف، لا توجد إحصائيات مفصلة عن النساء العاملات.
النساء المعيلات: بيع البضائع في الشوارع لتأمين لقمة العيش
بسبب الفقر الشديد وعدم الوصول إلى وظائف دائمة، تضطر العديد من النساء المعيلات في إيران للعمل كبائعات متجولات. مع ازدياد الفقر في الفئات الدنيا من المجتمع، يتزايد عدد النساء اللاتي يلجأن إلى البيع في الشوارع. هؤلاء النساء، اللاتي يقمن أيضاً بدور الأمهات ويتحملن مسؤولية تأمين نفقات المعيشة، يجدن أنفسهن في الشوارع لبيع بضائع بسيطة.
قبل عقد من الزمن، كان البيع في الشوارع مهنة يمارسها الرجال، ونادراً ما كانت النساء تدخلن هذا المجال. ولكن اليوم، بسبب الضغوط الاقتصادية المتزايدة، أصبحت هذه المهنة وسيلة لكسب الرزق لكثير من النساء المعيلات. في كل مكان تُبسط فيه البضائع في الشوارع، تجد النساء جزءاً من هذا المشهد.
ومع ذلك، لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد النساء العاملات كبائعات متجولات. وتشير التقديرات إلى أن عددهن قد تضاعف بعد جائحة كورونا. (صحيفة “آرمان ملي” الحكومية – 7 يونيو 2024).
آسیه سيدة قضت ٥ سنوات في كسب رزقها من خلال بيع الشاي بالنبات والنسكافيه والمشروبات العشبية في ساحة تجريش بطهران. زوجها عاجز تمامًا عن العمل، وهي أيضًا تتحمل نفقات معيشة ابنتيها تقول: “في البداية، كان العمل في الشارع صعباً ومحرجاً للغاية، ولكن عندما لا يكون لديك شيء وتفتقر إلى أي رأس مال، تتجاوز الشعور بالخجل وتركز فقط على إطعام أطفالك، حتى لو كان ذلك يعني البيع في الشارع.”
نجمة سيدة أخرى، منذ أربع سنوات وبعد طلاقها وتحمّلها مسؤولية رعاية طفليها، اضطرت للعمل كبائعة متجولة في منطقة السوق الكبير بطهران. لقد أنهكت تماماً بسبب العمل كبائعة متجولة في الشارع، ووجهها قد احترق بشدة من أشعة الشمس. تحدثت نجمة عن الضغوط التي تواجهها في عملها قائلة: «عندما يأتي موظفو البلدية لجمع البضائع، يكونون مزعجين للغاية لدرجة أن البرد، والحرارة، وحروق الشمس لا تبدو ذات أهمية على الإطلاق».

تأنيث الفقر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة
يتزايد فقر المجتمع الإيراني تحت حكم نظام الملالي، حيث تشير آخر الإحصاءات الرسمية إلى أن خط الفقر في إيران يبلغ 30 مليون تومان، بينما يعيش أكثر من 30 مليون شخص تحت خط الفقر. (اقتصاد أونلاين – 12 سبتمبر 2024).
في ظل هذه الظروف، ليس العمال والمتقاعدون فقط، بل حتى موظفو الحكومة وكثير من أصحاب الرواتب يواجهون صعوبات في تأمين معيشتهم. وهذا مع العلم أن الحد الأدنى لأجور العمال في عام 2024 قد تم تحديده بـ 7 ملايين تومان، ورواتب المتقاعدين بـ 9 ملايين تومان. (موقع “سپیدار سیستم” – 20 مايو 2024).
هذا إذا تم دفع هذه الرواتب بالفعل، حيث يعاني العمال والمتقاعدون من تأخر الرواتب بسبب نقص الأموال في خزينة الدولة، وغالباً لا يتلقون حتى هذه الرواتب المتدنية لعدة أشهر. وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية القاسية وارتفاع معدلات البطالة، فإن الوضع يكون أسوأ بكثير بالنسبة للنساء، اللاتي يواجهن تمييزاً في التوظيف والعمل.
بعض النساء المعيلات في محافظات مثل كردستان وكرمانشاه وهرمزكان، يضطررن إلى عمل “العتالة” (حمل البضائع عبر الحدود) لتأمين نفقات الحياة. وفي حالات أخرى، يدفع الضغط الناتج عن عدم توفر فرص عمل مناسبة والحاجة إلى تأمين تكاليف العلاج وتعليم الأبناء، النساء المعيلات إلى اللجوء إلى أعمال غير تقليدية مثل بيع أعضائهن أو حتى اللجوء إلى الدعارة.
وبحسب تصريح لأحد الخبراء الحكوميين، فإن “تأنيث الفقر هو قضية بالغة الخطورة.” لا يمكن توقع قدرة كبيرة على الصمود من مجتمع يعاني من فقر مزمن يطال النساء. (موقع “رويداد 24” الحكومي – 2 يونيو 2024).
لا يمتلك النظام الإيراني خططاً لتحسين الظروف الاقتصادية للشعب، وخاصة النساء، ولا يريد ذلك. هذا النظام يعتمد على إبقاء الناس في حالة فقر، بحيث ينشغلون بتأمين الحد الأدنى من معيشتهم اليومية، مما يمنعهم من انتفاضة ضد هذا الحكم الجائر. لكن هذه حسابات خاطئة تماماً.
المجتمع الإيراني أشبه ببرميل بارود، وعلى الرغم من القمع الشديد والوحشي من قبل النظام، شهدت البلاد خمس انتفاضات شعبية على الأقل خلال السنوات السبع الأخيرة. كل الدلائل تشير إلى اقتراب انفجار الغضب الشعبي، الذي سيكنس نظام الملالي المستبد من صفحة إيران إلى الأبد.




















