كبرى مختار، التي اشتهرت بين أصدقائها ورفاق دربها باسم “سارا مختار”، من مواليد عام 1956 في طهران. أكملت دراستها في فرع الحاسوب وعملت كموظفة رفيعة المستوى في الخطوط الجوية الوطنية الإيرانية في طهران. وخلال الثورة ضد الشاه، وجدت ضالتها المنشودة في أهداف منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، ولم تتوقف لحظة واحدة عن النضال والكفاح حتى يوم خلودها، على الرغم من معاناتها من مرض قلبي حاد.
وكانت عضواً في المجلس المركزي لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، حيث وافتها المنية في 24 آذار / مارس 2026 إثر سكتة قلبية في باريس، غادرت على إثرها هذه الدنيا الفانية لتلتحق بقوافل رفاقها الشهداء والصادقين.
تعد هذه المرأة المجاهدة الباسلة من قادة جيش التحرير الوطني الإيراني ومديريته في عام 1989، وعضواً في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منذ عام 1992، وعضواً فيمجلس قيادة مجاهدي خلق في عام 1997.
وبعد الثورة ضد الشاه كانت سارا مختار من مسؤولي قسم الموظفين في منظمة مجاهدي خلق، ولعبت دوراً بارزاً في تنظيم الموظفين المؤيدين للمنظمة في طهران. ويقول أحد رفاق دربها الذي كان يعمل تحت مسؤوليتها في تلك الفترة:
«كانت الميزة الرئيسية لسارا هي روحها القتالية وحيويتها وحماسها الثوري. كانت تتمتع بنشاط وحركية عالية جداً، وأينما حلت كانت تغير أجواء المكان تماماً. وعلى الرغم من الظروف الصعبة للغاية للمواجهة المباشرة مع بلطجية الرجعية والهجمات اليومية على مراكز المجاهدين، لم يرَ أحد قط وجه سارا عابساً أو حزيناً. بالنسبة لها، كانت كل التناقضات قابلة للحل، ولم يكن هناك أي عائق يثنيها أو يوقف مسيرتها».
التحقت هذه المرأة البطلة والمجاهدة برفاقها المجاهدين في القواعد السرية لمنظمة مجاهدي خلق بعد 20 حزيران / يونيو 1981، وقادت حتى عام 1983 جزءاً من المعارك اليومية للوحدات العملياتية في طهران ضمن “كتيبة حنيف”.
وتولت مسؤوليات مختلفة في قواعد المنظمة في طهران حتى عام 1983، حيث التحقت بالوحدات القتالية للمجاهدين في المنطقة الحدودية.
وكانت سارا البطلة تزداد امتلاءً بالقيم الثورية والجهادية يوماً بعد يوم، واكتسبت كفاءات وصلاحيات جديدة خلال خوض النضال الصعب والشاق في المنطقة الحدودية. غير أن الثورة الأيديولوجية الداخلية للمجاهدين في عام 1985 أحدثت فيها تحولاً عميقاً، لتدخل سارا إلى عالم جديد من انعتاق المرأة الثورية في صفوف مجاهدي خلق.
ومع تشكيل جيش التحرير الوطني الإيراني، ارتدت بدلة الشرف والنضال، وكانت قائدة لعدد من الوحدات القتالية في عمليات “آفتاب” (الشمس الساطع)، و”جلجراغ” (الثريا)، و”فروغ جاويدان” (الضياء الخالد). وفي عام 1992، تولت القائدة سارا قيادة إحدى مديريات جيش التحرير الوطني.
وعملت سارا مختار لسنوات طويلة في منظمة مجاهدي خلق في الخارج، وكذلك في مكاتب رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية في الخارج.
ولم تتوقف سارا الباسلة، رغم ظروف مرضها الصعبة الناتجة عن عمليات جراحية متكررة في القلب، حتى آخر أيام حياتها، ولحظة واحدة عن الجهد والسعي لدفع مسؤولياتها الثورية إلى الأمام. وعلى الرغم من آلامها المبرحة، لم تفارق الابتسامة شفتيها قط، وكانت بروحها الثورية وحيويتها وفيض عطائها نموذجاً ومثالاً يحتذى به في الحيوية، تبث الحماس والنشاط الثوري في كل مكان من حولها.
وقالت بعد عملية زراعة القلب ومعركة الموت والحياة القاسية التي تجاوزتها، وهي في جمع من رفاقها:
«حقا أشكر الله. لم أكن أستطيع النهوض، ولكن كان يجب علي حقاً أن أقبل تراب هذا المكان بسبب هذا العطاء الكبير الذي منّ الله به علي، وحيث تمكنت بعد عام واحد من رؤية الأخوات والإخوة مجدداً عن قرب. وإذا أردت أن أذكر الدافع الرئيسي لبقائي، فهو يعود لسببين فقط: الأول هو ثورة الأخت مريم، والثاني هو وجودي هنا مع أخواتي وإخوتي المجاهدين ومواصلة الثورة والعمل. أي مهما أردت أن أصف، فلن أتمكن من التعبير عن لحظتي وشعوري الداخلي ومدى عدي للساعات والدقائق لأتمكن من رؤيتكم مجدداً وأن أكون إلى جانبكم…
إنما هناك دافع واحد فقط، وهو الوجود تحت سقف المنظمة وفي ظل هذه القيادة، وباختصار، النهل من ثورة الأخت مريم. في العام الماضي، نلت شيئاً لم أكن قد شعرت به قط طوال هذه السنوات الطويلة التي قضيتها في المنظمة وكمجاهدة أعمل وأتحمل المسؤولية.
أحدهما يتعلق بثورة الأخت مريم نفسها، وكيف يمكنها حقاً أن تجعل الإنسان ممتلئاً ومناضلاً بحيث يمتلك القدرة على الوقوف حتى في وجه الموت. لأنكم تعلمون بأن الشخص الذي يقال له إن قلبه يعمل بنسبة 8% أو 10%، وكليتيه خارجتان عن الخدمة تماماً، ورئته تعمل برئة واحدة وهي تعمل بشكل نصف آلي تقريباً، وبقية الأشياء مثل عضلات الجسم كلها معطلة ولم يعد قادراً على العمل ويجب أن يتحرك على كرسي متحرك ولم يعد يقدر على المشي، وإلى آخره، فإن أبسط شيء هو أن يقول المرء…
حسناً في النهاية مهما كان من جهد أو أي شيء فقد انتهى الأمر ولا يمكن فعل شيء آخر، وأنا راضٍ بقضاء الله، وأنا لست خائفاً من الموت والشهادة وهذه الأمور لأنني حللتها مسبقاً. إذن أنا مستسلم ويمكنني الانتظار لأي شيء يقدره الله لي أو يضعه أمامي فأنقاد له.
هذا طريق، وهناك طريق آخر وهو أن يقول الإنسان: صحيح أنني حللت كل هذه الأمور، ولكن لدي دافع للوجود والبقاء أكثر. وهو أنني جئت لأقاتل. وعندما يأتي الإنسان ليقاتل، فعليه استخدام كل طاقته وقدرته من أجل مزيد من القتال. حسناً، إذا كان قادراً على ذلك فليفعل».
وقالت السيدة مريم رجوي في رسالة وجهتها بمناسبة خلودها، متحدثة عنها بالقول:
«إن أختي العزيزة كبرى، ومن خلال وعيها العميق بالانعتاق وتحمل المسؤولية كامرأة مجاهدة، لعبت دورها الحاسم في المجلس المركزي للمجاهدين حتى آخر لحظة من حياتها.
ولاسيما في العشرين عاماً الماضية حيث كانت تعيش في وضع جسدي صعب وتخضع لعمليات جراحية في القلب، كانت تواجه الابتلاءات بهدوء وبابتسامة دائمة قائلة لها “أهلاً بكِ”، وكانت نموذجاً في تحمل المسؤولية، والالتزام، والوحدة، والفيض، والتضحية، والعطاء التام بين رفاق دربها…
إنني واثقة من أن قيمها الجهادية والتحررية ستتضاعف وتنتشر بين رفاق دربها، وستكون مصدر إلهام لنضال النساء والفتيات المنتفضات في وحدات المقاومة.
وكما وطئت قدماها هذا العالم في فصل الربيع، فقد غادرته أيضاً في الربيع نحو الحياة الأبدية. ومن الآن فصاعداً، سنراها حية وحاضرة في الربيع الذي يهزم الشتاء بخضرته، وفي تفتح البراعم، وفي قوس قزح، وفي ابتسامة النساء والفتيات المنتفضات في إيران يوم النصر».




















