تحولت أزمة المياه في إيران، وتجاوزت كونها مجرد تحدٍ طبيعي، لتصبح كارثة إنسانية وبيئية واقتصادية. ورغم محاولات الحكومة لسنوات طويلة عزو شح المياه حصراً إلى انخفاض معدلات هطول الأمطار والتغيرات المناخية، إلا أن الباحثين والمراقبين الدوليين يؤكدون أن أكثر من 70 إلى 80 بالمئة من الأزمة الحالية في إيران ناتجة عن عقود من سوء الإدارة، وبناء السدود العشوائي، والفساد الهيكلي، والسياسات غير المستدامة لنظام الملالي؛ وهي قرارات جعلت الأرض أكثر عطشاً والأنظار نحو مستقبل المجتمع الإيراني أكثر قتامة.
ومع ذلك، فإن تداعيات هذه الكارثة ليست متساوية على جميع فئات المجتمع. فالنساء، نظراً لدورهن الرئيسي في تأمين الصحة العامة وإدارة شؤون المنزل ورعاية الأسرة، هن الضحايا الأوائل والرئيسيون للجفاف وشح المياه المتصاعد في البلاد. وفي وقت يواجه فيه الملايين أزمة انعدام المياه، تضطر النساء الإيرانيات إلى تحمل العبء الثقيل لانعدام الأمن المعيشي والصحي والاجتماعي الناجم عن سياسات نظام الملالي القائمة على مقارعة النساء والنهب.
وقد تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال أبعاد خلل التوازن العميق في موارد المياه، والانخفاض الكارثي في مخزونات السدود، والتحديات الأولية التي تواجهها النساء في ظل هذه الأزمة. والآن، في الجزء الثاني من هذا الموضوع، نسلط الضوء على التداعيات المدمرة لهذه الكارثة على انهيار القطاع الزراعي، وتفاقم الفوارق الطبقية، وتهديد الصحة العامة، وفي نهاية المطاف، الدور الريادي للمرأة في الخطوط الأمامية للاحتجاجات الشعبية ضد نظام الملالي.

انهيار الزراعة وانعدام الأمن الغذائي
دمرت أزمة المياه بشكل مباشر معيشة ملايين المزارعين الإيرانيين وهددت الأمن الغذائي للبلاد. ذكرت وكالة أنباء برنا في 18 ديسمبر 2024 أن الجفاف الواسع في عام 2025 أدى إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية إلى الصفر في العديد من المناطق. كانت هذه الحالة كارثية بشكل خاص في مناطق مثل خوزستان، التي كانت تُعرف سابقًا بـ”مخزن الحبوب الإيراني”. المزارعون، الذين لم يتمكنوا من الزراعة بسبب نقص المياه، واجهوا ديونًا ثقيلة وفقرًا مدقعًا. لم يؤد انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية إلى زيادة أسعار المواد الغذائية فحسب، بل حول إيران إلى مستورد رئيسي للحبوب.
زيادة التفاوت واتساع الفجوة الطبقية
فاقمت أزمة المياه التفاوتات الاجتماعية في إيران وعمّقت الفجوة الطبقية. بينما يعاني الناس العاديون في المناطق المحرومة من نقص مياه الشرب، يعيش المرتبطون بالنظام والأثرياء في رفاهية بفضل وصولهم إلى مصادر خاصة مثل الآبار العميقة أو شراء المياه بأسعار مرتفعة. هذا التفاوت واضح في طهران أيضًا؛ حيث تُزوَّد المناطق الراقية في شمال المدينة بالمياه عبر صهاريج خاصة، بينما تواجه المناطق الجنوبية تقنينًا شديدًا. النظام، الذي ساهم في هذا التفاوت من خلال سياساته التمييزية، لم يتخذ أي إجراء لتوزيع الموارد بشكل عادل، بل يقمع أصوات المحرومين. (إيران بديا – 2 مايو 2025)
ارتفع سعر المياه في بعض مناطق إيران إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف السعر السابق. هذه الزيادة في الأسعار، بدلاً من أن تكون رادعة، تسببت في أعباء نفسية واقتصادية على المستهلكين المنزليين. وفقًا لـ ”محمد إمامي كورنده“، المحامي، عندما اتجهت الدولة نحو توجيه الدعم، تم التركيز على حاملات الطاقة: المياه، الغاز، الكهرباء، وكل ما يُعتبر طاقة. كان الهدف أن تتوقف الدولة عن دفع الدعم لهذه الحاملات وتتقاضى التكلفة الحقيقية أو النفقات التي تتكبدها لتوفيرها من الشعب.
في المقابل، كان من المفترض أن يُستخدم الدخل الإضافي من الفواتير لدعم الفئات الضعيفة ومنخفضة الدخل والمحرومة في المجتمع، أي في الحقيقة نفس الدعم المدفوع للناس. لكن هذا الإجراء تسبب في العديد من التمييزات والفوضى. حتى الآن، انخفض عدد المستفيدين من الدعم، الذين كان من المفترض أن يشملوا ما بين 50 إلى 70 مليون شخص في تلك السنوات، إلى أقل من 20 مليون شخص. في الواقع، استبعدت الحكومة، بحجة توجيه الدعم ورعاية المحرومين، أكثر من 60 أو حتى حوالي 80 بالمئة من سكان البلاد من العملية القانونية لتلقي حقهم في الدعم، وعرضت جميع حاملات الطاقة بأسعار حرة. نتيجة لذلك، ارتفعت التكاليف، وزادت إيرادات الحكومة بشكل كبير، والأهم من ذلك، أنه في كل عام تواجه الحكومة عجزًا في الميزانية، نشهد استبعاد المزيد من مستفيدي الدعم بسهولة وبحجج واهية.
تزيد الحكومة سنويًا من أسعار فواتير المياه والكهرباء والغاز وغيرها من حاملات الطاقة بمعدل التضخم أو حتى بشكل أسرع. قلصت هيئة المياه ضغط المياه خلال العام الماضي إلى عُشر مستواه، مما يعني حرمان الناس من الوصول الطبيعي إلى المياه التي يدفعون مقابلها مبالغ كبيرة. (جهان صنعت – 19 يوليو 2025)
تهديد الصحة العامة وانتشار الأمراض
تسبب نقص المياه النظيفة في تبعات خطيرة على الصحة العامة وزاد من مخاطر انتشار الأمراض. أشار تقرير يورونيوز بتاريخ 13 مارس 2025، بعنوان “مرّ الشتاء القاسي في إيران؛ هل ستطال أزمة نقص المياه الشعب في الصيف؟”، إلى المشكلات الصحية في خوزستان، حيث لجأ الناس إلى استخدام مصادر ملوثة بسبب غياب المياه النظيفة. أدى هذا الوضع إلى زيادة حالات الإسهال والالتهابات المعوية.
في الشمال الغربي، تحولت مساحة كبيرة من بحيرة أرومية الجميلة إلى مستنقع ملحي. ينتقل الملح الناتج عن هذه البحيرة لآلاف الكيلومترات، ويصل إلى شمال شرق البلاد. وفقًا للبيانات المتوفرة والدراسات التي أجراها خبراء بيئيون غربيون قبل سنوات، يمكن أن تتسبب هذه الجزيئات في انتشار أمراض تنفسية وقلبية وكلوية واضطرابات في الجهاز المناعي، وتمتد آثارها إلى ما هو أبعد من محافظات أذربايجان وكردستان وزنجان، وحتى إلى الدول المجاورة. ووفقًا لدراسات جامعة العلوم الطبية في تبريز، بدأت بعض هذه الأمراض تظهر بالفعل. (صحيفة جهان صنعت – 22 يوليو 2025)
اعترف عيسى كلانتري، الرئيس السابق لمنظمة حماية البيئة، العام الماضي قائلاً: “في عام 2015، حدثت سلسلة من الأمراض الجلدية وارتفاع ضغط الدم لدى المواطنين، وهي من مخاطر جفاف البحيرة.” (صحيفة جهان صنعت – 22 يوليو 2025)

النساء في الصفّ الأوّل من الاحتجاجات الشعبيّة
أدّى نقص المياه، بوصفه عاملاً محفّزاً، إلى تصعيد التوتّرات الاجتماعيّة في إيران إلى مستوى غير مسبوق، وكان الحضور الواسع للنساء في هذه الاحتجاجات لافتاً للنظر.
فقد استمرّت الاحتجاجات الواسعة في محافظة خوزستان خلال صيف عام 2025، والتي اندلعت في السنوات الأخيرة بسبب انعدام المياه وجفاف الأهوار. بدلاً من معالجة المشكلة، وصف النظام المحتجّين بأنّهم «مخرّبون»، ولجأ إلى القوّة العسكريّة، ما أسفر عن مقتل واعتقال عشرات الأشخاص.
وشهدت مدن إيرانية مختلفة، من مايو إلى أغسطس 2025، احتجاجات مماثلة في شهركرد وعدد من المحافظات الجنوبيّة والوسطى، ورفعت فيها شعارات مثل: «الماء، الكهرباء، الحياة؛ حقّنا المؤكد».
(ويكي بديا -11 أغسطس 2025)
وفي ”نسيم شهر“ التابعة لطهران، خرج المواطنون إلى الشوارع يوم 20 يوليو 2025 احتجاجاً على انقطاع المياه لثلاثة أيّام متتالية في حرٍّ شديد. كما شهدت طهران وإسلامشهر في 22 و23 يوليو 2025 احتجاجات مناهضة للنظام بسبب انقطاع المياه والكهرباء.
في طهران، خلال يومي23-24 يوليو، رفع المتظاهرون شعارات من قبيل: «الموت لخامنئي، اللعنة على خميني»، و«كلّ هذه السنوات من الجريمة، الموت لخامنئي»، و«الموت للديكتاتور»، تعبيراً عن غضبهم من الوضع الكارثي في البلاد.
وفي إسلامشهر، يوم 25 يوليو 2025، دوّى شعار «الموت لخامنئي» احتجاجاً على الانقطاعات المتكرّرة للكهرباء، كما سُجّلت في اليوم نفسه احتجاجات مماثلة في مدينتي مرودشت وتربتجام.
وفي يوم الجمعة 25 يوليو 2025، تظاهر أهالي قرية ”برزنون“ التابعة لمدينة نيشابور بسبب الانقطاع المستمرّ للمياه، وقاموا بقطع الطريق. وقال القرويّون: «إذا لم توجد مياه، وإذا لم يأتِ أيّ ردّ من مسؤولي النظام، فليس من سبب لأن تبقى الطرق مفتوحة!» (أمانة العامة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية – 26 يوليو 2025)

الكلمة الأخيرة
إنّ الأزمة المعروفة اليوم باسم «اختلال توازن الطاقة» ليست مفاجئة ولا نتيجة لتغيّرات مناخيّة، بل هي حصيلة تراكمات من الفساد والسياسات المعادية للشعب، المتجذّرة في طبيعة ديكتاتوريّة دينيّة.
كما أنّ أزمة المياه تمثّل أحد الأسباب الكثيرة لعدم الاستقرار السياسي وفقدان شرعيّة حكم الملالي.
يقول كاوه مدني، رئيس مؤسّسة المياه والبيئة والصحّة التابعة لجامعة الأمم المتّحدة:
«إذا نظرنا إلى بلدنا، سنرى أعراض مرض عضال أو التهاب شديد أو سرطان ينتشر في مختلف القطاعات: يوماً لا نستطيع التنفّس بسبب تلوّث هواء طهران، ويوماً الغبار، ويوماً أزمة المياه، وآخر انهيار التعليم أو ارتفاع سعر الدولار، أو البورصة، أو الصناعة… إنّ علامات الأزمة تظهر في كلّ المجالات، وكثير منها له جذور مشتركة. علينا أن نعترف بالفشل». (صحيفة اعتماد – 26 يوليو 2025)
إنّ الاحتجاجات المتكرّرة في خوزستان وأصفهان وسائر المحافظات التي اندلعت بسبب شحّ المياه تعبّر عن غضب الشعب المتزايد من عجز النظام. والقمع الدموي لهذه الاحتجاجات، الذي أدّى إلى مقتل متظاهرين، لم يؤدِّ إلا إلى تأجيج غضب الناس وزعزعة أركان السلطة.
إنّ مؤشّرات انتفاضة وطنيّة شاملة لإسقاط هذا النظام غير الشرعيّ باتت ظاهرة في كلّ مكان. وما يتعلّق بالمجتمع الدولي والضمائر الحيّة هو مساعدة الشعب الإيراني في هذا المسعى المصيري. إنّ الاعتراف بالبديل المنظّم للشعب الإيراني، الذي ناضل لعقود من أجل حرّيّة إيران، لن يسرّع فقط خلاص الشعب من الديكتاتوريّة، بل سيجلب السلام والصداقة للعالم الحرّ بأسره.




















