مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الأول
نبدأ من هذا العدد بتسليط الضوء على المذكرات المنشورة في كتاب ثمن البقاء إنساناً التي خطتها أعظم حاج حيدري.
ولدت أعظم حاج حيدري في عائلة دينية تقليدية وفي أحد الأحياء الفقيرة جنوب طهران (ساحة شوش).
وكانت تبلغ من العمر 20 عاماً وقت الثورة ضد الشاه وبسبب الأفكار المتعصبة لعائلتها، كانت المشاركة في الأنشطة النضالية بالنسبة لها صعبة للغاية ومليئة بالعقبات.
كانت أعظم معلمة للأطفال المحرومين، وبعد تعرفها على منظمة مجاهدي خلق الإيرانيةعن طريق المجاهدة الشهيدة “طاهرة محرر خوانساري“، والتمرد على القيود التي فرضتها عليها عائلتها، خطت خطواتها في طريق النضال من أجل حرية شعبها. وبعد اعتقالها من قبل حرس خميني، قضت 5 سنوات في السجون التابعة للقضاء ومنها إيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، حيث تعرضت لشتى أنواع التعذيب.
سنقوم في الأعداد القادمة بنشر تفاصيل الاعتقال والمقاومة في السجن ضد رجعية خميني من كتاب ثمن البقاء إنساناً مع تحريرها للنشر على الموقع الإلكتروني. في هذا العدد الأول، تكتب المؤلفة عن الفترة التي سبقت اعتقالها ومقاومتها في وجه وحشية حرس خميني.
صراع بين قوتين
في أواخر عام 1980 وأوائل عام 1981، اتخذت هجمات الحرس ورعاع خميني على المجاهدين وأنصارهم شكلاً وحشياً ومميتاً بالكامل. لم يمر يوم دون أن نخرج فيه إلى الشارع ونتعرض لهجماتهم الشرسة. ولم يمضِ يوم دون أن يُقتل أو يُجرح أو يُعتقل واحد أو أكثر من أنصار المجاهدين على يد “البلطجية” ويُنقلوا إلى غرف التعذيب. كانوا يضربوننا باللكمات والركلات ومختلف أنواع الأسلحة البيضاء بقصد القتل.
في أحد الأيام، كنت أنا وصديقتي عند تقاطع “جمهوري” نبيع صحيفة “مجاهد”. في ذلك اليوم، كانت صديقتي تمسك بالصحيفة وتقرأ عناوينها بصوت عالٍ كالمعتاد. وبينما كنت أتولى مهمة حمايتها، رأيت فجأة ثلاثة رجال ضخام الجثة، كثيفي اللحى، ربما كانوا أطول مني بـ 70 سنتيمتراً، يتجهون نحونا، وكان أحدهم يضع يده داخل قميصه. أدركت أن لديه نية خبيثة ويريد إخراج أداة لضرب صديقتي. لم أرفع عيني عنهم، وكان كل تركيزي منصباً على ما يجب عليّ فعله. ذهبت ووقفت خلفهم. بقيت خطوة واحدة ليصلوا إلى صديقتي، حين رأيت ذلك الرجل الضخم يخرج “نانتشاکو” من تحت قميصه ويرفع يده ليضرب رأس صديقتي بكل قوته.
لا أعرف من أين استمددت تلك القوة في تلك اللحظة، حيث قفزت وخطفت “النانتشاکو” من خلف رأسه لُذتُ بالفرار. كان شارع “جمهوري” مزدحماً للغاية. كنت أركض بكل قواي وكان هذان الرجلان الضخمان يركضان خلفي. كاد نَفَسي ينقطع من التعب والخوف. ولأن رواسب النظرة الدونية للمرأة كانت لا تزال متجذرة في داخلي، تمنيت في تلك اللحظات أن يأتي رجل قوي يستطيع مواجهة هؤلاء العمالقة لإنقاذي منهم.
أثناء الركض، كنت أفكر فيما يجب عليّ فعله. رأيت في طريقي جسراً صغيراً فوق ساقية ماء، كانت فرصة جيدة. رميت “النانتشاکو” تحت الجسر وواصلت الركض. بعد لحظات قليلة، لحق بي أولئك الضخام وانهالوا عليّ باللكمات والركلات والضرب. تحطم جسدي بالكامل، لكنني كنت أشعر بالنصر في قلبي؛ لأنني أنقذت صديقتي أولاً، ونجحت في انتزاع سلاحهم
من أيديهم ثانياً، وهو الأمر الذي كان يحرق قلوبهم غيظاً. لقد شعروا بالخزي بشكل خاص لأنهم هُزموا أمام فتاة نحيلة.
تدريجياً، بدأ الناس يتجمعون حولنا ويحتجون على سبب هجومهم على فتاة ضعيفة وعزلاء وضربها. كانت كل واحدة من هذه الحوادث، التي تكررت مراراً خلال الأنشطة الدعائية وفضح الحقائق، عاملاً أبعدني خطوة عن الضعف وبث فيّ الثقة بالنفس. وأعتقد أنه بالتوازي مع ذلك، كانت نظرة الناس والمجتمع تتغير تجاه النظام وتجاهنا.
رأى الناس ممارسات بلطجية النظام ضدنا فباتوا يكرهونهم. ومن ناحية أخرى، رأوا مقاومتنا، فزاد احترامهم وحبهم لنا، خاصة تجاه الفتيات والنساء من أنصار المجاهدين، واكتسبوا هم أنفسهم شجاعة وغيرة أكبر لمواجهة والتصدي لعناصر القمع التابعة للنظام. أي أنه في ذلك المعترك العظيم والواسع الذي كان يتدفق في المجتمع كافة وفي جميع المدن، كنا نرى بأعيننا كيف كان خميني يهبط يوماً بعد يوم من المكانة التي كانت لديه، وكيف كان الناس الذين أملوا فيه خيراً في البداية ينفضون من حوله وينحازون في المقابل نحو المجاهدين والقوى التقدمية.
بالتوازي مع هذا التيار، كانت وحشية وعنف الحرس وبلطجية النظام ضدنا تشتد يوماً بعد يوم. في كل يوم نخرج فيه لبيع الصحيفة أو للأنشطة الدعائية، لم يكن لدينا أمل في العودة إلى المنزل ليلاً. وعندما كنا نعود، كنا نعود برؤوس وأيدٍ مكسورة وجروح وأجساد كدمها الضرب وأدماها. لكن بسبب ذلك التيار الاجتماعي المتحول الذي ذكرته، كانت المعنويات في ذروتها؛ لأننا كنا نرى بأعيننا تآكل وانحدار النظام على المستوى الاجتماعي وتقدمنا نحن.
في حملة الاعتقالات الواسعة يوم 31 مايو 1981، جاء حرس النظام إلى المدرسة التي كنت أدرس فيها لاعتقالي. أبلغتني إحدى المعلمات، وهي صديقة لي كان شباك فصلها يطل على الشارع، أن هناك أشخاصاً حول المدرسة يبدون مشبوهين. نظرت من النافذة وخمنت أنهم جاؤوا لاعتقالي. خرجت من نافذة الفصل وغادرت المدرسة بسرعة، وهكذا أفلتُّ من قبضة الحرس. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مطاردة وملاحقة من قبل الحرس.
ولكن، بما أنني لم أكن قد أجريت الامتحان النهائي لطلاب فصلي وكنت قلقة على وضعهم الدراسي، اتفقت على موعد الامتحان عبر زملائي الأصدقاء. ورغم أن هذا العمل كان ينطوي على مخاطرة كبيرة وكان أصدقائي يحذرونني منه، إلا أنني غامرت ولم يطاوعني قلبي أن أترك أطفال فصلي في حالة ضياع، فذهبت إلى المدرسة وأجريت لهم الامتحان. وبمجرد أن رآني الأطفال، تجمعوا حولي ببهجة وفرح لرؤيتي مجدداً. بعد الامتحان، أخبرت الأطفال أنني قد لا أكون معلمتهم بعد الآن، وربما لن نتمكن من رؤية بعضنا قريباً. أظهر الأطفال امتنانهم بوضوح وقد بدا عليهم الحزن، وكانت نظرات بعضهم دامعة وهم يعبرون عن رغبتهم في أن أكون معلمتهم في العام المقبل أيضاً. كان فراق هؤلاء الصغار الطيبين والمحرومين صعباً عليّ، لكنني ودعتهم وخرجت بسرعة ونجوت مرة أخرى من يد حرس خميني.
قبل ذلك أيضاً، تعرضت عدة مرات في شهري أبريل ومايو 1981 لخطر الاعتقال من قبل لجان مختلفة للحرس أثناء الأنشطة الدعائية، لكن في كل مرة كان يتم إطلاق سراحي بعد تحمل الإهانة والضرب من قبل الحرس. ومن ذلك يوم 8 يونيو1981، خلال تظاهرة سلمية نظمت في طهران، تعرضت لهجوم من قبل الحرس الذين كان أغلبهم يتبعون لجنة الحرس في منطقتنا ويعرفونني، فأصبت بجروح. لقد انقضوا على المتظاهرين بالهراوات والسكاكين والقامات والـ “نانتشاكو”، وكانوا يضربون المتظاهرين، الذين كان أغلبهم من الفتيات والنساء الشابات من أنصار منظمة مجاهدي خلق، بوحشية شديدة داخل طوق الحصار الذي فرضوه. في هذا الهجوم، أصيبت إحدى صديقاتي وتدعى ”طاهرة نقدي“ بجروح بليغة، وهي التي استشهدت لاحقاً على يد جلادي خميني في سجن إيفين. لكن في النهاية، وبمساعدة الناس، تمكنا من كسر طوق الحصار وإنقاذ طاهرة والباقين من أيدي البلطجية.
يتبع…
استشهدت المجاهدة طاهرة نقدي في 20 ديسمبر 1981. وكانت من المقربين لمحمد حسين نقدي، ممثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في إيطاليا، الذي استشهد عام 1993 على يد إرهابيي نظام خميني في وسط مدينة روما.




















