مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنسانا – الجزء التاسع
في العدد التاسع من سلسلة مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري، والمنشورة في كتاب ثمن البقاء إنسانا، تكتب المؤلفة عن المعنويات العالية لزميلاتها المجاهدات من رفيقات دربها، وعن المقاومة في وجه التعذيب الوحشي للجلادين، وكذلك عن الإضراب عن الطعام في سجن إيفين.
وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في سن 22 – 23 عاماً، وقد خطت خطواتها في طريق النضال. وقضت مدة 5 سنوات في سجون وزارة العدل المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهر دشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حرس خميني.
المقاومة في وجه التعذيب الوحشي
ذات مرة، فُتح باب العنبر مجدداً ودخلت شخصية جديدة، كانت تسير منحنية الظهر وبصعوبة بالغة جراء شدة التعذيب. فتاة سمراء، فارعة الطول، ذات وجه منهك لكنه جذاب وطيب، ينجذب إليها المرء من اللقاء الأول. ذهبتُ نحوها، كانت قدماها محطمتين تماماً وممزقتين. قلت لها: هل تريدين أن أساعدك؟ نظرت إلى وجهي وابتسمت.
بدا لي وجهها مألوفاً، لكنني لم أعرفها. قالت: “أعظم، ألا تعرفينني؟” شعرت بالخجل لأنها تعرفني بينما أنا لا أعرفها. ابتسمت مجدداً بلطف وقالت: “أنا سيما! هل نسيت؟ حقك معك، لقد تغيرت ملامح وجهي، لكنني أنا نفسي لم أتغير.”
وذكرت اسماً أو اسمين من الأماكن التي عملنا فيها معاً في رابطة المعلمين من أنصار منظمة مجاهدي خلق. فجأة عرفتها. يا للعجب! “أأنت سيما؟ كم تغيرت ملامحك!…” كانت سيما حكيم معاني التي هرم وجهها خلال عام واحد بأكثر من 10 سنوات.
قبل 20 يونيو/حزيران 1981، عملنا معاً كثيراً. كانت سيما الابنة الوحيدة لعائلة ميسورة الحال نسبياً، وتحمل شهادة جامعية. لم يكن ينقصها أي شيء في الحياة، لكنها اختارت النضال وبقيت ثابتة وصامدة في هذا الطريق حتى النهاية.
كانت قدما سيما محطمتين وممزقتين تماماً، والتهبت جراحها حتى وصلت العدوى إلى دمها. ولم يقم الجلادون بأي خطوة لعلاجها، انتقاماً من مقاومتها وعدم استسلامها، وبهدف زيادة عذابها.
ومن شدة الألم والضغط، فقدت 20 كيلوغراماً من وزنها وأصبحت ضعيفة جداً. كانت تتحرك بواسطة كرسي متحرك، ورغم هذا الوضع لم تهدأ أو تستكين ولو للحظة واحدة. وبجهدها الذاتي ومساعدة بقية فتيات العنبر، تمكنت من تحريك إحدى يديها عبر الرياضة إلى حد ما يساعدها في أداء بعض الأعمال. وفي الأوقات التي كان الفتيات يصررن عليها لترتاح قليلاً، كانت ترفض وتقول: “الوقت ضيق، وليس لدي فرصة كافية”… وفي نهاية المطاف، ساقوها وهي على تلك الحال إلى فرقة الإعدام رمياً بالرصاص.
ومن بين هؤلاء الشامخات الأخريات كانت ”شهربانو قرباني“، التي عذبها الجلادون بغيظ وحقد غريبين لدرجة أنه لم يعد بإمكان أحد التعرف على وجهها. حتى أن دخولها إلى العنبر قد أثار صدمة شديدة لدى الجميع.
ومن خلال التعذيب الذي تحملته شهربانو، توصلت إلى استنتاج مفاده كم هي قيمة وسامية المبادئ الإنسانية التي تخلق هذه القدرة اللامحدودة على تحمل التعذيب، وتجعل مثل هذه المعركة القاسية سهلة ويسيرة.
بعد ثلاثة أيام، أخذوا شهربانو من العنبر ولم أرها بعد ذلك، إلى أن سمعت نبأ استشهادها بعد نحو عام، لكنني لا أعرف أين وكيف أعدموها.
ضد الخونة
بعد فترة، نُقلت برفقة عدد آخر من الفتيات إلى عنبر آخر. وعندما ذهبنا إلى هذا العنبر، رأيت أنني أعرف معظم الفتيات هناك. وكان أغلبهن ممن نُقلن إلى ذلك العنبر بذريعة التحقيق أو بتهمة الثبات على الموقف أو الارتباط التنظيمي، ولم نكن نعرف شيئاً عن مصيرهن. وعندما تجولت دورة في العنبر، غمرتني الفرحة برؤية الفتيات، ونسيت تماماً مرارة الفراق عن صديقات العنبر السابق. لأنني كنت أعتقد بشأن الكثيرات منهن أنه قد تم إعدامهن، والآن عندما رأيتهن فجأة أحياء أمامي، شعرت وكأن الدنيا قد وُهبت لي. بروين حائري، مريم كلزاده غفوري، هما رادمنش، أعظم طاق دره، وغيرهن… كنّ من بين هؤلاء الفتيات.
جميعهنّ كنّ تحت حكم الإعدام، ولاحقاً قام النظام بإعدامهن جميعاً. أما لماذا جمعهن في عنبر واحد؟ فربما كان يريد كسر إرادتهن وتحطيمهن وهن تحت حكم الإعدام، لكن مخطط الملالي هذا فشل أيضاً، ولم تستسلم أي منهن ونلن شرف الشهادة.
وكانت بروين حائري معروفة لدى الجميع بقامتها المستقيمة والصامدة ومقاومتها العجيبة في الشكل والمضمون. وكان موقعها وشخصيتها معروفين لجميع المرتزقة التائبين والمحققين. وبسبب قامتها الفارعة وصلابتها في السجن، أطلق عليها الفتيات لقب “العقيد”، وكان العناصر الخونة والتائبون يشعرون بالامتعاض الشديد من استخدام لقب “العقيد” بحق بروين.
وكانت ”حورية بهشتي تبار“ تحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد، وكانت تُعلّم الفتيات الاقتصاد بحب وشغف غريبين، ولم تكن تسمح بأن يضيع وقت السجينة سدى.
وأدت أعمال حورية في السجن إلى إثارة الحقد والضغينة المناهضة للثورة لدى الجلادين، وفي كل مواجهة مع حورية كانوا يمطرونها بكلمات تليق بهم هم أنفسهم. ومن خلال هذه التصرفات والأحقاد، كنا ندرك مدى قيمة العمل الذي تقوم به حورية. وكان الجميع يكنّ لحورية حباً كبيراً. في تلك السنوات، كانت تبلغ من العمر نحو 45 عاماً. وكان بصرها ضعيفاً للغاية، حيث وصلت درجة عينيها إلى 8 أو 10.
وحاول الجلادون وحراس العنبر والمرتزقة التائبون، عبر استخدام كلمات بذيئة نابعة من ثقافة الملالي أن يحطموا حورية. وعلى الأقل مرتين، وبذرائع قذرة وكاذبة وتهم وأكاذيب الملالي بما يسمى بالسلوك غير الأخلاقي، مددوها على مقعد أمام أعين رفيقات دربها وجلدوها بأسلوبهم القروسطي، وهي مشاهد مؤلمة تحتاج إلى رواية أخرى.
بطلة أخرى كانت هما رادمنش، التي لم يكن الجلادون يطيقون رؤيتها. كانت هما نحيلة البنية للغاية، وبالتأكيد لم يكن وزنها يتجاوز 45 كيلوغراماً. لكنها كانت صلبة للغاية، وذات هيبة، وصبورة، ومتحملة، ومحبة لكل واحدة من الفتيات. ولم يكن يُرى على وجهها أي لون من الحزن أو الهزيمة. وهذه الخصلة بالذات خلقت حقداً غريباً لدى مرتزقة النظام ضدها، حيث كانوا يقولون إن هما تعمل في الخفاء وتروج للمقاومة بشكل سري. والحقيقة كانت كذلك، إذ إن مجرد وجود هما رادمنش في عنبر وغرفة كان يمنح ذلك الجمع والمحيط روح المقاومة.
منذ بداية دخولنا إلى هذا العنبر، كنا في حرب وشجار مستمرين مع خونة العنبر. وكان احتجاجنا هو: لماذا أحضرتم هؤلاء الخونة إلى هذا العنبر وجعلتموهم طرفاً في التعامل معنا؟ نحن سجينات ونريد التعامل مع أولئك الحراس والسجانين الرسميين لنمضي بعملنا. ولكن في المقابل، كان النظام يريد إقحامنا في مواجهة مع الخونة ليختبئ هو وراءهم ويقول إن السجينات يتشاجرن فيما بينهن. واحتجاجاً على هذا المخطط الذي ينتهجه النظام، أضربنا عن الطعام، وهو ما عُرف بالإضراب الذي استمر 13 يوماً في إيفين.
بدأ الإضراب من هناك عندما أحضر الخونة الطعام لتسليمه، فلم نستلمه وقلنا إننا لا نعترف بهؤلاء. وبقي الطعام كما هو في القدر دون أن يُلمس، وفي اليوم التالي كانوا يأتون ليأخذوه ويحضرون طعام اليوم التالي.
واستمر هذا التجاذب الذي كان مصحوباً بالضرب والاعتداء والهجوم من قبل الخونة (بالطبع مع حظوتهم بدعم الحراس والسجانين). كان الخونة يحضرون الطعام ويضعونه أمام باب العنبر ويغادرون، وكنا نحن كخطوة احتجاجية لا نأكل الطعام ولا نشرب الشاي، ولم نكن نستجيب لأي مطلب. واستمر هذا الإضراب لمدة 13 يوماً، وتدهورت الحالة الصحية لبعض الفتيات مثل ”هما“ جداً. والجلادون الذين لم يتمكنوا من كسر الإضراب، نقلوا 17 من الفتيات إلى عنبر آخر. في البداية أخذوهن إلى عنبر مستوصف إيفين، وبعد نحو أسبوعين نقلوهن إلى عنبر آخر.
يتبع…
[1] سيما حکيم معاني، 24 عاماً، كانت طالبة في فرع الاقتصاد الوطني وموظفة في وزارة النفط، اعتُقلت في تاريخ 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1981 من قبل دورية فرقة الضرب التابعة لسجن إيفين بعد أن تعرف عليها أحد الخونة، وتعرّضت لتعذيب وحشي. وأُعدمت رمياً بالرصاص في تاريخ 10 مارس/آذار 1982.
[2] شهربانو قرباني، ولدت في سمنان وكانت طالبة في العلوم الطبيعية. واستشهدت في العام السادس والعشرين من عمرها، يوم 20 سبتمبر/ايلول 1984 في سجن إيفين



















