من كتاب بقلم هنغامة حاج حسن – الجزء الخامس عشر
وجها لوجه الوحش: من هذا العدد من مذكرات السجن بقلم هنغامة حاج حسن، ممرضة في مستشفى سينا في طهران عام 1981، والتي نشرت في كتاب وجها لوجه الوحش، سنواجه تعذيباً وحشياً يُدعى القفص، الذي كان مشروعاً لإجبار السجناء المقاومين في سجن قزلحصار على الندم، وسنقرأ عن المعاناة والألم وفي الوقت نفسه المقاومة الخارقة للإنسانية.
النقل إلى القفص
منذ أبريل عام 1983، نقلت مجموعة من السجينات المقاومات، بما في ذلك شكر، إلى كوهردشت للعقاب. كن ممنوعات من الزيارات، ومكانهن غير معروف، وعندما يراجع أهاليهن، يتم تضليلهم، ويصبح الأهالي يتجولون بحثاً عن أبنائهم أمام السجون في حالة من الضياع.
لاحقاً، تبين أنهن نقلن إلى أماكن تعذيب خاصة تُعرف بـ”الوحدة السكنية“، والتي كانت لا تزال غير معروفة لأحد. هذه الوحدات في سجن قزل حصار، ويبدو أنها كانت سابقاً وحدات مستخدمة من قبل موظفي السجن أو أماكن عمل مهجورة. هؤلاء الأخوات قضين حوالي عام في الوحدة السكنية تحت أشد أنواع التعذيب رعباً، ثم نقلن إلى إيفين.
نقلوهن بعد سلسلة من التحقيقات والتعذيب في زنازين انفرادية في إيفين مرة أخرى إلى الوحدة الأولى في قزلحصار، إلى أماكن أصبحت لاحقاً معروفة بـ”القفص”. حتى ذلك الحين، لم يتم الكشف عن بند “القيامة” والقفوصات والوحدة السكنية، ولم يكن أحد على علم بها. نحن السجينات في قزل حصار أيضاً كنا غير مدركين لها بشكل عام. كنا نعرف فقط أن أقساماً عقابية في الوحدة الأولى قد أنشئت، ونقل إليها عدد من الإخوة، لكننا كنا غير مدركين لتفاصيلها.

حتى في أحد أيام فبراير 1984، في يوم من الأيام، أخرجونا من الأقسام لبرنامج إرشاد في الوحدة. كنا نتوقع ملا أو شبه ملا آخر يأتي ليخطب فينا، لكن فجأة رأينا بدهشة وحيرة عدداً من السجينات غير المتدينات من عنبرنا، اللواتي نُقلن قبل أسبوع بسبب عدم أدائهن للصلاة، ولم نكن نعرف إلى أين ذهبن، يقفن أمامنا وهن يبكين وينحن. كنّ خلف الميكروفون يقلن إنهن أصبحن مؤمنات بالإسلام، ويطلبن العفو بشدة عن الأعمال التي قمن بها ضد “الإسلام العزيز” و”الحاج آقا” الرحيم، وأنهن لا يشعرن بأي حزن تجاه “الإسلام” والملالي والحرس لأن أقاربهن أُعدموا. فهم فقط ضغطوا على الزناد! هذا ليس مهماً! العامل الرئيسي هو أمريكا وإسرائيل والصين والاتحاد السوفييتي وبعض الدول الأخرى!
في تلك الليلة عدنا إلى القسم بإحساس مرير، كنا نعرف أن هذا النصر المزعوم للنظام له عواقب خطيرة علينا جميعاً. من الصباح التالي، أصبح الجواسيس جريئين بشكل غريب ويتدخلون في أمور الأطفال ويضايقونهم بدون سبب. حاولنا عدم الاشتباك.
في ذلك اليوم، حسب البرنامج، تم تسخين الحمام، وكنا كالعادة نأخذ الماء الساخن لصنع شاي الحمام، فجأة نادوا على حوالي 15 شخصاً بمن فيهن أعظم وسارا وجميلة وآخرين لا أتذكر أسماءهن وأخرجوهن، كانت الأجواء ملتهبة جداً.
”طاووس“، إحدى التوابات، جاءت نحوي وقالت بوقاحة: “جيد! حتى تتعلموا عدم صنع شاي تنظيمي!”
الأوغاد جعلوا هذه الدلاء القليلة من ماء الحمام ذريعة لتعذيب السجينات. قلت لها: اخرسي أيتها القمامة! سأضرب فمك حتى يمتلئ بالدم، اختفي من أمامي! أيتها القردة اللعوبة الرخيصة! بعد هذه الشتائم، شعرت براحة كبيرة وخفة. ذهبت وبعد دقائق نادوا علي أنا أيضاً. فرحت، لأنني لم أرد أن يذهب أصدقائي وأبقى أنا.
كنَّ السجينات ينظرن إليَّ بقلق ويساعدنني في عدم نسيان أي شيء من ملابسي لأن الجو بارد. ارتديتُ كل ما لديَّ لأنني لم أتوقع العودة. عاتقة ومريم والباقيات، صامتات وقلقات، وغالباً بعيون مليئة بالدموع، يودعنني. أخذنني إلى الغرفة المركزية، أغمضن عينيَّ ووضعنني بجانب الأخريات موجهةً نحو الجدار. كان الحاج هناك والضجيج يعمُّ. بعد فترة، جاء صوته المنحوس قائلاً: “حسنًا، قادة المنافقات هؤلاء؟ حسنًا، ستذهبن إلى مكان إما أن تصبحن فيه بشرًا أو تمتن! أوه! يا لها من آلة رائعة لصنع التائبات أنشأتُها!” وكرر هراءه المعتاد.
ثم أخذونا نحو باب الخروج وأركبونا السيارة، بعد مسافة قصيرة أنزلونا ودخلنا مبنى آخر مشابه للوحدة 3، الذي تبين لاحقاً أنه الوحدة 1. أوقفونا بشكل منفصل لا أعرف كم ساعة هناك مواجهين الجدار واقفين. ثم جاء الحاج وبدأ.
كنت أرتدي جاكيت سميكاً حاكته خالتي وأرسلته لي. عندما وصل فوق رأسي قال: من هذه؟ ثم قال: انظر إلى هيكلها! واضح أنها حارسة شخصية! وضرب رأسي بقوة بكابل ثقيل كان في يده، دار رأسي لكنني حاولت عدم السقوط وعدم إظهار الضعف. كنت أفكر ما هذا الذي أتعرض له بالضرب. لكن الضربات الثقيلة كانت تهبط واحدة تلو الأخرى ولا تسمح بالتركيز، كنت مذهولة ورأسي يؤلمني بشدة. فقط غطيت وجهي تلقائياً حتى لا تصيب الضربات وجهي، لأنني شعرت أن أي ضربة على وجهي ستدمره، وكان ذلك صحيحاً.
عندما بدأت أنيني، توقف حاج داود الجلاد وقال: خذوها! داروني حول نفسي عدة مرات حتى لا أدري إلى أي اتجاه أذهب، لكنني عدت وأدركت الاتجاه.
بالنسبة للسجين، من المهم جداً عدم فقدان الزمن والمكان، أي الحفاظ دائماً على صورة وتصور عن موقعه واليوم والتاريخ، رغم أن أحداً لم يعلمني ذلك بشكل خاص، لكن بناءً على الخبرة وربما الغريزة، أدركت أهميته.
على أي حال، أخذوني إلى اليمين الغرفة المركزية ووضعوني في غرفة فارغة. لا أعرف بعد كم وقت جاءوا وأخذوني إلى داخل الرواق وأقسام السجن، وفي بداية الرواق على اليسار دخلوا صالة أو غرفة وسلموني إلى امرأة كانت هناك.
أخذتني تلك المرأة إلى مكان بين لوحتين وضعتا على مسافة حوالي نصف متر من بعضهما بشكل عمودي، وأجلستني. كان الهواء حاراً جداً وخانقاً ورائحة الحمام تفوح. عيني لا تزال مغلقة بالعصابة. مررت يدي على رأسي؛ مكان ضربات الكابل ارتفع بضعة سنتيمترات ورأسي أصبح مخططاً، بحيث يمكن لمسه حتى من فوق الحجاب والشادور، لكنني لم أشعر بألم ربما أصبح مخدراً. كنت أفكر ماذا حدث للباقي وأين ذهبوا؟ من الجو الخانق هناك كنت أشعر بالغثيان، ولا أعرف إن كان بسبب تلك الضربات أم الهواء غير قابل للتحمل حقاً، فقد غثيت وفقدت الوعي.
يتبع…




















