ولدت مليحة مقدم عام 1959، وترعرعت في طهران في عائلة كبيرة تضم 8 شقيقات وشقيق واحد.
وأنهت الدراسة في المرحلتين الإبتدائية والثانوية في طهران، وحصلت على شهادة الدبلوم من معهد الكيمياء الصناعية.
سافرت مليحة مقدم إلى المملکة المتحدة لفترة قصيرة وهي في الـ 17 من العمر لمواصلة دراستها، بيد أنها لم تستطع تحمل البعد عن الوطن، على الرغم من الزج بأبناء الوطن في السجون والاعتقالات والضغوط تحت وطأة ديكتاتورية الشاه في إيران. ولهذا السبب عادت إلى إيران لخوض الامتحان العام للالتحاق بالجامعات، والتحقت بجامعة طهران للعلوم والتكنولوجيا في قسم الميتالورجيا، وظلت تدرس في هذه الجامعة حتى الانقلاب الثقافي وإغلاق خميني للجامعات في عام 1980 .
والتقت مليحة مقدم بمجاهدي خلق لأول مرة وهي في عمر الـ 18 عن طريق شقيقها الأكبر، محمد الذي كان سجينًا سياسيًا في إيران في مرحلة ديكتاتورية الشاه. 1
وتصف مليحة أول تعارف لها بمجاهدي خلق بأنه كان بسيطًا وجميلًا للغاية، قائلة: لقد تعرفت بمجاهدي خلق من وراء القضبان، حيث قال شقيقي محمد أثناء زيارته في السجن إنه عضو في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وبعد أن فسَّر شعار المنظمة طلب مني قراءة بياناتهم ومنشوراتهم.
ولكن تم تعارفي بالمنظمة بشكل أكثر وأشمل في عام 1978، عندما تصاعدت الاحتجاجات ضد نظام الشاه في إيران، وسمح المناخ السياسي المتاح آنذاك لكل ناشط أو طالب بالتعرف على الجماعات السياسية.
الضرب بحقوق المرأة وحرياتها عرض الحائط
ألَّفت مليحة مقدم كتابًا حول عملية وصول خميني إلى السلطة وفترة استجواب أبناء الوطن وتعذيبهم والزج بهم في السجون بعنوان «الأفق الحقيقي للحلم». ووصفت في جزء من هذا الكتاب قمع حريات المرأة والضرب بحقوقها عرض الحائط في بداية حكم خميني، قائلةً:
“لم يمض حتى الآن سوى بضعة أشهر على ثورة فبراير 1979 إلا وهُم يتمتمون بأن الدراسة في التخصصات الهندسیة دراسة صعبة بالنسبة للمرأة، حيث أنها لا يمكنها العمل في المصانع ولابد لها من البقاء في المنزل وإنجاب الأطفال، … إلخ. وكنت أتوتر من هذه الثرثرة في بعض الأحيان لدرجة أنه كان من الصعب عليَّ التحكم في نفسي. إذ أنهم كانو يريدون على ما يبدو العودة بنا إلى عصر الإقطاع والعبودية، حيث كانوا يقولون: لا ينبغي للفتيات الالتحاق بهذه التخصصات وأنها مقصورة على الطلاب، واقترحوا خطة التخصيص القائمة على أساس التمييز بين النوعين الاجتماعيين لا على أساس الكفاءة العلمية ودرجة النجاح في الامتحان العام للالتحاق بالجامعات، … إلخ. وكان من المهم جدًا أن أفهم أنني كامرأة لا يمكنني الحصول على حقوقي ما لم أسعى إلى الحصول عليها من خلال النضال الشامل، … إلخ. “.
وبعد ذلك اعتقلت قوات حرس نظام الملالي مليحة مرة أخرى في 24 نوفمبر 1981، على طريق سيدخندان السريع. وقالت بنفسها هذه المرة إن “دوريات قوات حرس نظام الملالي كانت تعتقل الشباب بشكل عام ويقتادونهم إلى السجون للاستجواب. إذ كانوا يسعون إلى البحث عمَّن لهم علاقة بمجاهدي خلق. واعتقلوني في ذلك اليوم بمعية شخص آخر من مجاهدي خلق وكان هو المسؤول عني. ونقلوني إلى لجنة في منطقة سعدآباد. وتم استجوابي لمدة تتراوح بين 10 إلى 12 ساعة، ونقلوني في منتصف الليل إلى سجن إيفين”.
ثم أردفت مليحة مقدم متحدثةً عن اعتقالها ونجاحها في الهروب من براثن قوات حرس نظام الملالي، قائلةً: ” شاركت في المظاهرات السلمية لمجاهدي خلق التي انطلقت في طهران، في 20 يونيو 1981 . وهاجمتني قوات حرس نظام الملالي أثناء هذه المظاهرات، وانهالوا عليَّ بالضرب والسب بقسوة، ثم اعتقلوني ونقلوني إلى لجنة (مركز قوات الحرس) أمام متنزة الطلاب، وتم احتجازي في سرداب اللجنة لعدة ساعات. وبعد مرور7 أو 8 ساعات أثناء التنقل تمكنت من الفرار منهم”.
أوضاع السجينات
كانت أوضاع السجينات في سجن إيفين من بين القضايا التي تناولتها مليحة مقدم في كتابها وتحدثت عن العديد من الحالات المتعلقة بهذه القضية، وقالت على سبيل المثال، إن: “السجناء السياسيين في سجن إيفين كانوا من جميع الفئات والطبقات. وتعرض من تم اعتقالهم قبل 20 يونيو 1981 للمزيد من الضغينة. وقال أحدهم: ” لقد سجنونا بعد 20 يونيو 1981 في زنازينٍ عانينا فيها من مشاكل خطيرة في التنفس بسبب الطقس الحار. ودخلنا في حالة صعبة من الاختناق لدرجة أننا كنّا نتناوب وضع وجوهنا على الأرض خلف باب الزنزانة لاستنشاق بعض الهواء النقي القليل القادم من أسفل الباب”.
وأشارت مليحة في جزء آخر من كتابها إلى الروح المرحة الحميمة للسجينات، وكتبت: «كنا نلعب لمدة ساعة مساء كل يوم داخل إحدى الغرف، أهمها كانت مسابقات الوثب العالي ولعبة نط الحبال. وعندما تمكنّا من صنع كرةٍ، بدأنا لعب كرة الطائرة جلوسًا بعدد قليل من الأفراد يعد على الأصابع. وكنّا نستخدم عجينة الخبز والحجارة للعب لعبة السبع حجار. وغالبًا ما كانت أدوات اللعب هذه مصدر إزعاج، حيث كان الحراس يشنون هجومًا ليليًا على العنبر في كل مرة ويمنعنون عنّا الخبز بتهمة أننا نبدد ممتلكات الجمهورية الإسلامية. بيد أن السجينات لم يتنازلن عنه.
الأقدام متقطعة وقائمة أدوات التعذيب
وتطرقت مليحة مقدم في الوقت نفسه، إلى مشاهد التعذيب الصادمة، قائلةً: ” رأيت بعد المعاينة مشهدًا عجيبًا كان من الصعب عليَّ تخيله، حيث كانت أرجل من عادوا من الاستجواب واصطفوا على طول جانبي الممر غارقة في الدماء. وكان الحراس يمرون ويركلون أرجلهم المبتورة المشوهة ليفتحوا الطريق لأنفسهم للمرور. وصدمني هذا المشهد اللإنساني إلى حد بعيد.
وشعرت أنه لن يخرج أحد حيًا من هذا المكان حتى لا يتمكن من إبلاغ هذه الحقائق لشعب إيران وشعوب العالم.
وحبس مشهد الأرجل المقطعة والصراخ والأنين وضربات الجلد بالسوط واللكمات والركلات بلا هوادة أنفاسي في صدري، … إلخ.
وتولى استجوابي المحقق الذي كانوا ينادونه ”استاذ“ وفي البداية أعطاني سروالًا كرديًا فضفاضًا وكبيرًا جدًا، … إلخ. وكان يحمل في يده سلسلة من أدوات التعذيب ويريني إياها. وسأل: أيهما تختارين من أدوات التعذيب هذه؟
وكانت قائمة أدوات التعذيب التي يحملها هذا الجلاد عبارة عن مجموعة متنوعة من كابلات الكهرباء التي تم تجريد طبقتها الخارجية لتكون أكثر إيلامًا وتُحدث إصابات وجروح شديدة. وكان قطر بعض الكابلات يبلغ 4 أو 5 سنتيمترات تقريبًا، فضلًا عن عدة نماذج من الخراطيم، بعضها مرن وبعضها مستقيم وصلب، وكذلك الأخشاب والهراوات. ولم أستطع إخفاء دهشتي من هذا الوضع بأي شكل من الأشكال.
وانتابتني حالةٌ من الصدمة وعدم التصديق، حيث قيدوا يداي من الأعلى وقدماي من الأسفل وظهري من المنتصف وربطوني في السرير، ولم أكن قادرة على تحريك أي جزء من جسمي ولو قليلًا.
ولم ينتظروا إجابتي، ولم يمهلوني، وأدخلوا قطعة من تشادر قذرة تحتوي على بقع دماء جديدة وجافة في فمي وبدوأ في التعذيب.
وكنت أشعر مع كل ضربة وكأنني نائمة وأغمي عليَّ، ومرت عليَّ لحظات لم أفهم ماذا يجري. ومع الضربة التالية، فتحت عيني لا إراديًا، وتكرر هذا الوضع مرة أخرى. وكنت أنظر إلى قدماي بأسفل عيني، ومع كل ضربة كنت أفكر متساءلة متى سينتهي الأمر؟ وأغمض عيناي.
يُقال أن كل مكان في العالم له عجائبه الخاصة ويجب على المرء أن يسافر مسافات طويلة لمعرفتها. وفي سجن إيفين تُعرف العجائب بدون قطع مسافات، وقد تتخیل في لحظة أن الوقت لا یمر، وتختلف كل غرفة عن الأخرى، … إلخ. “.
أتمنى الحرية للجميع
وفي ردها على سؤال حول ما كانت تتخيله وتتمناه أثناء خلوتها وهي تتمتع بلحظات من الحرية خلال الـ 4 سنوات التي أمضتها في سجني إيفين وقزلحصار؛ قالت مليحة مقدم: ” كانت كل أمنیتی فی السجن هي هدم کل السجون والتوقف عن التعذیب والقتل والقضاء على البربرية، وتمتع كل إيراني بالحرية”.
وتطرقت مليحة مقدم في كتابها إلى الحديث عن إطلاق سراحها من السجن وقالت: بعدما كشفت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية النقاب عن فضائح نظام الملالي في عام 1985، واحتجاج الأسر وآباء وأمهات السجناء، لاسيما في ظل تصعيد الخلافات الداخلية في هذا النظام الفاشي بين منتظري وخميني، وصل إليهم وفد من جانب منتظري لتحسين وضع السجون وتفقد وضع السجناء.
وتم في الوقت نفسه إغلاق القفص أي غرفة التعذيب الضيقة المروعة للسجينات في ذلك الزمن، وتمت إزالة الوحدة السكنية أيضًا. ثم تم نقل السجينات إلى العنابر العامة.
ساعدني المواطنون على الهروب والانضمام إلى مجاهدي خلق
تقول مليحة مقدم: كنت من بين آخر مجموعة من السجينات اللواتي تم نقلهن من الوحدة السكنية في سجن إيفين إلى الوحدة السكنية في سجن قزلحصار وهما متشابهان في الوضع المتردي، وتم نقلي إلى عنبر العقوبات رقم 7.
وتم نقلي بعد فترة إلى العنبر العام رقم 4. ومرضت في هذا العنبر لفترة وأصبت بالالتهابات داخلية. ورشَّحت ممرضة العنبر والمركز الصحي بعض المرضى للعلاج خارج السجن ومنحهن إجازة مرضية لبضعة أيام.
وكان اسمي مدرجًا في قائمة هؤلاء المرضى، وكنت شخصيًا لا أرغب في ذلك، بيد أن كل من فرنكيس كيواني (شهيدة مجزرة عام 1988) وزهرا فلاحت بيشه (شهيد أخرى في المجزرة) قالتا لي: لا ترفضي وأذهبي، ولكن لا تعودي.
وخرجت من السجن بكفالة كبيرة وتواصلت مع أخي أصغر الذي كان عضوا في تشكيلات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية خارج البلاد، وخططت المنظمة لإخراجي من البلاد بمساعدة أنصار وأسر مجاهدي خلق. وهكذا أوفيت بوعدي لزملائي في العنبر، وجعلت حراس السجن يتحسرون ألمًا من عدم عودتي.
وتقول مليحة في وصفها لخروجها الناجح، وتمكنها من الانضمام إلى قواعد مجاهدي خلق بعيدًا عن السلطة الديكتاتورية الحاكمة أن ذلك جاء بفضل جهود المواطنين الذين فضلوا حبهم لها كامرأة مجاهدة على أرواحهم وعائلاتهم، وقالت:
كانوا يلاحقونني حتى لا أتمكن من مغادرة البلاد، وسعت قوات حرس نظام الملالي إلى اعتقالي. ولكي يجبرونني على تسليم نفسي أخذوا أبي وأختي كرهائن وزجوا بهما في السجن، وظلا في السجن لمدة عام. وعبرت الحدود سرًا في هذه الأيام بمساعدة القوات الموالية لمجاهدي خلق.
وأنا في الحقيقة ممتنة جدًا لذلك المواطن الكردي الذي ساعدني بمعية نجل شقيقته لعبور 21 نقطة تفتيش.
كما أنني ممتنةٌ لوالدته طيبة القلب التي وفرت لي غطاء حتى أتمكن من عبور النقطة الحدودية، وممتنةٌ أيضًا للمواطن الكردي الآخر الذي كان يراقب الطرق بين الجبال حتى الصباح حتى نتمكن من عبور الجبال والمسارات التي كان يتمركز الحراس في ممراتها الضيقة؛ بسلام. كما أنني ممتنةٌ لكل من ساعدني حتى وصلت مرة أخرى إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
ووصلت في نهاية المطاف إلى قواعد مجاهدي خلق في كردستان العراق في نوفمبر 1985.
فقدان الأحباء والأمل في تحقيق أحلامهم
وتربط هذه المرأة المجاهدة الانضمام للنضال والمقاومة من أجل الحرية بأنشطة معاقل الانتفاضة هذه الأيام، قائلةً: ” عندما أسمع هذه الأيام عمَّا تقوم به معاقل الانتفاضة الشجاعة وكيف أن أخواتي وإخواني الأحباء يواصلون بالأمل والتضحية بالنفس الوفاء بدورهم القيادي وإشعال شرارات انتفاضة الشعب؛ أتذكر أولئك الأعزاء الذين انتفضوا في السنوات الأولى من المقاومة ضد قمع خميني وسطروا ملحمة عظيمة من المقاومة وقيادة جيل ضد الديكتاتورية بالمخاطرة وبكثير من التضحية بالنفس. وأحييهم جميعًا وأرسل لهم السلام من القلب وأشيد بشجاعتهم المنقطعة النظير”.
وقالت في حديثها عن أقرب أحبائها الذين ضحوا بحياتهم في مسار تحقيق حرية الشعب الإيراني: استشهد شقيقي الأكبر محمد، البالغ من العمر 30 عامًا، إلى جانب أشرف رجوي وموسى خياباني، في 8 فبراير 1982 أثناء القتال ضد قوات حرس نظام الملالي عندما كان يحاول كسر الحصار وإخراج موسى خياباني وأشرف رجوي من ساحة القتال.
كما توفت إلى جانبه زوجته مهشيد فرزانه سا، البالغة من العمر 23 عامًا بعد مقاومة شرسة، على أيدي قوات حرس نظام الملالي، ووقعت نجلتيهما الصغرى، سيما، البالغة من العمر 10 أشهر في أيدي قوات الحرس في نفس المكان وزجوا بها في سجن إيفين بدون مشرفة، ومرضت بشدة لعدة أشهر، وأرسلوهها خارج السجن وهي في حالة صحية متردية.
وتم إعدام شقيقي الآخر، أحمد (بيجن) شنقًا في عام 1983، في سجن قزلحصار بعد أن عانى من التعذيب والسجن لمدة عامين. وكان طالبًا وتم اعتقاله في عام 1981 وهو في الـ 17 من العمر. وعلم أبي وأمي بخبر وفاته فجأة عندما ذهبا إلى السجن لزيارته. وكان في العنبر المسجون فيه أخي أحمد 90 سجينًا من الشباب صغار السن، وتم إعداهم جميعًا شنقًا.
“وكان شقيقي الآخر، أصغر، الذي أدين له بالعودة إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مقاتلًا في جيش التحرير، واستشهد في عملية ” الضياء الخالد” في عام 1988 في النضال من أجل تحرير إيران”.
1استشهد قائد مجاهدي خلق محمد مقدم، السجين السياسي في عهد الشاه، في 8 فبراير عام 1982، أثناء هجوم شنته قوات حرس نظام الملالي على قاعدة الفارس موسى خياباني ورمز نساء مجاهدي خلق، أشرف رجوي.




















