ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب “ثمن البقاء إنسانا” – الحلقة الرابعة عشرة
في هذا العدد من سلسلة ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري، الصادرة في كتاب “ثمن البقاء إنسانا”، تواصل الكاتبة سرد ذكريات السجن ومقاومة النساء المجاهدات. إنها تتحدث عن صمود زميلاتها أمام أحد أكثر جلادي إيفين قسوة، وتذكر مصيراً مؤلماً وقصة حزينة لفتاة شابة. وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمرها، وقد خطت في طريق النضال. قضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، وتعرضت لتعذيب وحشي على يد حرس خميني.
الصمود أمام أحد أكثر جلادي إيفين قسوة
نظراً لأن أي عمل أو برنامج جماعي كان ممنوعاً من وجهة نظر سجاني السجن، كان الحرس يقتحمون العنبر كل يوم بذريعة ما، ويحاولون خلق أجواء من الرعب والهلع عبر ضرب السجينات، لكي لا يجرؤ أحد على التفكير في إقامة العيد أو احتفال. ومن أفعالهم الدنيئة لكسر معنويات السجينات المقاومات، توجيه تهم أخلاقية لهن وجلدهن بهذه التهمة أمام الجميع.
لهذا الغرض، أحضروا يوماً مقعداً إلى العنبر ووضعوه في وسط الغرفة، وقرأوا أسماء عدد من السجينات، منهن “زهره عين اليقين” و”رضيه آيت الله زاده شيرازي”، لجلدهن في تلك الغرفة وأمام أعين الجميع. نهضت “حورية بهشتي تبار” وقالت: إذا كنتم تريدون الجلد والتعذيب، فافعلوا، فهذه هي مهنتكم. لكن من غير المحتمل أن تجلدونا وتوجهوا إلينا تهماً أخلاقية بهذه الأساليب! الحرس الذين لم يتوقعوا سماع هذا الكلام قالوا لها: إذن أنتِ أيضاً متواطئة معهن! ثم هاجموها مثل الحيوانات المفترسة وانهالوا عليها باللكمات والركلات. حورية، التي كانت تعاني من ضعف شديد في البصر بسبب التعذيب، فقدت نظارتها أثناء الضرب ولم تعد ترى شيئاً.
كان المرتزقة يسخرون منها ويقذفونها ككرة من مكان لآخر، معذبين السجينات بضحكاتهم الكريهة. لكن حورية حافظت على صلابتها. بعد هذه الإهانات، أجبر الجلادون حورية على الاستلقاء لجلدها. لكن فعل حورية هذا حرك جميع السجينات، حيث أدرن وجوههن نحو الحائط احتجاجاً، ولم ترضَ أي واحدة منهن بمشاهدة مشهد جلد رفيقاتها. الجلادون الذين غضبوا بشدة من رد فعل السجينات، أرسلوا فرقة الضربة بقيادة أحد أكثر جلادي إيفين قسوة ويدعى “مجتبى حلوائي” إلى العنبر.
حلوائي الجلاد، الذي كنا نطلق عليه اسم “الغوريلا”، نزل إلى العنبر مع فرقة ضربته المكونة من 20 إلى 30 حارساً ضخم الجثة. انهالوا مع الخونة على السجينات بالكابلات والهراوات واللكمات والركلات، لإجبارنا على توجيه وجوهنا نحو المقعد ومشاهدة مشهد جلد زميلاتنا.
ورغم أنهم ظلوا يضربون السجينات لمدة ساعتين متواصلتين، حتى أن هراواتهم تكسرت من شدة الضربات على رؤوس وأيدي بعض السجينات، ودخلت بعضهن في حالة إغماء. إلا أن الجلادين لم يحققوا هدفهم، ولم ترضَ السجينات بأن يكنّ شهوداً على جلد رفيقاتهن، وبمقاومتهن جعلن الجلادين يركعون.
مصير مؤلم
قصة فتاة شابة حزينة في تلك الفترة، تعتبر واحدة من أكثر المصائر إيلاماً التي رأيتها في السجن، وقد حُفرت في ذاكرتي إلى الأبد. في إحدى الليالي، بينما كنت لا أستطيع النوم وأتجول في العنبر، لاحظت فتاة لم أكن أعرفها لأنني وصلت للتو إلى ذلك العنبر، ولفتت انتباهي لهدوئها الشديد. فتاة طويلة القامة وجميلة للغاية، لكن الحزن والألم الثقيل كان يغطي وجهها الجميل. تلك الليلة عندما رأيتها تمشي فوق رؤوس السجينات، قررت التعرف عليها، خاصة أن تصرفاتها في ذلك الوقت من الليل كانت غير عادية.
بينما كانت تضع يديها على خصرها، بدا أنها تبحث عن شخص معين. كانت تنحني فوق رأس كل واحدة، وتنظر بنظرات مدهشة ثم تمر. بدت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها. بدأت أسير خلفها وأراقبها، وفجأة رأيتها تنحني فوق إحدى السجينات وتضع يديها على رقبتها وكأنها تخنقها. شعرت برعب شديد، فأمسكت يديها وضممتها إلى صدري وقبلتها وحاولت أخذها معي والتحدث إليها. سرعان ما هدأت، وفي البداية ضغطت على يدي بقوة، ووضعت رأسها على كتفي لنحو ساعة وبكت.
استيقظت بعض السجينات، ومنهن “مريم كلزاده غفوري” التي كانت موضوع فعلها هذا، و”أعظم طاق دره”، نظرتا إلينا وأشارتا لي بإشارة لم أفهم مقصودها! كان عجيباً بالنسبة لي أنه إذا كنّ يعرفنها، فلماذا نمن مرة أخرى دون أي رد فعل رغم هذه الحالة الحادة؟! لكنني التي تأثرت بشدة بوضعها، حاولت جعلها تتحدث.
أخيراً أخبرتني أن اسمها “نادره”، ومن خلال وصفها، ظلت أكثر قصص السجينات حزناً عالقة في ذهني إلى الأبد.
قصة تحطم وجنون فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، بسبب الضغوط الناجمة عن مشاهدة عمليات الاغتصاب التي ارتكبوها أمام عينيها بحق أختها “طاهره”. تداعي مشهد ربط أختها بأنابيب التدفئة داخل الجناح أوصلها إلى هذه الحالة.
كانت تبحث عن أختها بين السجينات ولا تجدها، وفجأة كانت تتصور أنها واجهت الجلادين الذين فعلوا ذلك بأختها، وبحسب قولها، كانت تحاول تمزيق رقبة الجلاد!
المحاكمة!
في عام 1982، ذهبت أخيراً إلى “المحكمة” وتمت محاكمتي والحكم عليّ. كان القاضي المزعوم هو “الملا محمدي كيلاني”، جلاد خميني الشهير. كان هناك حارس ببدن ضخم ووجه مرعب حاضراً ظاهرياً كشاهد، لكنني أعتقد أنه كان يقف هناك لترهيب المتهمة. المحاكمة التي لم تكن بالطبع سوى بضع كلمات ومزيد من الشتائم واللكمات والركلات، ولم تستغرق كل هذه الإجراءات القانونية المزعومة أكثر من 10 دقائق.



















