ذكريات سجن أعظم حاجحیدری من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الثاني والعشرون
في الجزء الثاني والعشرين من ذكريات سجن أعظم حاجحیدری من كتاب ثمن البقاء إنساناً، تستمر روايتها عن الأشهر الشاقة للأسر والتعذيب في سجن خميني؛ رواية عن امرأة، في ظروف سعى الجلادون فيها لكسرها بالتعذيب والإذلال والتهديد والإهاق الجسدي والنفسي، كانت تجد لنفسها كل يوم معنى جديداً للمقاومة والانتصار.
أعظم حاجحیدری، التي قضت سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزلحصار، وجوهردشت، تتحدث في هذا القسم من ذكرياتها عن الطرق المختلفة التي كانت تُستخدم لكسر معنويات السجينات؛ بدءاً من الأذى والإذلال الدنيء والتعذيب الجسدي، مروراً بخلق الخوف والقلق الدائمين، وبث الأشرطة الصوتية لتعذيب الآخرين، وصولاً إلى محاولة الإيحاء بأن لم يبقَ أحد بجانبهن.
لكن وسط هذه الضغوط نفسها، كانت أصغر علامة على حضور ومقاومة السجينات الأخريات تتحول بالنسبة لها إلى عامل لمواصلة الطريق؛ اسم على قطعة ملابس، أو غرض يخص إحدى الرفيقات، أو صوت قصير وخفي من خلف جدران القفص. هذه الذكريات هي رواية الكفاح للحفاظ على التواصل والأمل في ظروف كان التعذيب فيها يسعى لدفع السجين أكثر فأكثر نحو الوحدة والترهيب كل يوم.
حيلة دنئية لكسر النساء
في أحد الأيام، حين كان الألم يعصف بجسدي، جاؤوا وأخذوني إلى مدخل العنبر، وأبقوني واقفة نصف النهار. ثم جاء “حاج داوود” وقال: تعالي لنتناقش معًا، أنت دافعي عن فكرتك، وأنا أدافع عن “الإمام”، ولنرَ أيًا منا يستطيع إقناع الآخر.
وبينما كان يتحدث، سقطت فجأة على الأرض، ولم تعد لدي قوة حتى على الوقوف على قدمي. جاء بعض الجلادين والمحققين الذين كانوا هناك، وكانوا يحققون مع الأخوات حول تنظيمات السجن، ووقفوا فوق رأسي وقالوا: أيتها البائسة، هل ترين إلى أي حد أصبحت ضعيفة؟ أنت لا تستطيعين حتى الوقوف على قدميك، فكيف تريدين أن تقاومي وتواصلي النضال؟ أيتها البائسة، من أجل من تريدين أن تناضلي؟ من أجل من تفنين نفسك؟ تعالي فكري قليلًا في نفسك وفي عائلتك! انظري ماذا فعلت بنفسك!
وبينما كان ذلك الجلاد يتحدث، كانت صور شهداء المنظمة من أخوات دربي الذين عشت معهن، إلى “حنيف نجاد” و”سعيد محسن” و”بديع زادكان“، و “فاطمة أميني” و”مهدي رضايي”، وقصص مقاومتهم، تمر أمام عيني كأنها شريط سينمائي. كنت أرى نفسي ذرة لا قيمة لها أمامهم. واستمددت القوة من التفكير بهم. وبكل ما تبقى لدي من جهد نهضت، ووقفت على قدمي، وأمسكت بيدي بقوة بالجدار حتى لا أسقط مرة أخرى.
كان “حاج داوود” قد غضب من هذا التصرف مني، فقال لهم: اتركوها! دعوها تقف هنا حتى تموت، فهي أصلًا فتاة جيدة جدًا، لا شأن لكم بها!
كان يبدو أن هذه العبارة كانت رمزًا وإشارة بينهم. فمنذ تلك اللحظة، كان كل واحد من أولئك الجلادين يمر بجانبي، ومع ما كانوا يمارسونه من تحرشات وأذى، يقولون لي: أنت ما زلت تلك الفتاة الجيدة!
ولأنني لم أعد أملك القدرة على إظهار رد فعل كما كنت أفعل من قبل أمام هؤلاء الوقحين، كنت أتوتر وأضطرب. وعندما كانوا يرون أنهم لا يستطيعون إخضاع المرأة المجاهدة بأي نوع من التعذيب أو بأي أسلوب آخر، كانوا يلجؤون إلى هذه الحيلة الدنيئة.
في مثل هذه المواقف، كنت أحيانًا أبكي من شدة الضغط، لكن بعد لحظات كنت أقول لنفسي: لا تنسي أنهم يريدون كسرك بهذه الدناءات أيضًا. هذا أيضًا مثل السوط، فما الفرق؟! وبهذا التذكير لنفسي، كنت أهدأ، وأشعر أنني اكتسبت قدرة أكبر على الصمود أمام تلك الأفعال.
لفترات طويلة، كانوا يأتون كل يوم مثل سوط ينهال، يمسكون بطرف شادوري ويأخذونني من دون أن يقولوا شيئًا حتى لا يلاحظ أحد، حتى من كان في عنبر القفص، ثم يخرجون بي إلى خلف الباب مباشرة ويفعلون بي هذه الأمور.
كنت قد بقيت عدة أشهر ليلًا ونهارًا جالسة في القفص، ولم أكن أسمح لأحد أن يشعر بدموعي الناتجة عن الألم والضغط الذي كنت أتعرض له. لكنني كنت أحيانًا أنهار أمام هذه الرذائل الدنيئة للملالي، وأشعر أنني لا أملك القدرة على الصمود أمامها. كان كل صوت خطوات يأتي بالنسبة لي كابوسًا: من هذا الشخص هذه المرة؟ وماذا يريد أن يفعل بي؟
في أحد الأيام قررت أنه مهما كان الشخص الذي يأتي، فسأهاجمه بكل ما لدي من قوة. ركزت ذهني حتى أعرف هل هناك شخص يقترب مني أم لا.
حتى رأيت من تحت عصابة العين أن شخصًا يقترب مني. جمعت كل قواي وركلته. ذلك الحيوان، الذي كان قبل دقائق شاهدًا على سقوطي على الأرض ولم يكن يتوقع مثل هذا الرد مني، وجه إلي ضربات باللكم والركل، وبعد عدة دقائق أعادوني إلى داخل العنبر، أي إلى نفس القفص.
كنت سعيدة جدًا، وفي الوقت نفسه كنت أشعر بالخجل والندم: لماذا لم أفعل ذلك في وقت أسبق؟ ومرة أخرى تعلمت هذا الدرس: إن السجين الأسير، عندما يهاجم في أي مكان، يتراجع الجلاد.
في صباح اليوم التالي، جاؤوا وأخذوني للاستحمام. كلما كانوا يأخذون شخصًا إلى الحمام، كانوا يفحصون الحمام أولًا حتى لا يكون الشخص السابق قد ترك أثرًا من نفسه. لأن مجرد أن يعرف الإنسان أن أشخاصًا آخرين غيره موجودون هناك، وخصوصًا إذا عرف من هم، كان ذلك يمنحه الدافع. هم كانوا يريدون أن يوحوا لنا بأن الجميع قد استسلموا ورحلوا، وأنك وحدك من بقيت وأنك تهلكين نفسك!
في ذلك اليوم، عندما دخلت الحمام، لم تكن لدي القدرة حتى على الاستحمام، لكنني رأيت هناك حبل غسيل علقت عليه عدة قطع من الملابس. اقتربت منه وقرأت على ياقة تلك الملابس أسماء بعض الرفاق. رأيت صبانة صغيرة كتب عليها اسم “شوري”، ورأيت ليفة في زاوية أخرى كتب عليها اسم واحدة أخرى من الأخوات. عندما رأيت هذه الأشياء شعرت بسعادة كبيرة، وكأنني رأيت أولئك الأخوات بأنفسهن. كنت سعيدة إلى درجة أنني كنت أضحك مع نفسي من الفرح، ومع أن وقتي المتبقي من عشر دقائق لم يكن قد تجاوز خمس دقائق، فقد امتلأت بهذه الحيوية لدرجة أنني خلال تلك الدقائق الخمس فقط استحممت، وغسلت ملابسي، ووقفت مستعدة، وبدأت أنظر إلى تلك الملابس.
عندما جاءت السجانات لأخذي، لاحظن أنني أحدق في الملابس وأنظر إليها. كنت أتعمد النظر إليها لكي أستفزهن، ولكي أقول لهن: اعلموا كم أنتن حمقاوات وعاجزات. سحبت السجانة طرف شادوري بغضب وأخذتني معها، وبينما كانت توجه إلي الشتائم قالت: لا أعرف أصلًا لماذا يأتين بك أنت بالذات إلى الحمام! وكنت أضحك في داخلي وأقول: واحد أمام لا شيء، لصالحي هذه المرة!
في تلك الحرب المستمرة، كنت قد عقدت عهدًا مع نفسي بأن يكون لي كل يوم انتصار وفوز. كان هذا الشعور بالانتصار، رغم كل الألم والمعاناة، إحساسًا رائعًا وحلوًا بصورة استثنائية.
كان الجلادون، بهدف تحطيمنا من الداخل، يمرون أحيانًا من فوق رؤوسنا، ويذكرون كذبًا اسم إحدى الأخوات اللواتي كانوا يعلمون أن بيننا وبينها علاقة حميمة وقريبة، ويقولون: انظري، فلانة قد استسلمت وذهبت لتلحق بحياتها، وهذه المسكينة جالسة هنا وتزول شيئًا فشيئًا.
بعد ذلك، عندما خرجنا من القفص، كانت الأخوات اللواتي كن في العنبر يروين أن “غيستابو” كانت تقوم كل يوم بجولة داخل العنبر، وتتحدث همسًا مع الخائنات، وكان يذكر أسماء بعض الأخوات اللواتي كن في القفص بطريقة يسمعنها، وتقول: أعظم، شوري، هنكامه، أو… غدًا سيأتين للمقابلة… وكان هؤلاء وبهذه الطريقة يحاولون تحطيم معنويات الأخوات في العنبر.
كان هذا أسلوبًا يستخدمونه مع الجميع. ومن جهة أخرى، كانت الأخوات، حتى يخبر بعضهن بعضًا بأنهن ما زلن موجودات، عندما يذهبن إلى المرحاض أو عندما يمررن بجانب الأقفاص الأخرى، يصدرن صوتًا بالسعال أو العطاس، أو يفتعلن أعذارًا مختلفة لإصدار صوت، أو يقلن “آه”. وكانت كل واحدة تعرف طبعًا أن ثمن هذا الفعل هو الضربات التي ستأتي بعدها. لكن الأخوات كن يتحملن الضربات ويشترينها بأرواحهن من أجل الحفاظ على التواصل بينهن.
في إحدى الليالي، نادوا اسمي واسم خمس أخريات، وأخرجونا. إحدى تلك الأخوات التي بقيت صورتها في ذاكرتي كانت أختي المجاهدة الشهيدة “سبيدة زركر”، وكانت ممرضة لها 12 عامًا من الخبرة في العمل. وبسبب الضغوط التي تعرضت لها خلال تلك الأشهر، والضربات التي وجهت إلى رأسها، كان بصرها قد ضعف بشدة، ولم تعد ترى من دون نظارتها. بل إنهم كانوا غالبًا يأخذون منها تلك النظارة أيضًا. وأعدمت “سبيدة” لاحقًا لأنها رفضت الذهاب إلى المقابلة تحت الضغط.
نقلونا من الوحدة رقم 1 إلى وحدة أخرى، وإلى مكان كان بجانب جداره عدد من عوارض الحديد. وأجبرونا على الوقوف هناك عدة ساعات في ذلك الممر. وبعد ساعات عدة، شعرت أن رأسي بدأ يدور، وأنني لم أعد أملك التوازن أو القوة الكافية للوقوف. عندما قلت ذلك للسجين الموجود هناك، قال لي: أنت منافقة وتقومين بالتمثيل! لم أفهم إلا من صوت سقوط رأسي أنني وقعت، وعندما سقطت اصطدمت بإحدى الأخوات، فسقطت هي أيضًا إلى جانبها.
عندما وقعنا، جاء أفراد الحرس إلينا، وسمعت أحدهم يقول للآخر: انظر هل ما زالت حية أم لا؟ وكانوا، وهم مرتبكون قليلًا، يقولون لبعضهم: هؤلاء المنافقون يفعلون أي شيء لكي يقولوا إنهم هم من قتلونا!
في عنبر القفص أو عنبر القيامة، كان الوضع الصحي منخفضًا جدًا، وكنا محرومات من الحد الأدنى من الشروط الصحية. فعلى سبيل المثال، في هذا العنبر لم يكن لدينا حمام لمدة عشرين يومًا. وبعد هذه المدة، عندما أرسلونا إلى الحمام، لم يمنحونا سوى عشر دقائق فقط لغسل الملابس والاستحمام.
وكان الجلادون، الذين كانوا يريدون في كل تصرف يقومون به أن يهينونا ويؤذونا، قد أعطونا وعاءً بلاستيكيًا لغسل الملابس، وكان مليئًا بماء قذر كانوا قد مسحوا به الأرض. سلمتني السجانة ذلك الوعاء نفسه وقالت: تعالي أيتها المنافقة! هذه هي الأوساخ تحت أقدامكن، أفرغيه واستعمليه!
لكنني، إذ لم تكن لدي رغبة إطلاقًا في غسل ملابسي في ذلك الوعاء، لم استخدمه. وفي ذلك الوقت القصير جدًا، غسلت ملابسي بيدي، واستحممت، وخرجت. لأننا لو لم نخرج في الموعد المحدد، كانوا يفتحون باب الحمام ويقولون: إما أن تخرجي بنفسك أو نسحبك إلى الخارج.
وكانت لدينا المشكلة نفسها أيضًا في الذهاب إلى المرحاض. ففي الليل والنهار، لم يكونوا يسمحون لنا بالذهاب إلى المرحاض سوى ثلاث مرات فقط: صباحًا وظهرًا وليلًا، إذا شاؤوا هم ذلك.
وفي محيط القفص أيضًا، ومن أجل خلق الرعب والخوف، كانوا يخرجوننا من الوحدة بين حين وآخر بحجة الاستجواب، ويدورون بنا حول الوحدة أو ينقلوننا إلى وحدة أخرى. وأحيانًا كانوا يركبوننا في السيارة ويدورون بنا، ويخلقون أجواء الإعدام، ويقولون: اتخذي قرارك النهائي! إما أن تصبحي إنسانة أو ترتاحين إلى الأبد!
وكانوا يستخدمون أسلوبًا آخر، إذ كانوا يأخذوننا يوميًا إلى مدخل العنبر، ويبقوننا هناك لعدة ساعات واقفات. كانوا يريدون إبقاء السجينة باستمرار في حالة من الخوف والقلق طوال فترة الاستجواب.
وكان من أساليبهم الأخرى في بث الرعب أنهم كانوا يشغلون لنا أشرطة صوتية لتعذيب أشخاص آخرين. كانوا يتصرفون بطريقة تجعل السجين يعيش باستمرار في حالة من القلق والخوف من الاستجواب. كان هدفهم من ذلك هو إنهاك الشخص بهذه الطرق، وفي النهاية دفعه إلى الانهيار والتراجع والشعور بالندم.
يتبع




















