الذكرى السنوية لمجزرة عام 1988: ملحمة النساء اللواتي قلن لا للجلاد!
التقرير الشهري – أغسطس 2026: يُخصص عدد شهر أغسطس لذكرى مجزرة عام 1988 مع التركيز على النساء ضحايا المجزرة. الهدف هو إعادة قراءة أحد أهم الأحداث في تاريخ إيران المعاصر من منظور دور السجينات السياسيات، والتداعيات الإنسانية لهذه الكارثة، وضرورة مقاضاة الجناة. في هذا التقرير، حاولنا تقديم صورة متماسكة عن السياق التاريخي، ومسار الأحداث، ومقاومة النساء، واستمرار حركة المقاضاة.
لماذا يجب أن نتحدث عن مجزرة 1988 حتى الآن؟
لم تكن مجزرة صيف عام 1988 في الذاكرة الجماعية للإيرانيين مجرد حدث تاريخي. فهذا الحدث، بسبب أبعاده الواسعة، والتستر المنظم عليه، وبقاء العديد من الأسئلة دون إجابات، لا يزال موضوعا حيا في مجال حقوق الإنسان والمطالبة بالعدالة في إيران. ومن بين 30 ألف ضحية في هذه المجزرة، تحظى النساء بمكانة خاصة؛ نساء تحملن سنوات طويلة من السجن، لكنهن واصلن الإصرار على معتقداتهن.
شكل أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية الأغلبية الساحقة من ضحايا مجزرة 1988، ولكن في مراحل لاحقة شمل أمر المجزرة السجناء المقاومين والمناضلين من المجموعات الأخرى أيضا. كان السجناء يُشنقون في مجموعات، وأحيانا في مجموعات تتكون من 10 إلى 15 شخصا، ثم تُنقل جثثهم بشاحنات قلابة إلى خارج السجن وتُدفن في مقابر جماعية مجهولة الهوية. لم يرحموا أحدا، حتى الفتيات المراهقات والنساء الحوامل.
كتب منتظري، خليفة خميني مؤسس نظام الملالي آنذاك، في مذكراته التي نُشرت في ديسمبر 2000، أنه خلال مجزرة 1988، تعرضت الفتيات والنساء الشابات بشكل خاص لتعذيب وحشي قبل إعدامهن.

السياق التاريخي
في حقبة الثمانينيات، تم اعتقال وسجن عدد كبير من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. كان صيف عام 1988 ذروة القمع الذي أدى إلى إعدامهم على نطاق واسع. كانت هذه جريمة منظمة ضد سجناء مظلومين ومقيدي الأيدي، كان الكثير منهم قد أنهوا فترة محكوميتهم.
سُجلت مجزرة أكثر من 30 ألف سجين سياسي في صيف عام 1988 كأكبر جريمة ضد الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية وأبشع إبادة جماعية في تاريخ إيران المعاصر. يمكن وصف هذه الكارثة المروعة بأنها «أكبر جريمة ضد الإنسانية لم يُعاقب عليها الجناة». بقراره بارتكاب المجزرة، كان خميني يسعى إلى استئصال أقوى منظمة سياسية نشطة وأكثرها شعبية والتي تمثل البديل لنظامه، وذلك لضمان بقاء حكومته.
أكثر من 90 بالمائة من المعدومين كانوا من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، والذين تم اعتقال معظمهم في عام 1981 في سن المدرسة والجامعة، وكانوا قد أنهوا حتى فترات محكوميتهم غير القانونية.
التسلسل الزمني للأحداث
| الزمان | الحدث |
| يوليو 1988 | بداية المرحلة الجديدة من القمع والتحضير للإعدامات الجماعية |
| 19 يوليو 1988 | تشكيل وعمل لجان الموت وبدء إعدام السجناء السياسيين |
| أغسطس وسبتمبر 1988 | استمرار الإعدامات في مختلف سجون البلاد |
| ما بعد الإعدامات | إبقاء العائلات في جهل وإخفاء أماكن دفن العديد من الضحايا |
| السنوات اللاحقة | استمرار مطالبات العائلات والناجين ومنظمات حقوق الإنسان بمقاضاة الجناة |
| العصر الحالي | الطلبات المتكررة لإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة الجناة |
ملحمة مقاومة وصمود النساء
من الجوانب التي يجب دراستها بجدية في مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 هو إعدام آلاف النساء خلال هذه الإبادة الجماعية. تم القبض على الكثير منهن في سن المراهقة، وقضين سنوات في السجن، ثم أُعدمن أثناء المجزرة. إن التأكيد على هذه القضية يوضح أن التعامل معهن لم يكن مجرد رد فعل على أنشطة سابقة، بل كان يُعتبر محاولة لإسكات فكر وقضية.
إن تقييم تعامل جلادي نظام الملالي مع السجينات السياسيات الأسيرات هو أمر مؤلم للغاية من جهة، ومن جهة أخرى يظهر مقاومة ملحمية جديرة بالاهتمام.
وفقا لتقارير شهود العيان، في العنابر الثلاثة للنساء في سجن إيفين، تم شنق أو إعدام 80 بالمائة من السجينات رميا بالرصاص بحلول سبتمبر 1988. وقد أوضح المدعي العام في محكمة ستوكهولم صراحة أثناء محاكمة حميد نوري، أحد مرتكبي المجزرة: «تم إعدام النساء في الموجة الأولى، وفي تحقيقاتنا لم نتمكن من العثور على أي نساء نجون من الإعدامات في عنبر النساء.»
شمل الضحايا طيفا واسعا من جميع المهن والحرف. من المرشحات لانتخابات البرلمان بما في ذلك فاطمة زراعي من شيراز وزهرة عين اليقين من أصفهان، إلى الدكتورة حميدة سياحي والدكتورة شورانكيز كريميان وعضوة المنتخب الوطني للكرة الطائرة للسيدات فروزان عبدي أو أشرف أحمدي التي كانت سجينة سياسية في عهد الشاه وأما لأربعة أطفال، كن من بين المعدومات في مجزرة 1988.
كانت السجينات السياسيات ناشطات واعيات ومقاومات لم يتراجعن عن مواقفهن حتى تحت الضغوط الشديدة. صمود هؤلاء النساء جعل ذكراهن تتجاوز مجرد ذكرى تاريخية لتصبح رمزا للصمود في وجه القمع. إنهن تذكير بالثمن الباهظ الذي دفعته الأجيال السابقة من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.

منيرة رجوي
منيرة رجوي؛ أيقونة السجناء الذين أعدموا في المجزرة
ارتبط اسم منيرة رجوي كرمز لضحايا المجزرة بالصمود والتضحية والوفاء لقضية الحرية. لا تقتصر مكانتها الرمزية على حياة فردية فحسب، بل تعكس مصير آلاف السجناء الآخرين الذين فقدوا أرواحهم في حقبة الثمانينيات.
إن التطرق إلى اسم منيرة رجوي يمثل أيضا فرصة لإعادة قراءة دور النساء في حركة المقاومة الإيرانية، والتذكير بحقيقة أن جزءا كبيرا من الذاكرة التاريخية لحركة المطالبة بالعدالة في إيران قد بُني على أكتاف نساء دفعن أثمانا باهظة.
عند اعتقالها، كان الذنب الوحيد لمنيرة رجوي هو أنها شقيقة مسعود رجوي، قائد المقاومة الإيرانية. كما تم اعتقال ابنتيها مريم ومرجان وزوجها في نفس الوقت. أمضت السنوات السبع الأخيرة من حياتها في سجن الملالي.
شهدت ابنتا منيرة لأشهر تعذيبها وتعذيب سجينات أخريات. في أحد الأيام، عندما ذهبت إحدى السجينات في نفس العنبر مع منيرة للاستجواب، رأت طفلتين صغيرتين شقراوين تقفان خارج غرفة التعذيب بالفرع 7 في مكتب محقق إيفين. كانت هاتان الطفلتان ابنتي منيرة اللتين أُجبرتا على مشاهدة التعذيب الوحشي لوالدتهما. كان السجان يضربهما باستمرار. قالت هذه السجينة: سألت بهدوء عن اسم المرأة التي كانت مع الطفلتين، فقالت: «اسمي منيرة رجوي وذنبي الوحيد هو أنني شقيقة مسعود». كانت تتعرض دائما للإهانة والضرب لكنهم لم يتمكنوا من كسرها.
في إحدى المرات، اقترب أحد المحققين من منيرة عندما كان يسأل عن أسماء السجينات، فركلها وقال: «لن أسمح لك أبدا بالخروج حية من السجن لتصبحي بطلة من أجل شقيقك.»
كانت منيرة تساعد الجميع بين السجينات. كلما عُدن من الاستجواب، كانت منيرة أول من يهرع لمساعدة السجينات اللواتي تعرضن للتعذيب. وقالت في هذا الصدد: «إنهم يريدون تدمير هويتنا الإنسانية. لكن هذا هو بالضبط السبب الذي يجب أن نقاتل من أجله. طريق هذه المعركة هو اهتمامنا ببعضنا البعض أكثر فأكثر.» كانت هي نفسها نموذجا ساطعا في هذا الصدد.
على الرغم من عدم توجيه أي تهمة إليها، إلا أنها شُنقت في مجزرة عام 1988، رغم مرور 5 سنوات على انتهاء محكوميتها. كان الملا نيري، الحاكم الشرعي لسجن إيفين، يتابع شخصيا إعدام منيرة رجوي وأصر على تنفيذ ذلك في أسرع وقت ممكن. كانت منيرة تبلغ من العمر 38 عاما عند استشهادها.
الروايات والشهادات
ورد في التسجيل الصوتي الذي نُشر من اجتماع حسين علي منتظري، خليفة خميني آنذاك، مع أعضاء لجنة الموت في أغسطس 1988، أنه تم إعدام 300 امرأة وفتاة من مجاهدي خلق بشكل جماعي، حتى أن من بينهن مواطنتين فرنسيتين لم يرحموهما أيضا. يشير هذا الشريط أيضا إلى إعدام فتاة تبلغ من العمر 15 عاما تم اعتقالها فقط للضغط على شقيقها المقاوم، ولكن لأنها رفضت إدانة شقيقها تم إعدامها. كما تم الاعتراف بإعدام امرأة حامل في أصفهان.
تشكل التقارير المتعلقة بالشهود والروايات المنشورة حول قاعات الموت جزءا مهما من الذاكرة التاريخية لهذا الملف. هذه الروايات مهمة لتوثيقها في صدر التاريخ ولمنع النسيان والتحريف. تقدم شهادات الناجين والعائلات صورة إنسانية عن المعاناة والأمل والمقاومة.
- ناهيد أفشار: كانت ناهيد تلميذة تبلغ من العمر 12 عاما عندما اعُتقلت في 27 سبتمبر 1981 على يد الحرس واقتيدت إلى السجن. روت بتول ماجاني، إحدى الشاهدات على مجزرة 1988، قصة المراهقة ناهيد على النحو التالي: «كانت تقول لقد تم اعتقالي مع اثنتين من صديقاتي اللتين كانتا تبلغان من العمر 14 عاما. أعدموا الاثنتين واحتفظوا بي. كانوا يضربونني ويعذبونني باستمرار. ذات مرة عندما كنت تحت التعذيب، وحتى لا يضربونني أكثر، قلت إن قلبي يؤلمني. سأل المحقق في أي جانب هو قلبك؟ قلت في الجانب الأيمن! ثم قال المحقق بوقاحة سأضربك الآن حتى يؤلمك قلبك وتعرفي في أي جانب هو.»
مارس المحققون ضغوطا كبيرة على ناهيد لكسرها. وبحسب قولها، فقد أخذوها لمدة 9 أشهر إلى منزل أحد أفراد الحرس للعمل عليها، لكنها عادت ودافعت عن مواقفها كمجاهدة.
كانوا يحتجزونها في العنبر 246 السفلي (سجن إيفين) حيث كانت إحدى غرفه مخصصة للسجينات المنهارات والخائنات لكسرها بأي طريقة كانت، لكن كلما سنحت لها الفرصة، كانت تذهب سريعا إلى غرف السجينات الثابتات على مواقفهن.
كانت ناهيد أفشار تقول مهما ضغط علي هؤلاء المحققون، ففي النهاية الأخ مسعود في قلبي، ولا يمكنني إخراجه من قلبي. حُكم عليها بالإعدام لكنها قاومت وكبرت في السجن. بعد فترة، تم نقض الحكم وتخفيفه إلى 15 عاما من السجن. لكن ناهيد أفشار شُنقت أثناء مجزرة عام 1988 بأمر من الخميني المعادي للإنسانية ولجنة الموت.
- سكينة دلفي: بطلة شجاعة تبلغ من العمر 26 عاما من أهالي آبادان. كان أبريل 1987 هو آخر مرة يتم فيها اعتقالها. ولممارسة المزيد من الضغط، تم تغيير سجنها ثلاث مرات لعلها تخضع وتستسلم تحت الضغط، لكن سكينة دلفي كانت تسخر من التعذيب والألم. في النهاية، تم نقلها إلى سجن فجر كارون في الأهواز. هناك استمر التعذيب الوحشي بشدة أكبر. أحرقوها بالمكواة، واقتلعوا أظافرها، وغرزوا قضيبا معدنيا في جسدها مع الجلد، وعلقوها من شعرها عدة مرات، وثقبوا ركبتيها بالمثقاب، وألقوا بها في الماء المتجمد في الشتاء. لكنها لم تقل شيئا. في سجن الأهواز، عندما صرخ جلادو الملالي (جزائري وعبد اللهي): «يجب أن تتخذوا موقفا، الخميني في جانب ومسعود رجوي في الجانب الآخر»، صرخت من آخر العنبر: «عاش مسعود، الموت للخميني!» هاجمها الحراس وأصابوها بجروح بالغة. في اليوم التالي، من ذلك العنبر الذي يضم 350 شخصا، تم شنق 349 شخصا.
دُفن الجسد الطاهر لسكينة دلفي وغيرها من المجاهدين، الذين كانوا من أولى الدفعات التي أعدمت رميا بالرصاص في مجزرة السجناء السياسيين في الأهواز، خلف مجمع صناعات الصلب في الأهواز، وصبوا 30 سنتيمترا من الجير والإسمنت على قبورهم حتى لا تُكشف جريمتهم أبدا.

مهري (إلى اليمين) وشورانكيز كريميان من شهداء مجزرة عام 1988
- معصومة ومهري كريميان: الدكتورة معصومة كريميان، التي كانت تُعرف بين رفاقها باسم شورانكيز، كانت طبيبة علاج طبيعي خريجة بريطانيا. بعد اعتقالها في عام 1981، تعرضت على الفور للتعذيب على يد الحرس. بسبب روحها التي لا تساوم، حقد عليها المحققون. كلما أرادوا معاقبة مجموعة، كانت شورانكيز من بينهم. بصفتها طبيبة عظام، عالجت سرا العديد من السجينات اللواتي عانين من مشاكل جسدية بسبب التعذيب وذلك بالإمكانيات القليلة المتاحة في السجن. من عام 1983 إلى 1984، حُبست شورانكيز في أقفاص الوحدة الأولى في سجن قزل حصار. بسبب التعذيب الشديد، لم تكن قادرة على المشي بشكل صحيح وكانت تعرج دائما ولم تخلع جواربها أبدا، لأن قدميها كانتا مجروحتين بشدة ولم ترغب في أن يراهما أحد. أخيرا، وبعد 7 سنوات من المقاومة، أُعدمت هذه الطبيبة المضحية التي لا تقهر رميا بالرصاص في 30 يوليو 1988 بالتزامن مع شقيقتها الطالبة مهري في الدفعة الأولى من الإعدامات في إيفين.
- رضية آية الله زادة شيرازي: كانت حاصلة على بكالوريوس في الفيزياء من جامعة طهران. امرأة جريئة لا تهدأ ومفعمة بالحيوية، تعرفت على منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قبل ثورة 1979 وهي في سن الرابعة والعشرين. كانت دائما أول المتطوعين للأعمال الشاقة. كانت صغيرة الحجم ونحيفة، لكن أحدا لم يستطع منعها من أداء واجباتها. اُعتقلت في المظاهرات السلمية في 20 يونيو 1981 بينما كانت حاملا في شهرها الثاني، وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب حتى عام 1988 في سجني إيفين وكوهردشت. احتجزوها طوال فترة حملها في زنزانة متجمدة بلا نوافذ، حتى أصيبت بمرض في الكلى. في اليوم الذي داهمها فيه المخاض، وضعوها في سيارة بتأخير ونقلوها إلى مستشفى بالخارج. كانت تقول إنها عندما أنجبت ابنتها سمعت صوت بكائها، لكن الحراس أخبروها أن طفلتها ماتت. كانت رضية في كل الأحوال تسعى لاكتشاف إبداعات وابتكارات جديدة. تصفها زميلاتها في السجن بأنها أسطورة المقاومة والصمود. في 25 سبتمبر 1988، شُنقت برافعة أثقال أمام أنظار السجينات الأخريات.
- مليحة أقوامي: كانت تلميذة من أهالي شاهرود تعرفت على منظمة مجاهدي خلق الإيرانية فور انتصار الثورة المناهضة للشاه. فتاة مرحة ومفعمة بالحيوية بذكاء وحلاوة لسان خاصة بالمراهقين، تم اعتقالها قبل 20 يونيو 1981. بعد بدء المجزرة في أغسطس 1988، نُقلت مليحة إلى «لجنة الموت». لا أحد يعلم ما حدث لمليحة هناك. لكن الوثيقة الوحيدة المتبقية منها توضح الكثير من الأمور. في رسالة بخط يد مليحة كُتب: «4 أغسطس 1988 – أنا مليحة أقوامي، ذهبت إلى المحكمة في الساعة 3 بعد الظهر وتم إبلاغي بحكم الإعدام. الآن الساعة 7 مساءا وأنا ذاهبة للإعدام.» لم يسلموا جثة مليحة لعائلتها، لكن بعد فترة في نفس العام، جلب شاب يافع من الباسيج لوالدة مليحة علبة حلوى وخمسمائة تومان وقال لها أنا كنت صهركم وهذا هو مهر ابنتكم.

من اليمين إلى اليسار: مليحة أقوامي – رضية آية الله زادة شيرازي – سكينة دلفي
التداعيات الإنسانية والاجتماعية
تركت مجزرة 1988 آثارا عميقة على العائلات والمجتمع. عاشت آلاف العائلات لسنوات في ظل الغموض والفقدان والأسئلة التي بلا إجابات. بقي الكثيرون منهم يجهلون مكان دفن أحبائهم. هذا الوضع، إلى جانب الأضرار النفسية والاجتماعية، يضاعف من أهمية كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
كانت مريم أكبري منفرد إحدى السجينات السياسيات التي بقيت في السجن لمدة 17 عاما دون يوم واحد من الإجازة لمجرد مطالبتها بالعدالة لدم شقيقها وشقيقتها الشهيدين في عام 1988 وشقيقيها الآخرين اللذين أُعدما في حقبة الثمانينيات. كتبت في رسالة موجهة إلى الملا موسوي تبريزي حول عائلات مجاهدي خلق الذين أُعدموا في المجزرة: «ربما تكونوا قد نسيتم. دعوني أذكركم أن العائلات لم يكن لها الحق حتى في إقامة مراسم العزاء. في نفس المراسم العائلية للعزاء، كنتم تعتقلونهم مع جميع الضيوف وتزجون بهم في السجن. لم تسلموا جثث الأعزاء للعائلات، ولم تخبروهم أين دُفنوا، ولا حتى أي عنوان!»
مقبرة خاوران في قطعة أرض خارج طهران هي واحدة من أكبر المقابر التي تضم رفات آلاف المجاهدين والمناضلين الذين أُعدموا في مجزرة صيف 1988. العديد من أمهات وزوجات وشقيقات هؤلاء الشهداء لا يزلن يجهلن الموقع الدقيق لدفن أحبائهن. إنهن يخمن فقط أن أبناءهن قد دُفنوا في هذا المكان. توجد في مدن إيرانية أخرى أماكن مشابهة تمثل مواقع المقابر الجماعية للمجاهدين الذين أُعدموا في مجزرة صيف 1988.
تأتي عائلات هؤلاء الشهداء كل عام في ذكرى المجزرة وعشية رأس السنة الجديدة لإبقاء ذكرى أحبائهم حية في هذه الأماكن وتغطية الأرض بالزهور لأنهن لا يعرفن الموقع الدقيق للقبر. ولكن منذ بضع سنوات أغلق نظام الملالي باب مقبرة خاوران ولم يسمح للعائلات بزيارة القبور المفترضة لأبنائهم.
بناء جدران خرسانية حول مقبرة خاوران
وهذا العام أيضا، في يوم الجمعة 28 أغسطس 2026 في الذكرى الثامنة والثلاثين لمجزرة السجناء السياسيين من مجاهدي خلق والمناضلين، ذهب جمع من عائلات السجناء السياسيين المعدومين المطالبين بالعدالة إلى مقبرة خاوران لتكريم ذكرى أحبائهم. منع رجال الأمن دخول العائلات وحضورهم عند قبور أحبائهم بإغلاق أبواب هذا المكان. وضعت العائلات المطالبة بالعدالة صور أحبائها المعدومين خلف الأبواب المغلقة ونثرت الزهور على صورهم، وخلدت ذكراهم بإنشاد الأناشيد.
مقبرة خاوران الجمعة 28 أغسطس 2026
لقد منع النظام في السابق مرارا العائلات من دخول مقبرة خاوران. بل إن مسؤولي النظام أقدموا على تدمير قبور ضحايا مجزرة عام 1988 في مدن مختلفة. ولمزيد من إخفاء مصير ومكان الضحايا، رفض مسؤولو النظام حتى إصدار شهادات وفاة وحذفوا أسماء المعدومين من سجلات المتوفين.
في عام 2021، أقدم النظام على تخريب مقبرة خاوران ودفن موتى جدد هناك. في عام 2017، تم تدمير قبور الشهداء في مقبرة بهشت رضا بمدينة مشهد ومقبرة وادي رحمت في تبريز. في أغسطس 2018، دمر النظام قبور ضحايا مجزرة 1988 في الأهواز بحجة بناء شارع. حول مسؤولو النظام بعض المقابر الجماعية إلى مكبات للنفايات.

المقاضاة وضرورة المحاسبة
أكد خبراء الأمم المتحدة على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة ومناقشة الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وصف جيفري روبرتسون، المحامي البارز المدافع عن حقوق الإنسان بدرجة مستشار الملكة والقاضي السابق في المحكمة الخاصة لسيراليون التابعة للأمم المتحدة، مجزرة السجناء السياسيين في إيران في عام 1988 بأنها أسوأ جريمة ضد الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.
في 9 ديسمبر 2020، نشرت الأمم المتحدة نص رسالة من 7 خبراء في حقوق الإنسان تابعين للأمم المتحدة طالبوا فيها النظام الإيراني بالمحاسبة على مجزرة عام 1988 في إيران.
في رسالتهم المؤرخة 3 سبتمبر 2020 إلى النظام الإيراني، أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم البالغ إزاء استمرار رفض النظام الكشف عن مصير ومكان آلاف الأشخاص الذين أُخفوا قسريا ثم أُعدموا خارج نطاق القضاء في عام 1988.
أخيرا، وبعد سنوات من جهود المقاومة الإيرانية وحركة المقاضاة، أعلن البروفيسور جاويد رحمان، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، رسميا في تقرير تاريخي في 22 يوليو 2024: «إن عمليات الإعدام الميدانية والتعسفية وخارج نطاق القضاء في الثمانينيات ومجزرة عام 1988 ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية (بما في ذلك القتل والإبادة)، والإبادة الجماعية، والجرائم البشعة. وتشمل الجرائم ضد الإنسانية أيضا التعذيب والسجن والاختفاء القسري، واستمرار هذه الجرائم نابع من إفلات الجناة الذين لا يزالون في أعلى مستويات السلطة من العقاب.»
وأشار إلى أن الأغلبية العظمى من الإعدامات استهدفت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والأفراد الذين ظلوا ثابتين على مواقفهم.
طلب المقرر الخاص إنشاء آلية دولية مستقلة لضمان إجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والعنف الجنسي. تهدف هذه الآلية إلى جمع الأدلة وحفظها للمحاكمات المستقبلية ومعالجة الفظائع المرتكبة ضد المعارضين السياسيين والأقليات الدينية والنساء والفتيات في إيران.

كما حث البروفيسور رحمان كل دولة عضو في الأمم المتحدة على «استخدام الولاية القضائية العالمية للتحقيق وإصدار أوامر الاعتقال ومحاكمة الأفراد على “الجرائم البشعة” [التي] ارتكبت – خلال الثمانينيات وخاصة خلال عامي 1981-1982 وعام 1988 – بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وكذلك الإبادة الجماعية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي بموجب القانون الدولي تعادل الجرائم بما في ذلك التعذيب والاختفاء القسري وعمليات الإعدام التعسفية وخارج نطاق القضاء.» (الفصل السابع. الاستنتاجات والتوصيات، صفحة 62، فقرة m)

الخلاصة
تعتبر ملحمة النساء في مجزرة عام 1988 واحدة من أكثر الفصول خلودا في تاريخ إيران المعاصر. أظهرت هؤلاء النساء بصمودهن أن القمع لا يمكن أن يطفئ شعلة الحرية. إن اسم منيرة رجوي وغيرها من النساء اللواتي فقدن أرواحهن في مجزرة صيف عام 1988 الحار هو تذكير بحقيقة أن الذاكرة التاريخية للأمم تتشكل على أكتاف أولئك الذين لا يتخلون عن معتقداتهم حتى في أصعب الظروف.
إن لجنة المرأة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إذ تحيي ذكراهن، تؤكد على ضرورة المقاضاة وتقصي الحقائق وتقديم الآمرين ومنفذي هذه الإبادة الجماعية وهذه الجريمة الكبرى ضد الإنسانية إلى العدالة.




















