كانت رضية بطلة محبوبة وطموحه وذات شخصية وبشوشة وحسنة السلوك وصامدة ومخلصة.
قصص مقاومة المرأة – مجزرة 1988
سنتطرق في الجزء الثالث من الحديث مع فرشتة أخلاقي، عن السيرة الذاتية لـ فاطمة (رضية) آيت الله زاده شيرازي، إحدى المجاهدات اللاتي قتلن في مذبحة الصيف الدموي عام 1988.
كانت رضية آيت الله زاده شيرازي، بطلة تبلغ من العمر 36 عامًا، وحاصلة على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة طهران، ومتزوجة ولها ابنة تعيش وتنشط في طهران.
والجدير بالذكر أن البطلة رضية تعرفت على منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قبل الثورة عندما كانت تبلغ من العمر 24 عامًا، وشاركت بنشاط في العديد من الحركات الاحتجاجية. ومن بين المواصفات التي يصفون بها الشخصية الثورية لهذه المرأة الشابة: الجريئة والمهمومة بمستقبل الوطن والمفعمة بالحيوية والنشاط. كما أنها كانت ناشطة ورائدة في برامج تسلق الجبال بالجامعة. وكانت تغري الآخرين على مرافقتها بروحها العالية وقرة عينها، حيث كانت تتسم بالذكاء المتوقد والإرادة العالية. وعند التكليف بالمهام الصعبة كانت البطلة رضية أول من يتطوع لإنجازها. وعلى الرغم من أن بطلتنا كانت صغيرة الجسد ونحيلة، غير أنه نادرًا ما يستطيع أحد أن يمنعها من أداء مهمتها.
ونظرًا لانعدام الفرصة لممارسة النشاط السياسي الحر في المجتمع الإيراني آنذاك، بدأت رضية في ممارسة نشاطها السياسي بسرية منذ عام 1975، واستمرت في مواصلة جهودها في مثل هذه الظروف حتى اندلاع الثورة ضد الشاه في إيران في بداية عام 1979.
بعد وقوع الثورة ضد الشاه في إيران وتولي خميني السلطة، بدأ الضغط على المنظمات والجماعات السياسية، وتحديدًا النساء والفتيات الناشطات، بسرعة غريبة. وهي عملية أغلقت جميع مسارات النشاط السياسي للثوار ومعارضي سياسات خميني الرجعية حتى عام 1981. وكانت المظاهرات السلمية في 20 يونيو 1981، التي واجهتها قوات حرس نظام الملالي والبلطجية المسلحون بارتكاب مذبحة وحشية، بعد فترة وجيزة من انطلاقها وقتلوا العديد من المتظاهرين تلبية لأوامر خميني، مستخدمين البنادق الألمانية الصنع جي 3 والمدافع الرشاشة؛ بداية المرحلة المصيرية.
وتم القبض على البطلة رضية أثناء هذه المظاهرات، على الرغم من أنها كانت حامل، وتعرضت لأقسى أنواع التعذيب في سجني إيفين وكوهردشت حتى عام 1988.
وتقول إحدى زميلاتها التي قضت معها فترة في العنبر رقم 311 في سجن إيفين: كانت رضية حاملةً في شهرين أنثاء القبض عليها. وعاشت طوال فترة حملها التي استمرت حتى فبراير 1982 في زنزانة انفرادية مسدودة بلا نافذة.

_________________
(1) وأدى لجوء جهاز مخابرات الشاه (السافاك) إلى ترويع المجتمع والتهديد بالاعتقال والعذيب والزج بأبناء الوطن في السجون والضغط المضاعف على المقاتلين في ذلك الوقت؛ إلى إغلاق الطريق أمام المعارضين للتعبير عن آرائهم وممارسة نشاطهم السياسي الحر، ولهذا السبب كان جميع أنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وأعضائها يمارسون نشاطهم السياسي سرًا.
ونظرًا لأن حراس السجن كانوا لا يفتحون باب الزنزانة أكثر من مرتين وأحيانًا مرة واحدة في اليوم، أصيبت البطلة مرضية بمرض في الكلى. ونتيجة لذلك، تورمت الكلية بشدة لدرجة أنها كانت تجد صعوبة في المشي. وفي وقت لاحق، عندما شعرت بآلام الولادة، نقلوها بعد ساعات عديدة من التأخير إلى أحد المستشفيات خارج السجن. وبعد الولادة مباشرة أعادها الحراس إلى السجن خوفًا من أن تهرب أو أن ينتبه أبناء الوطن إلى وضعها الحرج. وأردفت زميلتها قائلةً: عندما وضعت البطلة رضية ابنتها سمعَت صوت بكائها، بيد أنهم أخبروها لاحقًا أن طفلتها توفت.
ثم استطردت زميلة مرضية قائلة: “بعد أن اقتربنا من بعضنا لفترة حكت لي قصته حياتها وقالت إن والدها وجدها كانا من الملالي، ولكن زوجها صادق هاشم زاده ثابت، واثنين من أشقائه، هما مرتضى وأحمد كانوا جميعًا من مجاهدي خلق، وأعدمهم نظام الملالي الفاشي.
وهنا أدركت أن ما تتعرض له مرضية من ضغوط ليس من فراغ. وكانت تعرف رفسنجاني وخامنئي جيدًا منذ عهد الشاه. ونظرًا لأن والدها وجدها كانا من الملالي، لم يكن كونها من مجاهدي خلق ولا كون أشقائها وزوجها وأشقائه من مجاهدي خلق أمرًا مقبولًا بالنسبة لنظام الملالي.
وفي فترة من الفترات زاد نظام الملالي من الضغط على رضيه إلى أقصى درجة، حيث كانوا يستجوبونها كل يوم. وتعرضت مرضية للضرب كل يوم. وعند عودتها من التحقيق ذات يوم كان لون جسدها بالكامل أسودًا من كثرة الضرب والتعذيب. وعندما رفعنا ظهرها كان اللون أسودًا كما لو أنهم وضعوا شمعًا أسودًا على أكتافها، ولم يكن هناك مكان في ظهرها سليمًا. ونظرًا لخبرتي في الصحة العامة، أدركت من وضعها الصحي ومن تقيئها للدم أنها ستحتاج إلى الغسيل الكلوي.
وكانت تسقط بجوار الغرفة فاقدة الوعي… إلخ. وبعد أن تبولت دمًا وازداد الأمر سوءًا نقلوها إلى العيادة الصحية. ولم نسمع عنها أي خبر إلى أن أعادوها بعد 20 يومًا. وكانت نحيفة للغاية، حيث فقدت 20 كيلوجرام من وزنها، وكان وجهها ذابلًا ونحيلًا جدًا. ولكنها كانت تتحلى بنفس الروح المعنوية التي عهدناها فيها.
وتقول إحدى زميلاتها الأخريات في العنبر: في عام 1987 كنت مع رضية في زنزانة واحدة في سجن كوهردشت.
وكانت في جميع الأحوال دائمًا ما تبحث عن مبادرات وإبداعات جديدة، فعلي سبيل المثال، كان حراس السجن لا يطفئون الأنوار في الزنازين ليلًا حتى لا نستطيع نحن السجينات على الأقل ألا نستريح في ظل إضاءة الأنوار. لكن لحل هذه المشكلة، كانت رضية قد صنعت غطاءًا من الصحف وخيوط النايلون لحجب ضوء مصباح الزنزانة، وكنا نرفعه ليلًا على المصباح بعد التفتيش وخروج الحراس وننزله في الصباح قبل وصول الحراس إلى العنبر. وكان هذا العمل تقليدًا لرفع العلم وتنكيسه يتم في تجمع نساء الزنزانة بالغناء، وهذا الأمر في حد ذاته كان يخلق في نفوسنا جوًا مختلفًا.

_________________
(2) وبالإضافة إلى البطلة رضية، ضحى عدد من أفراد عائلتها بأرواحهم في النضال من أجل تحرير إيران من استبداد الديكتاتورية الدينية الحاكمة، وهم: شقيقها، مرتضى آيت الله زاده شيرازي وشقيقها، أحمد آيت الله زاده شيرازي وزوجها، صادق هاشم زاده ثابت وشقيق زوجها، قدير هاشم زاده ثابت وزوجة شقيقها، نيرة شافعي.
وكانت رضية آيت الله زاده شيرازي أسطورة المقاومة والصمود التي كانت من النساء الأحرار في مجاهدي خلق بتألقها وتأثيرها في حياتها ونضالها، واختارت الصمود ضد الديكتاتورية الدينية المناهضة للمرأة مؤمنةً بانتصار المثل العليا للحرية، وقهرت حسابات خميني وجلاديه في ممارسة أشد وأشرس أنواع التعذيب. وعلى الرغم من أن الشيطان الهالك خميني شنق جميع السجناء السياسيين في مذبحة 30,000 سجين من مجاهدي خلق أمام أعين السجناء الآخرين في 25 سبتمبر 1988، بيد أن الوجه الجميل المبتسم لرضية والروح المعنوية العالية التي اتسمت بها مقاومتها ستظل في ذاكرة التاريخ وذاكرة رفاقها الصرخة المدوية للمقاومة والتقدم حتى يوم تحرير الوطن والبدء في المقاضاة على جميع شهداء مجزرة 1988 وتحقيق العدالة لمن تم إعدامهم وجميع السجناء الذين تعرضوا للتعذيب والذين عانوا تحت وطأة نظام حكم الملالي المناهض للبشرية.




















