على مدى 15 عاماً، تم تفريغ مشروع قانون حظر العنف ضد المرأة من محتواه بشكل منهجي، واستُخدم كذريعة لفرض الحجاب القسري، وتحول إلى قانون يخدم المتعدين على حقوق المرأة.
إن نظام الملالي لم يكتفِ بمأسسة أنواع العوائق أمام نيل النساء للعدالة في قوانينه فحسب، بل إنه عبر الامتناع عن وضع قوانين حمائية، يساهم عملياً في تأجيج حلقة العنف ضد المرأة.
بالطبع يجب التأكيد مسبقاً، ، أنه في ظل حكم هذه الديكتاتورية ووجود القوانين العليا الحالية في إيران، حتى لو وجدت القوانين التكميلية لحماية أمن النساء طريقاً للتصديق، فإنها لن تُنفذ عملياً. ومع ذلك، فإن إلقاء نظرة على مصير مشروع قانون منع العنف ضد المرأة ولعبة الملالي معه طيلة ١5 عاماً يحمل أهمية كبيرة.
التلاعب بأمن النساء
مشروع القانون الوحيد الذي كان من المفترض – حسب ادعاءات مسؤولي هذا النظام أن يُصادق عليه لصالح النساء طوال حكم الملالي، هو مشروع قانون منع العنف ضد المرأة الذي يتم تداوله بين أجهزة النظام منذ ١٤ عاماً، إلى أن قامت الحكومة بسحبه واسترداده بشكل نهائي.
في كل مرة تثير فيها جريمة ضد النساء غضب الشعب، يُطرح هذا المشروع في وسائل إعلام النظام ويتظاهر البرلمان أو الحكومة أو السلطة القضائية بإعطائه الأولوية، لكنهم في الممارسة العملية يقلصون محتواه الوقائي ويمررونه إلى جهاز آخر ثم يتركونه للنسيان المتعمد.
النص الأول لهذا المشروع، تحت عنوان “مشروع قانون تأمين أمن النساء ضد العنف”، صِيغ عام ٢٠١١ في ٨١ مادة، وزاد في عام ٢٠١٣ إلى ٩٢ مادة. أما في النهاية فقد قُلص إلى ٣٠ مادة فقط. إن مجرد النظر إلى تغييرات عنوان المشروع خلال هذه السنوات يكفي لإثبات انعدام الإرادة لتوفير الأمن للنساء:
عنوان المشروع عام ٢٠١١: مشروع قانون تأمين أمن النساء ضد العنف.
عنوان المشروع عام ٢٠١٩: مشروع قانون صيانة وكرامة وتأمين أمن السيدات ضد العنف.
عنوان المشروع عام ٢٠٢٠: مشروع قانون حفظ الكرامة وحماية النساء ضد العنف.
عنوان المشروع عام ٢٠٢٢: مشروع قانون الوقاية من تضرر النساء والارتقاء بأمنهن ضد سوء السلوك.
عنوان المشروع عام ٢٠٢٥: مشروع قانون حفظ الكرامة وحماية النساء والأسرة. (موقع ”وكلا برس“ – ٨ يونيو ٢٠٢٥).
بهذه الطريقة، شُطبت الكلمات الجوهرية مثل “الأمن” و”العنف” أساساً من عنوان ونص المشروع. وبدلاً من حماية النساء من العنف، ركز نص المشروع على تعزيز الأسرة تحت “الرئاسة الذاتية للرجال“، بالإضافة إلى تعليمات تخص ملابس الموظفات في مختلف المنظمات والوزارات!
تقول ”أشرف كرامي زادكان“، المستشارة السابقة للشؤون البرلمانية والقانونية في معاونية شؤون المرأة والأسرة: “رأينا في كل هذه السنوات كيف تم بتر هذا المشروع بحجة تعارضه مع كيان الأسرة، وهذا برأيي يظهر وجود عقول تريد دائماً أن نبقى نحن النساء متأخرات وألا نتمكن من نيل حقوقنا”. (موقع ”فرارو“ – ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٤).
وتقول أعظم قديري، شقيقة منصورة قديري (صحفية وكالة إرنا التي قُتلت على يد زوجها عام ٢٠٢٤): “هذا يعني أنه عندما يسمع الناس صراخ امرأة في بيتها، لا يسمحون لأنفسهم بالاتصال بالشرطة. هذا هو تطبيع العنف”. (موقع ”فرارو“ – ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٤).
ويقول محسن برهاني، الحقوقي والأستاذ المطرود من جامعة طهران: “ليس لدى المشروع هاجس يسمى العنف ضد المرأة. لقد تحول المشروع أكثر إلى نوع من النظرة التربوية تجاه النساء بدلاً من إزالة عوامل إنتاج العنف ضدهن. في قانون ٢٠٢٦، تم إدراج الإجراءات ضد الزوج ضمن الجرائم أيضاً. أين العنف ضد النساء وأين تجريم الأفعال لصالح الرجال؟ الكثير من المواد التي كانت تجرّم العنف في المسودة الأولى حُذفت في النسخة النهائية… المشرّع يمنّ بوجود قانون على النساء، بينما وجود هذا القانون أو عدمه سيان”. (موقع ”وكلا برس“ – ٨ يونيو ٢٠٢٥).
في مايو ٢٠٢٥، قامت حكومة بزشكيان، خوفاً من ردود الفعل الاجتماعية العنيفة مثل انتفاضة ٢٠٢٢، بسحب هذا المشروع الممزق من البرلمان. وقالت زهراء بهروز آذر، رئيسة مديرية شؤون الأسرة والأسرة: “استردت الحكومة مشروع قانون حماية النساء ضد العنف بسبب حدوث تغييرات جوهرية خطيرة فيه”. (فرارو – ٢٧ أغسطس ٢٠٢٥).
كما وصف مجيد أنصاري، المعاون القانوني لبزشكيان رئيس النظام، المشروع بأنه “مُستلب” (تم مسخه). (فرارو – ١٢ يونيو ٢٠٢٥).
بعد ٥ أشهر من استرداد المشروع في مايو ٢٠٢٥، أوردت وسائل الإعلام أنباءً عن إلحاق أجزاء من “قانون الحجاب والعفة” بمشروع حماية النساء. (إيسكانيوز – ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٥).
وعندما يئس النواب المعادون للمرأة في البرلمان من تنفيذ قانون الحجاب والعفة، لجأوا إلى كل خدعة لدمج المحتوى القمعي الذي عُلّق في قانون الحجاب والعفة بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي للنظام، داخل مشروع قانون منع العنف ضد المرأة! حدث هذا رغم أن الحكومة كانت قد طلبت استرداد المشروع. (انتخاب – ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥).
واعترف أحمد فاطمي، عضو اللجنة الاجتماعية: “تم إدراج مواد تتعلق بالجامعات الخاصة بالسيدات ومراكز النساء من قانون الحجاب والعفة داخل مشروع قانون حماية النساء”. (إيسكانيوز – ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٥).
بالإضافة إلى ذلك، دخلت عبارات مثل “أولوية الحياة العفيفة والغيورة للرجال” في مشروع منع العنف ضد المرأة من قانون الحجاب والعفة، وهي عبارات تشجع الرجال على ممارسة العنف، لأن “الغيرة” في الثقافة الذكورية تعني تحويل النساء إلى سلع مطلقة بيد رجال الأسرة. (خبر فوري – ١٩ أكتوبر ٢٠٢٥).
واعترفت زهرة لاجوردي، ابنة أسد الله لاجوردي المعروف بجلاد سجن إيفين ورئيسة “لجنة النساء والأسرة باللجنة الاجتماعية”، بعدم مبالاتها تجاه قتل النساء والعنف ضدهن قائلة: “هدفنا الأساسي في هذا المشروع هو تقليل الفجوات الأسرية ومنع انتشار الأضرار الاجتماعية… يجب منع تحويل الأسرة إلى ساحة للصراعات القضائية… (وكذلك منع) تهيئة الأسباب لهروب المرأة من الأسرة ومواجهة التمهيد للخيانة في فضاء الأسرة”. (خبر أونلاين – ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥).
توضح مريم باقي، الحقوقية والناشطة المدنية: “يوجد في المشروع تجريم لتشكيل وترغيب وإلزام عدم تشكيل الأسرة. أي إذا تحدثت امرأة عن عزوبيتها، يُعتبر ذلك تشجيعاً على العزوبية ويُجرّم(!)… كما وُضعت تعليمات لملابس النساء في مشروع منع العنف، مثل تعليمات ملابس الكوادر الطبية والنساء اللواتي يراجعن المراكز الطبية. استخدام طبيبة للنساء وطبيب للرجال هو نموذج آخر نُقل من قانون الحجاب والعفة إلى هذا النص”. (انتخاب – ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥).
وفي منتصف يناير ٢٠٢٦، قالت ”زهراء بهروز آذر“ مجدداً للصحفيين: “إذا لم تُطبق الإصلاحات التي تريدها الحكومة في النص ولم يكن المشروع في مسار تحقيق أهدافه، فإن استرداده سيكون قطعياً”. (إيلنا – ٤ يناير ٢٠٢٦).
في حزيران/يونيو 2026، أعلن المتحدث باسم الحكومة رسمياً أنه بسبب «تغيير طبيعة المشروع بالكامل وتحولها إلى أداة ضد حقوق النساء»، تم إرسال طلب استردادها القطعي إلى البرلمان.
وبهذه الطريقة، أثبتت لعبة الملالي المستمرة منذ 15 عاماً بمشروع «منع العنف» مرة أخرى أنه في ظل القوانين الفاشية والأصولية الحاكمة في إيران، لا يوجد أي أفق أو إرادة لتوفير أمن وكرامة النساء، وأن هذا النظام هو المصدر الرئيسي والمؤسس للعنف ضد النساء.




















