بينما يخطو العالم نحو إلغاء عقوبة الإعدام، وتظل إحصائيات إعدام النساء في الدول الأخرى ضمن خانة الآحاد، سجلت الديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران رقماً قياسياً جديداً من الوحشية في عام 2025 بإعدام 64 امرأة.
السؤال الجوهري هنا: لماذا تنتهي مصائر هؤلاء النساء إلى أعواد المشانق؟
الإجابة لا تكمن فقط في الزنازين الانفرادية لسجن “قرجك” أو “إيفين”، بل في النصوص القانونية التي تعرّف “المرأة” لا كإنسان حر، بل كملكية للرجل ومصلحة لـ “الشرع”. إن كل عقدة تُربط على حبل مشنقة امرأة إيرانية، قد نُسجت مسبقاً في القوانين الأساسية لهذا النظام.
تستعرض لجنة المرأة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في هذا الكتيب المعد للدورة السبعين للجنة وضع المرأة (CSW70)، كيف أحكم الملالي غلق أبواب العدالة أمام النساء عبر طبقات متراكمة من القوانين المعادية للمرأة.
المقدمة:
كرست الديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران، كأحد الأنظمة السياسية القليلة في العالم، التمييز ضد النساء بشكل ممنهج في جميع مستويات التشريع. إن إعدام 64 امرأة في عام 2025 هو نتاج منطقي لبنية تعتبر “أنوثة المرأة” مجرد كائن في خدمة الرجل.
الدستور أغلق منذ البداية مسار المساواة، والقانون المدني همّش المرأة بتقليص قيمتها الاقتصادية والاعتبار القانوني إلى النصف. قانون الأسرة كرّس زواج الأطفال وطريق الطلاق المسدود لإبقاء المرأة تابعة، بينما ينتقم قانون العقوبات كوحش كاسر من النساء اللواتي يحاولن كسر هذه القيود.

الخطوة 1: الركيزة الأيديولوجية (الدستور: التمييز في بنية السلطة والسيادة)
دستور نظام الملالي وثيقة حولت “التمييز” من سلوك مزاجي إلى “واجب حكومي”. تشكل هذه المجموعة من القوانين البنية التحتية والهندسة للتمييز الهيكلي ضد المرأة.
تنص المادة 4 على أن “كافة القوانين والقرارات… يجب أن تستند إلى الموازين الإسلامية (أي شرع الملالي)”، وهذا يجعل أي محاولة للمساواة بين الجنسين محكومة بالفشل مسبقاً، لأن تفسير هذه الموازين حكر على الملالي المعينين في مجلس صيانة الدستور من قبل خامنئي مباشرة.
لطالما استغلت هذه الطبقة من “الأحافير” المعممة كل منبر متاح للإصرار على معتقداتهم البالية والأكثر عداءً للمرأة، مثل إضفاء الشرعية على زواج الأطفال وفرض الحجاب القسري بذريعة “الشرع”.
بناءً على ذلك، فإن إقرار أي لائحة أو قانون للدفاع عن حقوق المرأة – حتى وإن حدث ذلك- لن يفتح في التطبيق العملي وتحت مظلة هذا النظام أي مسار لوصول النساء إلى العدالة؛ لأن المنظومة مصممة أساساً لحماية هذه الأفكار القروسطية ومنع أي تغيير حقيقي يمس جوهر التمييز الهيكلي.
في الدستور ذاته، نجد أن المادة 20 قد جعلت المساواة في الحماية القانونية مشروطة بـ “مراعاة الموازين الإسلامية” (وهي ذاتها شرع الملالي الحاكم)، بينما المادة 21 التي تُلزم الحكومة ظاهرياً بضمان حقوق المرأة، سرعان ما تُبطل مفعول ذلك برفع هراوة “مع مراعاة الموازين الإسلامية”.
إن عبارة “مع مراعاة الموازين الإسلامية” تعني عملياً أن المساواة مسموحة فقط بشرط ألا تتجاوز شبراً واحداً قوانين وأحكام الأعراب البدو قبل 1400 عام، وهي أحكام يفتقر بعضها للأصل الحقيقي في الإسلام. علماً بأن تلك القوانين التي ثبتها نبي الإسلام قبل 1400 عام – مثل إقرار حق الميراث والشهادة للنساء والقصاص للفرد بالفرد – كانت في زمانها تهدف لإخراج النساء من دوامة “الوأد” ومنع الإبادة الجماعية للقبائل، وكانت تُعد في عصرها خطوة كبرى نحو المساواة والسلام والأمن.
أما المادتان 115 و163 من دستور النظام، فقد منعتا دخول النساء إلى هرم السلطة وصنع القرار وإصدار الأحكام.
فقد دأب مجلس صيانة الدستور دائماً على تفسير مصطلح “الرجال” الوارد في القانون بمعنى “الذكور” فقط. وفي هذا السياق، أكد رئيس السلطة القضائية في النظام، الملا غلام حسين محسني إيجئي، مؤخراً على حصر رئاسة الجمهورية والقضاء بـ “الرجال السياسيين والدينيين” قائلاً: “من وجهة نظر فقهائنا، لا يمكن للمرأة أن تكون قاضية، ولا يمكنها إصدار الأحكام، في أي مورد وبأي مرتبة” (وكالة أنباء ”ميزان“، 23 ديسمبر 2025).
بهذا الشكل، وفي كافة المستويات العليا للحكم والقضاء، يظل الرجال هم من يقررون وهم من يحكمون؛ مما يعني وجود نظام ذكوري عديم الرحمة، لا تملك فيه النساء حتى صوتاً واحداً مؤثراً.
الخطوة 2: الخطوط الحمراء في الحياة اليومية
القانون المدني وقانون الأسرة:المرأة تحت القوامة من المهد إلى اللحد
بعد إحكام إغلاق الأصول الدستورية العليا، يمضي الملالي المشرعون نحو إغلاق الخنادق التالية في وجه وصول النساء إلى العدالة، وذلك من خلال تكريس التمييز في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين عبر القانون المدني وقانون الأسرة.
تنص المواد 907 و913 و946 على أن حق المرأة في الإرث يعادل نصف حق الرجل، مما يحرمها من الاستقلال المالي ويجعلها في حالة تبعية دائمة لرجال الأسرة. وقد أدى ذلك طوال سنوات حكم هذا النظام إلى انتشار ظاهرة “تأنيث الفقر” بشكل واسع، وهو ما تعترف به حتى وسائل الإعلام الحكومية.
كما يشكل التمييز في انتقال الجنسية عائقاً آخر تضعه سلطة الملالي في طريق النساء؛ فالمادتان 976 و987 من القانون المدني لا تعترفان بانتقال الجنسية الإيرانية للأبناء إلا عن طريق (دم الأب)، باستثناء حالات نادرة ومعقدة. كما تواجه المرأة الإيرانية في حال زواجها من أجنبي قيوداً شديدة في الحفاظ على حقوقها المدنية وحق التملك. وقد تسببت هذه المواد في بقاء آلاف الأطفال الإيرانيين بلا هوية، محرومين من أبسط الحقوق الأساسية لعدم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية، مما يجعل وصول هؤلاء النساء وأطفالهن إلى العدالة في ظل قوانين النظام معدوماً تماماً.

في ثقافة الملالي الحاكمين، يتم دائماً تغليف التمييز الصارخ ضد المرأة بغلاف “الأسرة” ليوضع العبء كله على كاهل النساء. وفي السنوات الأخيرة، أضاف موضوع زيادة النسل و”فتوة المجتمع” عبئاً جديداً إلى هذا الظلم.
وطبقاً للمادة 1041 من القانون المدني، فإن “عقد نكاح البنت قبل بلوغ سن 13 سنة شمسية كاملة، والولد قبل بلوغ 15 سنة شمسية كاملة، منوط بإذن الولي”. وهذا يعني أن زواج الفتيات في سن الثالثة عشرة قانوني رسمياً، ويمكن للأب أو الجد بسهولة إرسال الطفلات إلى غياهب العنف الناتج عن الزواج القسري في أعمار أقل من ذلك بكثير.
إن هذا القانون هو الجذر الأساسي لمعظم إعدامات النساء في إيران؛ فالطفلة التي تُجبر على الزواج في سن 13 أو أقل هي في الواقع ضحية لـ “عبودية جنسية مقننة”. والعديد من النساء الـ 64 اللواتي أُعدمن في عام 2025، وعشرات غيرهن في السنوات السابقة، كُنّ في الأصل “طفلات عرائس” ارتكبن الجرائم في أوج اليأس بعد سنوات من التعذيب والإساءة على يد من يُسمى “شريك الحياة” أو ذويه، وبسبب انسداد آفاق العدالة واستحالة الحصول على الطلاق.
في قوانين النظام، حق الطلاق هو حق أحادي للرجل؛ حيث تنص المادة 1133 على أن: “للرجل، مع مراعاة الشروط المقررة في هذا القانون، أن يطلب طلاق زوجته بمراجعة المحكمة”، دون الحاجة لتقديم مبررات. في المقابل، يجب على المرأة وفقاً للمادة 1130 إثبات “العسر والحرج” أو المشقة التي لا تُطاق أمام المحكمة، علماً بأن شهادة المرأة لا تملك قيمة إنسانية في محاكم هذا النظام.
وللتخلص من زواج عنيف، يتعين على النساء الصمود لشهور أو سنوات أمام إهانات القضاة الكارهين للمرأة لإثبات استحالة العيش مع “الزوج”. إن جزءاً كبيراً من النساء اللواتي انتهى مصيرهن إلى حبل المشنقة، كُنّ قد راجعن المراجع القضائية للملالي مراراً لطلب الطلاق قبل وقوع الجريمة، لكن تلك المحاكم أعطت الحق للرجال وأعادتهن قسراً إلى “البيت”.
ذلك البيت الذي تمنح المادتان 1105 و1108 رياسته ذاتياً للرجل؛ و”إذا امتنعت المرأة عن أداء وظائف الزوجية (التمكين الجنسي والعام)”، يحق للرجل ضربها، بل والامتناع عن دفع نفقتها ونفقة البيت الذي كدحت فيه ليل نهار.
وحتى لو نجحت المرأة في الحصول على حكم الطلاق، فإنها تضطر لتحمل العذاب النفسي الناتج عن بقاء أطفالها مع أب عنيف أو مدمن، لأن المادة 1169 تحصر حقها في الحضانة حتى سن السابعة فقط. لذا، فإن الكثير من النساء في إيران يتحملن العنف والتعذيب حتى نهاية العمر خوفاً من فقدان أطفالهن، ويضحين بمصيرهن من أجل حماية صغارهن.

الخطوة 3: قانون العقوبات الإسلامي، آلة القمع القضائي
لم يُصمم النظام القضائي للديكتاتورية الدينية لإرساء العدالة، بل لإعادة إنتاج العنف ضد المرأة. إن تحقيق العدالة للنساء من خلال جهاز يثمن حياة المرأة بنصف قيمة حياة الرجل ليس سوى سخرية مريرة.
بناءً على المادتين 170 و290 من قانون عقوبات الملالي، فإن عقوبة القتل العمد هي “القصاص” (الإعدام). وفي المنظومة القانونية الإيرانية، لا يُعتبر القتل جريمة ضد المجتمع، بل “حقاً خاصاً” لأولياء الدم (مثل والد المقتول)، الذين يمكنهم المطالبة بالإعدام أو العفو مقابل “الدية”.
إن الديكتاتورية الدينية، التي تتدخل في أدق تفاصيل حياة الناس من خلال فرض الحجاب والرقابة الأمنية والإنترنت، تلعب هنا دور المنفذ لإرادة عائلة المقتول، وذلك للتهرب من دراسة خلفيات الجريمة ومواصلة الإعدامات الإجرامية التي تُستخدم كأداة لإثارة الرعب في المجتمع وخاصة بين النساء. في هذا النظام، نادراً ما تُقبل مفاهيم مثل “الدفاع عن النفس”، أو “تاريخ العنف الأسري”، أو “المشاكل النفسية” كعوامل تمنع تنفيذ الإعدام.
لذلك، فإن النساء اللواتي يرتكبن جريمة قتل دفاعاً عن أنفسهن ضد زوج مسيء، لا يجدن أي أمل في الوصول إلى العدالة. إن إثبات “الدفاع المشروع” في المحاكم الإيرانية يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة للنساء (نظراً لعدم المساواة في قيمة الشهادة)؛ فإلى جانب بخس قيمة حياة المرأة، تعادل شهادتها نصف شهادة الرجل، وفي بعض الحالات لا قيمة لها إطلاقاً لدى القضاة المجرمين.
في المقابل، عندما تُقتل امرأة، نادراً ما يُحكم على الجاني بـ “القصاص”؛ لأنه بموجب المادة 550 من هذا القانون، فإن قيمة دم المرأة نصف قيمة دم الرجل.
وهذا يعني أنه إذا قتل رجلٌ امرأةً وأرادت عائلة الضحية القصاص، فعلى العائلة دفع “تفاضل الدية” (نصف دية الرجل المقرر إعدامه) إلى عائلة القاتل لكي يتم إعدامه! هذه النظرة المهينة تظهر جلياً في سلوك القضاة والنظام القضائي.
أما المرأة والفتاة الإيرانية، ففي الوقت الذي تُبخس فيه قيمة حياتها وشهادتها، فإنها تُعتبر “مسؤولة” أمام القضاء حتى في طفولتها. فالمادة 147 من قانون العقوبات، وبناءً على ما يسمى “سن البلوغ الشرعي” المسجل في القانون المدني، تحدد سن المسؤولية القضائية للفتيات بـ 9 سنوات قمرية، بينما هي للذكور 15 سنة.
وهذا يعني أن طفلة في التاسعة، لا تملك حق القرار في زواجها أو طلاقها ولا تحصل على إرث متساوٍ، تُعتبر فجأة “بالغة” من قبل القضاة الكارهين للمرأة، وأكثر مسؤولية من الرجل، ويمكن الحكم عليها بالإعدام. وقد تقضي سنوات حتى بلوغها الثامنة عشرة وهي تعاني كوابيس الإعدام كل ليلة؛ لأن النظام يدعي أنه لا يعدم قبل سن الـ 18، وهو ادعاء ثبت زيفه مراراً.
هذه هي الطفلة ذاتها التي يملك والدها دمها وحياتها؛ فبموجب المادتين 301 و612، إذا قام الأب أو الجد للأب بقتلها، فلا حرج عليه. وهؤلاء الآباء، إن مثلوا أمام القانون، فإن أقصى عقوبة متوقعة لهم هي السجن 10 سنوات، وغالباً ما تنتهي بسنتين فقط.

هذا القانون هو بمثابة ترخيص لـ “جرائم الشرف”، مما يثبت أن هدف القوانين التي وضعتها الديكتاتورية الدينية ليس “العدالة”، بل تعزيز “السلطة الذكورية” تحت مسمى “الأسرة”.
طبعاً، لا تملك الأم في المقابل مثل هذا الحق؛ فبموجب المادة 716، تُعاقب الأم حتى لو أجهضت جنيناً لم يبلغ 4 أشهر، وإذا كان الجنين ذكراً، فعليها دفع ضعف ديتها كدية للطفل.
كما قنن قانون العقوبات قتل النساء على يد الزوج أيضاً؛ فالمادة 630 تنص على أنه: “إذا شاهد الرجل زوجته في حالة زنا وكان عالماً بمطاوعتها، فله أن يقتلهما في تلك الحالة، وفي هذه الحالة يُعفى من القصاص والتعزير”.
هذه القوانين تسمح للرجل بأن يكون “المدعي” و”القاضي” و”المنفذ” لحكم الموت في آن واحد، دون الحاجة لمحكمة أو إثبات للتهمة. وليس من قبيل الصدفة أن حالات قتل النساء في إيران تشهد ارتفاعاً سنوياً.
هناك موضوع آخر يبيح القتل الحكومي للنساء وهو “جرائم المواد المخدرة”. يستخدم النظام الإعدام في هذه القضايا كأداة للضبط الاجتماعي، وفي هذه الملفات، ينعدم “الحق في محاكمة عادلة” تقريباً.
النساء اللواتي يُعدمن بهذه الذريعة ينتمين غالباً للطبقات الفقيرة والمعيلات لأسرهن، واللواتي وقعن في فخ الفقر وضحايا لعصابات كبرى مرتبطة بمؤسسات حكومية. يُعدم هؤلاء النسوة كـ “ضحايا متاحين”، دون الإشارة إلى أنهن قد قمن بنقل المواد تحت الضغط أو التهديد من أزواجهن أو آبائهن، بينما لم يُشاهد أبداً مثول رؤوس شبكات المخدرات المرتبطة بالسلطة أمام العدالة.
ومن الضروري ذكر أنه إذا كانت النساء ينتمين لأقليات عرقية أو دينية، خاصة الأقليات المقموعة والمحرومة في بلوشستان وكردستان، أو كُنّ من المعارضات السياسيات الجديات لـ النظام، فإن هذه المظالم تتضاعف بشكل كبير.
الخطوة 4: الفراغات القانونية (ما يتم تجاهله عمداً)
لا يكتفي النظام الإيراني بإيذاء النساء عبر قوانينه “الموجودة” فحسب، بل خلق بيئة آمنة للجريمة ضدهن عبر “الامتناع عن وضع قوانين حماية”.
وبناءً على ما سبق، فإنه في ظل سيادة الديكتاتورية الدينية المعادية للمرأة ووجود هذه القوانين العليا، حتى لو وجدت لوائح تكميلية لحماية أمن النساء، فإنها عملياً لن تجد طريقاً للتنفيذ.
الخطوة 5: وضع قوانين ولوائح جائرة جديدة
قوانين المهر الجديدة والحجاب الإجباري: عوائق إضافية أمام وصول النساء إلى العدالة
1-5. تعديل قانون المهر: إعادة إنتاج عدم المساواة الحقوقية للنساء
في يوم الأربعاء 3 ديسمبر 2025، صادق برلمان النظام على عجل وبصورة مفاجئة على مشروع تحت عنوان “تعديل قانون المهر”. ووفقاً لهذا المصنف: “كلما كان المهر عند وقوع العقد حتى 14 مسكوكة ذهبية (ربيع الحرية) أو ما يعادلها، فإن تحصيله يخضع لمقررات المادة (2) من قانون تنفيذ المعافيات من المحكوميات المالية. وإذا زاد المهر عن هذا المقدار، فإن الفائض لا يُدفع إلا بناءً على القدرة المالية للزوج”. كما نص القانون على أن: “المراد من الحبس في هذا القانون يشمل كلاً من ‘احتجاز الشخص في السجن’ أو ‘تقييد الشخص باستخدام أنظمة الرقابة الإلكترونية'”. (موقع ”عصر إيران“ – 4، 5 و7 ديسمبر 2025).
هذا يعني أولاً: أن الزوج لا يخضع للمساءلة القضائية في حال عدم دفع ما يزيد عن 14 مسكوكة. وإذا كان المهر أكثر من ذلك، يجب على المرأة إثبات القدرة المالية للزوج للمطالبة بالفائض. وبناءً عليه، فإن المرأة التي تُعتبر قيمة شهادتها من وجهة نظر القضاء الملالي “نصف إنسان”، إذا لم تتمكن من إثبات قدرة الزوج على دفع ما يفوق الـ 14 مسكوكة، فإن بقية مهرها يُلغى تماماً.
قبل هذا القانون، كان يُقسط مبلغ المهر من قبل المحكمة في حال قبول طلب الرجل بالإعسار، وكان الرجل ملزماً بدفعه تدريجياً.
كما قرر هذا القانون بشأن حق الطلاق أنه في حال عاش الزوجان منفصلين لمدة سنتين متتاليتين على الأقل وأحرزت المحكمة “الكراهية الشديدة” من الزوجة تجاه الزوج، سيكون للمرأة حق الطلاق مقابل “التنازل عن مهرها”. (عصر إيران – 5 ديسمبر 2025).
سابقاً، ووفقاً للقانون المدني للملالي، كان على المرأة إثبات أن الحياة مع الرجل تلحق بها ضرراً، والآن يجب عليها أيضاً التنازل عن مهرها؛ مما يعني عدم وجود أي ضمانة أو إمكانية مالية للحياة المستقلة.

تأتي هذه الشروط بينما، وكما قرأتم سابقاً، فإن رئاسة الأسرة حق ذاتي للرجل، وحق الطلاق، وحضانة الأطفال، وحق منع الزوجة من العمل والدراسة، ومنعها من السفر، وتحديد محل السكن، وحق الإرث وحتى بعض القرارات العلاجية، كلها مختومة باسم الرجل. والآن تعرض الملالي للمهر، الذي كان الأداة المؤثرة الوحيدة للنساء لإيجاد حد أدنى من الأمان المالي. فالمرأة التي تفقد إمكانية الوصول المؤثر للمهر، في ظل نظام صُممت فيه سوق العمل والتأمين والحمايات الاجتماعية والقوانين بشكل مؤسسي ضدها، تتعرض لفقر هيكلي. وهذا الوضع، خاصة لربات البيوت أو اللواتي يفتقرن لدخل مستقل، يعني السقوط الكامل في الهامش الاقتصادي.
يرسل هذا القانون رسالة تفتقر إلى الأمان القانوني للنساء، مما يرفع من مخاطر الزواج لديهن، ويؤدي إلى تفاقم أزمات اجتماعية أخرى، بما في ذلك العنف الأسري، فضلاً عن تعزيز انعدام الأمن الاجتماعي للمطلقات.
إن تسجيل مثل هذا القانون في وجه العدالة يمثل خطوة للوراء حتى بالنسبة للشرع الذي يدعيه الملالي؛ حيث لا يوجد في قوانين شريعة الملالي أي سقف محدد للمهر، وتحديد مقداره هو مجرد عقد ثنائي بين الزوجين.
إن تحديد حد المهر في سلطة الملالي جرى لأول مرة في مارس 2013 بإقرار قانون حماية الأسرة الذي حدد سقف 110 مسكوكة للمسؤولية الجنائية للزوج. (وكالة ”إيلنا“ للأنباء – 6 ديسمبر 2025).
هذا في حين تنص المادة 1080 من القانون المدني لـ النظام على أن “تحديد مقدار المهر منوط بتراضي الطرفين”، ولذا فإن التصديق على لائحة تخفيض المهر أمر غير قانوني.
2-5. قانون العفاف والحجاب: سلب حق حرية الملبس بالقمع
قانون العفاف والحجاب 2025: الإطار الحقوقي للقمع
منذ سبتمبر 2025، بدأ نظام الملالي مرة أخرى بتمتمات جدية لتشديد قمع النساء بذريعة فرض الحجاب الإجباري.
وما يتم الترويج له اليوم تحت عنوان “قانون العفاف والحجاب 2025” هو في الواقع نفس القانون الذي تمت المصادقة عليه العام الماضي من قبل البرلمان وأيده مجلس صيانة الدستور، لكن المجلس الأعلى للأمن في النظام أوقف تنفيذه خوفاً من الاحتجاجات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية. والآن يحاول النظام تنفيذ نفس القانون مع تغییر تاریخه. (إيلنا، 12 نوفمبر 2025).
يجرم هذا القانون “عدم التحجب” في الأماكن العامة والسيارات والفضاء الافتراضي، ويواجه النساء بغرامات مالية باهظة، وتعليق الخدمات الإدارية، والمنع من السفر، والحرمان الاجتماعي. التعريف الواسع والغامض لـ “البيئة العامة” يوسع عملياً نطاق القمع إلى كافة مجالات حياة النساء.
من دوريات الإرشاد إلى الآمرين بالمعروف: التعبئة الاجتماعية للسيطرة على النساء
إلى جانب التشريع القمعي، تحرك النظام نحو تعبئة اجتماعية محورها السيطرة. أعلن ”روح الله مؤمن نسب“، أمين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة طهران، يوم الخميس 16 أكتوبر 2025، عن إطلاق “غرفة وضع العفاف والحجاب” و”تفعيل 80 ألفاً من قوات الآمرين بالمعروف”. هذا محاولة لاستبدال دورية الإرشاد الرسمية بشبكة متفرقة وغير خاضعة للمساءلة. لم يحدد مؤمن نسب مهام هؤلاء الـ 80 ألفاً بدقة، لكن المؤكد أن دورهم لا يقتصر على المراقبة والتبليغ، بل إيجاد ضغط اجتماعي والتدخل المباشر في الحياة اليومية، مما يوسع انعدام الأمن النفسي، خاصة للنساء اللواتي يحملن في ذاكرتهن حوادث رش الحمض والضرب الوحشي بذريعة الحجاب.

أمننة الحجاب: من سوء الحجاب إلى شبكات الفساد
صرح علي خامنئي في خطاب له يوم 4 نوفمبر 2025: “يجب اعتبار مسألة الحجاب مسألة دينية وإسلامية”.
كما أكد غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية في النظام، خلال جولاته في المحافظات، بلغة أمنية على تنفيذ القوانين القائمة لفرض الحجاب. إن استخدام مفاهيم مثل “شبكات الفساد والفحشاء المنظمة”، و”العدو الخارجي”، و”الحرب الناعمة”، يعد محاولة جليّة لتشجيع العناصر الموالية والمكلفة بفرض الحجاب.
كذلك أشار علي صالحي، مدعي عام طهران، إلى أن 28 جهازاً تنفيذياً لها وظائف قانونية في مجال “الحجاب والعفاف”، قائلاً إن “بعض شبكات الفساد المنظمة تعمل بدعم من أعداء خارجيين”، وطالب بإجراء حازم وسريع من القوات الأمنية في مواجهة هذه العصابات. (إيرنا، 19 نوفمبر 2025).
إن هذه الأمننة تمهد للاعتقالات والتعاملات غير القانونية وتشديد القمع ضد النساء، دون وجود أي أساس حقوقي واضح لهذا المستوى من التدخل الأمني.
ورغم وجود تصريحات متناقضة داخل السلطة حول وقف أو تنفيذ القانون خوفاً من انفجار غضب الشعب واندلاع الانتفاضات الاجتماعية، إلا أن ما يُلاحظ على أرض الواقع هو التهديد والقمع وفقدان الأمن للنساء.




















