اكتسبت أزمة التمريض والوضع المتردي للكوادر العلاجية في إيران أبعاداً عميقة ومتراكمة، حيث تضع في صميمها الوضع الهش والمأساوي للعاملين في قطاع التمريض وعموم الجسم العلاجي. تكشف التقارير والبيانات الموثقة في وسائل الإعلام الحكومية عن حقائق صادمة، يعاني فيها العاملون في قطاع الرعاية الصحية تحت ثقل الضغوط المعيشية القاسية، والتمييز الفاحش في نظام الرواتب، والعمل الإضافي الإجباري، والإرهاق المهني المزمن. ويظهر استعراض هذه الأزمة أن جذورها لا يمكن تقليصها إلى مشكلات ميزانية مؤقتة أو عيوب إدارية بحتة، بل هي نتاج مباشر لأداء النظام الحاكم في قطاع الصحة. ولا يمكن فصل النظام الحاكم عن المسؤولية عن هذا الوضع، نظراً لأن تجاهله للحقوق والاحتياجات الأساسية للكوادر العلاجية يمثل أحد أهم عوامل نشوء هذه الأزمة واستمرارها.
الأجور الضئيلة والمستحقات المتأخرة
تعتبر الهوة العميقة بين التضخم المتصاعد والدخول الضئيلة إحدى أبرز تجليات أزمة التمريض والأوضاع المتدهورة للكوادر العلاجية.
فقد كتبت صحيفة ”جهان صنعت“ بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2026، أنه في ظل أزمة اقتصاد الصحة، يعمل العديد من الممرضين بأجور تقل عن 30 مليون تومان شهرياً؛ وهو رقم يعني عملياً سقوط معيشتهم تحت خط الفقر أمام التكاليف المعيشية الباهظة.
من جهة أخرى، لا تقتصر أزمة تأخير دفع المستحقات على الممرضين فحسب، بل تشمل كامل سلسلة العلاج.
وفي هذا السياق، صرح محمد شريفي مقدم، الأمين العام لدار التمريض، في حوار مع صحيفة جهان صنعت بشأن انخفاض أجور الممرضين قائلاً: “هذا هو السؤال الذي نتحدث عنه لأكثر من 20 عاماً. من الواضح أن الأجور منخفضة، والدخول منخفضة، والمستحقات منخفضة. هذا ليس موضوعاً جديداً، بل هو مشكلة قديمة ومزمنة. لقد طرق الممرضون خلال هذه السنوات العشرين كل باب يمكن تخيله. لم يبق طريق إلا وسلكوه؛ بدءاً من المطالبة والتجمعات وصولاً إلى الاحتجاج وحتى الإضراب غير المسبوق الذي نفذوه في البلاد قبل عامين”.
وحذر ”عزيز طاهائي مطلق“، الخبير في اقتصاد الصحة، بصراحة من أن مختلف شرائح الكادر العلاجي، بما في ذلك الأطباء العموميون، وأطباء فترة الخدمة الإلزامية، والأطباء المساعدون، والاختصاصيون الشباب، يواجهون تأخيرات طويلة ومرهقة في استلام مستحقاتهم. ووفقاً له، في حين تنتظم المدفوعات نسبياً في الجامعات الكبرى، فإن المسافة الزمنية بين تقديم الخدمة واستلام المستحقات تصل في المناطق المحرومة إلى عدة أشهر بل وعام كامل تقريباً.
وتشير هذه التقارير إلى تسجيل تأخيرات مزمنة تتراوح بين عدة أشهر وعام كامل في دفع المستحقات في مراكز مثل الأهواز، ياسوج، كرمانشاه، شهركرد، كاشان، وقُم. (صحيفة شرق، 16 أيلول/سبتمبر 2026).
هذه التأخيرات الطويلة في الظروف التضخمية تدمر عملياً القدرة الشرائية والقيمة الحقيقية لدخل الكوادر العلاجية.
من جانبه، أشار نصر الله بجمان فر، رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان، مؤكداً بالاستناد إلى المتابعات التي أجريت أنه “من غير المقبول أن يتم دفع المستحقات في طهران بفاصل شهر أو شهرين، بينما تصل هذه المسافة في محافظة مثل خراسان رضوي إلى ستة أو سبعة أشهر”. (وكالة أنباء شهر آرا نيوز، 20 أيلول/سبتمبر 2026).

النقص في الكوادر، ضغط العمل وإرهاق الممرضين
يُعد ضغط العمل المضني أحد أهم أبعاد أزمة التمريض المرتبطة ارتباطاً مباشراً بالنقص الشديد في القوى العاملة. واستناداً إلى الإحصاءات التي قدمها أحمد نجاتيان، رئيس منظمة نظام التمريض، تواجه البلاد نقصاً يتراوح بين 100 إلى 120 ألف ممرض؛ بحيث تبلغ نسبة الممرض إلى سرير المستشفيات في المتوسط نحو واحد، وتصل في العاصمة طهران إلى 0.8، في حين أن المعيار المطلوب يبلغ نحو 1.8، ويسجل في دول المنطقة ما بين 2 إلى 3.5. (جهان صنعت، 22 أيلول/سبتمبر 2026).
وقد أدى هذا النقص الهيكلي إلى تحول ساعات العمل الإضافي الإجبارية البالغة 80 ساعة شهرياً إلى إجراء روتيني، مما يضطر الممرض إلى رعاية 8 إلى 9 مرضى في آن واحد. وأكدت بروين كاظمي، النائبة الثانية لرئيس المجلس الأعلى لمنظمة نظام التمريض، أن ساعات العمل الإلزامي للممرضين تزيد عن 140 ساعة شهرياً، وهذه الشريحة، بخلاف العديد من موظفي الدولة، محرومة من مزايا مثل العمل عن بُعد أو عطل أيام الخميس.
وتبرز أبعاد هذا الإرهاق بشكل أكبر عندما نعلم أن القسم الأكبر من الكوادر التمريضية يتكون من النساء والأمهات اللائي يتحملن، إلى جانب قسوة المناوبات الليلية الطويلة، عبء مسؤولية إدارة الأسرة أيضاً. وقد أدى فرض هذه الظروف إلى تدني جودة الرعاية وخروج الكوادر؛ حيث أعلن عباس عبادي، معاون التمريض في وزارة الصحة، أن أكثر من 2150 ممرضاً تركوا النظام العلاجي خلال السنوات الأربع الماضية بسبب ضغط العمل المرتفع واللاتوازن. كما تفاقمت أزمة استقطاب الكوادر والاحتفاظ بها في المناطق المحرومة، حيث تصل نسبة الممرض إلى السكان في بعض النقاط إلى 0.4. (وكالة تسنيم للأنباء، 24 آب/أغسطس 2025).
الخاتمة
إن أزمة التمريض والأوضاع المترديّة للكوادر العلاجية في إيران ليست حادثاً عرضياً ولا نتيجة بحتة لنقص الميزانيات المؤقتة، بل هي حصيلة سنوات من التجاهل لقطاع الصحة واستمرار المشكلات التي أثرت على معيشة الكوادر العلاجية وظروف عملهم وأمنهم الوظيفي.
لقد أدى انخفاض الأجور، والتأخيرات الطويلة في دفع المستحقات، والنقص الشديد في القوى العاملة، وضغط العمل الثقيل إلى تعميق أزمة التمريض وزيادة ثقلها على عاتق الممرضين والأطباء المساعدين وغيرهم من العاملين في القطاع العلاجي. وأدى استمرار هذا الوضع إلى تفاقم إرهاق القوى العاملة وخروج الكوادر من النظام الصحي.
وفي ظل هذه الظروف، استمرت احتجاجات ومطالبات الممرضين؛ حيث نظم الممرضون تجمعات وإضرابات في مراكز مختلفة احتجاجاً على الأجور المتدنية والمستحقات المتأخرة ونقص الكوادر وضغط العمل. غير أن هذه الاحتجاجات واجهت في بعض الأحيان عمليات استدعاء، وإلغاء عقود، وتشكيل ملفات قضائية، وإجراءات إدارية وأمنية. وفي آب/أغسطس 2026، واجه عدد من ممرضي مستشفى ”فياض بخش“ بطهران تداعيات مماثلة عقب احتجاجاتهم النقابية.
وعلى الرغم من هذه الضغوط، ما زالت احتجاجات الممرضين مستمرة، ولا تزال مطالبهم الأساسية قائمة، بدءاً من تحسين الأوضاع المعيشية ودفع المستحقات في مواعيدها، وصولاً إلى تقليل ضغط العمل وتأمين القوى العاملة. وتدل استمرارية حراك الممرضين على أن المشكلات التي حذروا منها لسنوات طويلة ما زالت بلا جواب.




















