ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الثامن
في هذا العدد من سلسلة ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري، والتي نُشرت في كتاب “ثمن البقاء إنساناً“، تروي الكاتبة ذكرياتها عن أساليب المقاومة في ظروف السجن القاسية والضاغطة وفي مواجهة الجلاد لاجوردي، والبرامج الجماعية التي كانت تهدف إلى رفع المعنويات.
كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمرها، وقد خطت خطواتها الأولى في طريق النضال. قضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهر دشت، وتعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حراس خميني.
الحيوية والنشاط
لقد كنا نحول الروتين العادي وحتى ظروف السجن القاسية والضاغطة إلى مادة للفرح والمزاح والحيوية. وكان الاستحمام أحد الأحداث التي تحولت في السجن إلى يوم خاص وصاخب ومبهج. كانت أيام الثلاثاء هي الدور المخصص للمياه الساخنة في حمام عنبرنا.
و كانت عملية تنظيم الأدوار وإرسال الفتيات حسب الأولوية مهمة صعبة وحساسة؛ إذ كان هناك دائماً نحو 30 فتاة تعرضن لتعذيب شديد وكانت جراحهن لا تزال طرية، وكان الماء البارد يزيد من شدة آلامهن أو يؤدي إلى التهاب الجروح، فكان من الضروري أن يستحممن بالماء الساخن.
كانت المسؤولة عن تنظيم الأدوار ترسلهن في الدفعة الأولى إلى الحمام، ثم يأتي دور كبار السن والضعفاء والمرضى الذين لم يكن بمقدورهم الاستحمام بالماء البارد. أما غالبية السجينات، فكن يستحممن بالماء البارد، وذلك في منطقة إيفين الجبلية والباردة، حيث تكون مياه الأنابيب باردة حتى في فصل الصيف، أما في الشتاء فإن برودة الماء كانت تتغلغل إلى نخاع العظام. لكن الفتيات حولن هذا الأمر إلى تسلية مبهجة وصاخبة، فكن يدخلن تحت الدش جماعياً مع العد: واحد، اثنان، ثلاثة، ويستحممن بسرعة فائقة.
هذا من الأعمال التي أعتقد أنه لم يكن لأي فرد بمفرده دافع للقيام بها، ولكن في الإطار الجماعي، لم يتبدد الخوف من الماء البارد فحسب، بل تحول الاستحمام بالماء البارد إلى نوع من النضال والتسلية. وكانت النتيجة أن مقاومتنا ضد البرد ارتفعت تدريجياً وتأقلمنا مع الاستحمام بالماء الشديد البرودة، ولم نعد نصاب بالزكام بسهولة كما كان يحدث في البداية.
وحتى وجبات الطعام، من فطور وغداء وعشاء، والتي لم تكن تتمتع بأي جودة من حيث نوعية الطعام نفسه، حولتها الفتيات إلى حدث مبهج. أطلقن على عربة الطعام اسم “كارنفال الفرح”، وكانوا يتناولون ذلك الطعام الضئيل والرديء بالكثير من التسلية والمرح، مما جعل تلك الظروف الجحيمية قابلة للتحمل بالنسبة لهن. وعندما كان الجلاد وجواسيسه يرون ذلك، كانوا يحترقون غيظاً ويستشيطون غضباً حتى الجنون؛ لأنهم كانوا يرون أن أياً من هذه الضغوط لا يؤثر فينا.
الرياضة ممنوعة! برنامج حلو ورافع للمعنويات للسجناء
كانت الرياضة برنامجاً آخر من البرامج الحلوة والرافعة للمعنويات في السجن. وبالطبع كانت الرياضة ممنوعة، لكننا كنا نمارسها سراً ثلاث مرات يومياً، في الصباح والظهر والمساء، في مجموعات تضم 12 فردة، وحسب الظروف كانت تصل أحياناً من 30 إلى 40 فردة، حيث كنا نؤدي الحركات بشكل جماعي. وفي بعض الأحيان عندما كانت الظروف تشتد قسوة، كنا نؤدي حركات الميليشيا الشعبية الرياضية بشكل فردي داخل المراحيض أو الحمامات وفي زوايا بعيدة عن أعين الحراس والجواسيس.
وفي نهاية الحركات الجماعية، كنا نلتف حول بعضنا البعض، وإذا كانت الظروف تسمح، كنا نتشابك الأيدي ونردد الشعارات، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، كنا ننهي الرياضة بهتاف “هورا” جماعي خافت.
كان للجلادين كل يوم خطة وبرنامج لكسر إرادتنا، وكنا في المقابل نشن هجوماً مضاداً ضد كل هجوم لهم، وكان لدينا دائماً أسلوب وتدبير لإحباط مخططات النظام. ومن المخططات التي كان الجلاد لاجوردي يركز عليها بشكل خاص، هو أخذ السجناء إلى قاعة أطلقوا عليها اسم “الحسينية”. كانوا يأخذون السجناء إلى الحسينية ويقومون بتصويرهم ليعرضوا ذلك في التلفزيون، ليوحوا للشعب وكأن جميع السجناء السياسيين قد انهاروا وتابوا واعتنقوا إسلام خميني على يد لاجوردي.
لكن لاجوردي، ورغم كل التهديدات والضرب والجلد، لم يتمكن أبداً من جرجرة سوى فئة قوية وقليلة جداً من السجناء إلى هذا الاستعراض. كانت الكثير من الفتيات يتملصن من الذهاب إلى هذه المسماة بالحسينية تحت ذارئع مختلفة، بينما كان البعض الآخر يذهب فقط ليتلقى الأخبار من الأجنحة الأخرى أو يوصل الأخبار إليها.
وكانت المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى هذا الاستعراض الساخر في يوم عاشوراء من عام 1981. كان السجناء من الرجال والنساء يجلسون في صفوف في قسمين منفصلين، يفصل بينهما ستارة بارتفاع متر واحد. وبهذه الطريقة كان بإمكاننا رؤية بعضنا البعض، وكانت الكثير من الفتيات يبحثن عن رؤية إخوانهن الذين كن يعلمن أنهم معتقلون أيضاً. وعندما جلسنا وبدأ البرنامج وتحركت الكاميرات، قامت النساء على الفور بلف تشادرهن بإحكام شديد حول وجوههن، بطريقة لم تفلح معها في تصوير وجه أي امرأة سجينة. أما الرجال فقد سحبوا قبعاتهم إلى أسفل لتغطي عيونهم وأحنوا رؤوسهم إلى الأرض. أصبح المنظر مشوهاً للغاية، ولو عرضوا ذلك الفيلم لفهم أي شخص حقيقة ما يجري. واضطر لاجوردي نفسه للتدخل.
ولأنه لم يكن قادراً على الطلب من النساء رفع التشادر أو عدم تغطية وجوههن، بدأ يوجه شتائم بذيئة للرجال قائلاً: ارفعوا قبعاتكم وارفعوا رؤوسكم واجلسوا مستقيمين! وبنفس لغته القذرة كان يقول: يا أولاد كذا وكذا، أنتم الذين تدعون دائماً أنكم منتصبو القامة، كيف انحنت رؤوسكم هنا؟!
كنا نستمع إلى هذا ونرى عجز الجلاد وقلة حيلته، ونتملأ بالبهجة لأننا تمكنا من تركيعه. وفي ذلك اليوم، كانوا يوزعون الشاي بكميات مفتوحة لكل من يريد، وبالطبع لم يكن أحد يشرب الشاي عادةً لأنه كان مليئاً بالكافور ورائحته تثير الغثيان. واتفقنا فيما بيننا على أن نأخذ أكبر قدر ممكن من قطع السكر لنقلها إلى الجناح. كان السكر مادة ذات قيمة عالية جداً في السجن؛ فبسبب انعدام المواد الغذائية والمغذيات، كنا نصنع ماءً بالسكر ونعطيه للفتيات اللواتي يرجعن من التعذيب أو يعانين من ضعف شديد حتى يستعدن بعض عافيتهن. في ذلك اليوم، أخذت كل واحدة منا ما تستطيع من السكر ووضعته في أطراف لباسها أو في جيوبها وجلبته معها.
وعندما قمنا بجمع قطع السكر معاً في الجناح، أصبح لدينا ما يعادل دلواً ممتلئاً. كانت قطع السكر بمثابة غنائم حرب استولينا عليها من العدو في هذه المعركة.
وكان الإنجاز الآخر هو الحكايات الطريفة التي ترويها الفتيات عن إحراج لاجوردي وأعوانه وغيظهم وعصبيتهم. وظللنا نردد تلك الحكايات لأيام ونضحك ونبتهج لأن خطة لاجوردي وبرنامجه قد أُحبطا وتدمرا بتلك الطريقة.
بروين كوهي تحت التعذيب الوحشي
ومن الأحداث الأخرى التي شهدناها في الأشهر الأولى من دخولنا إلى الجناح 240، هو جلبهن لفتيات تعرضن لتعذيب شديد جداً إلى جناحنا، مرتين أو ثلاث مرات، وكان ذلك حسب قولهن يجري عن طريق الخطأ. لقد عذبوهن بطرق قروسطية وحشية لدرجة أن أعصابنا، نحن اللواتي اعتدنا على هذه المناظر، كانت تتشنج من رؤيتهن.
في أحد الأيام، قرابة الساعة الثالثة بعد الظهر، كنت أتمشى في الجناح، فجأة دخلت السجَّانات وهنَّ يحملنَ سجينة على شيء يشبه النقالة. كان جسدها كاملاً مغطى بالكدمات ومتورماً لدرجة أن حجم بنيتها أصبح يعادل ضعف الشخص الطبيعي. وقالت الفتيات اللواتي يعرفنها إنها بروين كوهي. انهمرت دموعي لرؤيتها بتلك الحالة، وأردت الذهاب لرؤيتها والتحدث معها، لكنهن قلن لي إنها غائبة عن الوعي ولا تستطيع الكلام.
ولم يمضِ وقت طويل حتى انطلق مكبر الصوت في الجناح، ونادوا على بروين كوهي لعدة مرات متتالية للحضور إلى مكتب الجناح. لكن بروين كانت فاقدة للوعي، فلا هي تسمع ولا تملك القدرة على الحركة، حتى جاء حراس الجناح في نهاية المطاف وأخرجوها مسرعين من الجناح. ويبدو أنهم أحضروها إلى الجناح العام عن طريق الخطأ.
يتبع…




















