من كتاب بقلم هنغامة حاج حسن – الجزء السابع عشر
في الأعداد 15 و16 من سلسلة ذكريات السجن التي كتبتها هنغامة حاج حسن ونُشرت في كتاب “وجها لوجه مع الوحش”، تناولت الكاتبة نقلها إلى القفص بهدف إجبارها على التوبة في سجن قزلحصار. في هذا الجزء، تأخذنا هنغامة إلى أيام وليالي القفص، حيث كانت تتعرض لهذا التعذيب المرهق.
أيام وليالي في القفص
كان بث القرآن والأذان والأخبار من مكبرات الصوت كل يوم ظهرًا يمنحني ميزة معرفة التاريخ، مما ساعدني على تتبع الأيام، وهي ميزة كبيرة. أما باقي الوقت فكان يعمّه الصمت… الصمت الذي لم أكن أدرك في البداية مدى تأثيره. لكن مع الوقت، أدركت أنه أسلوب تعذيب فعّال يُربك العقل ويزيد الضغط النفسي.
لم يكن هناك شيء يزعجني أكثر من رباط العينين. لماذا لا يزيلون هذا الرباط اللعين؟ كان له تأثير كبير في عزلي عن العالم الخارجي، دافعًا إياي إلى الانكفاء على ذاتي. لقد حرموني من أهم حواسي، البصر، ومن أهم وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي. كنت أقول لنفسي: لو لم يكن هذا الرباط موجودًا، لاستطعت تحمل هذه الظروف لمئة عام. لقد كان يدمر أعصابي.
خلال الصلاة، عندما كنت أُسمح لي برفع الرباط لبضع دقائق، كنت أنظر من النافذة إلى برج الحراسة وأحسد الحارس الذي يستطيع رؤية كل شيء. حتى أثناء النوم، كان يجب أن أبقي الرباط على عيني.
كان أسوأ ما في الأمر هو إصابتي بالأرق. كانت الأفكار الهائجة وشعوري بأنه لا أمل في نهاية هذا الوضع تمنعني من النوم، رغم إرهاقي الشديد. كنت أعدّ الثواني للحظة التي أستطيع فيها الاستلقاء، لكن عندما تأتي تلك اللحظة، لا أستطيع النوم. كنت أتقلب، وأرى نفقًا مظلمًا بلا نهاية أمامي. فجأة، يأتي الصباح ويبدأ يوم آخر. كنت أتساءل: يا إلهي، كيف سأمرر هذا اليوم بكل هذا التعب؟
في إحدى الليالي، صرخت إحدى الفتيات فجأة وقالت كلامًا غير مترابط مع البكاء والضحك. كان هذا الحادث الثالث من نوعه حيث ينهار توازن الفتيات النفسي. أفقت على نفسي، ”الجلاد الحاجي داوود“ يريد هذا بالضبط بإغلاق عيوننا والضغط على أعصابنا. يريد أن يفقدنا توازننا ويكسرنا. قررت أن أحاول النوم ليلًا، وإلا سأصبح أنا أيضًا غير متوازنة.

كنت أخاف من نفسي، أخاف أن أنهار وأستسلم. كنت أخاف أن أصبح من هؤلاء الذين يخونون الآخرين من أجل راحتهم. يا إلهي، لا! أنقذني! ألم تقل إنك لا تكلف نفسًا إلا وسعها؟ ألا ترى أن طاقتي قد نفدت؟ ألم تقل إنك أقرب إلى عبادك من حبل الوريد؟ ألم تقل إنك ستساعدهم إذا دعوك؟ يا إلهي، ساعدني! ثم هدأت. قلت لنفسي: يا هنغامة، أتريدين أن تصبحي مثلهم؟ لا! كوني قوية! قرري! حاولي النوم ليلًا! ابحثي عن طريقة! العدو يريد أن يجعلك عاجزة ومستسلمة.
قررت أن أنام ليلًا وأوقفت التفكير. بدأت أعدّ: أشجار حينا، نوافذ منزلنا، نوافذ السكن الجامعي، أقسام المستشفى التي عملت بها. كنت أعدّ وأعدّ حتى غفوت، وانتهى الأرق القاتل. لقد انتصرت!
كان اليوم طويلًا جدًا. قسمته لأجعله أقصر. كانوا يوقظوننا مبكرًا، عادةً من الساعة 5 أو 6 صباحًا، وكان علينا النهوض والجلوس. أحيانًا، من كثرة التفكير والحديث مع نفسي، كنت أتعب. كنت أضع رأسي على ركبتيّ وأنام، لكن الحارسة كانت تضربني على رأسي وتقول: “ممنوع النوم!” أحيانًا، بينما كنت غارقة في أفكاري، كنت أتلقى ضربة مفاجئة كالمطرقة على رأسي، فتصطدم رأسي بالجدار وأظل مذهولة، لا أعرف أين أنا أو ماذا أفعل.
كان علينا الجلوس بحيث لا يتجاوز رأسنا ارتفاع جدران القفص (نصف متر). إذا تجاوز، كانت ضربات الكابلات واللكمات تجبرنا على خفض رؤوسنا، مما زاد الضغط الجسدي، خاصة لمن كان طويل القامة مثلي.
أثناء الأكل، كان ممنوعًا إصدار أي صوت، مثل اصطدام الملعقة بالطبق، وإلا اتهمنا بالتواصل مع القفص المجاور عبر شيفرة مورس، وكان ذلك يعني الضرب والتعذيب. كنا دائمًا في انتظار حدث أو خطر غير متوقع، مما خلق حالة قلق دائم. كانت الثواني تتحول إلى ساعات. تساءلت: يا إلهي، إلى متى سأتحمل؟
قررت أنه إذا شعرت أنني أفقد توازني، سأنتحر. وضعت خطة للانتحار بحرق نفسي بموقد الطبخ الخاص بالحارسات، لأنه كان دائمًا مشتعلًا ويحتوي على النفط.
كان الحاجي يأتي يوميًا لتفقد خطته، ويقرأ اللغز ليكسرنا: “لا أحد سيأتي لنجدتكم، مسعودكم ليس هنا. عليكم أن تقرروا وتصبحوا بشراً!”
في منطق الجلاد، الكلمات معكوسة: “قرروا” تعني استسلموا، و”اصبحوا بشراً” تعني تحولوا إلى جاسوس أو تائب.

كان الحاجي يختار بعض السجناء يوميًا بناءً على تقارير التائبين أو خطته، فيخرجهم ويضربهم ويأمرهم بالتوبة. وأحيانًا كان يهاجم أحدهم في القفص فجأة. مرة سمعنا صوت ضربة قوية واصطدام رأس السجينة بجواري بالجدار، ثم صراخ الحاجي داوود وهو يسب ويقول: “لم تصبحي إنسانة بعد؟” لم أسمع صوتًا من السجينة.
وذات يوم، كنت أنا الهدف. شعرت بضربة ثقيلة على رأسي، كأن عنقي غاص في صدري. أصبت بالدوار، اسودت عيناي، وسمعته يصرخ. لقد ضربه بقبضته الثقيلة.
فكرت كم هو قاسٍ وكم يكرهنا. شعرت أنه يريد سحقي وإذلالي، لكن هذا الشعور كان يمنحني دافعًا أكبر للصمود.
يتبع…




















