من كتاب بقلم هنغامة حاج حسن – الجزء السادس عشر
في العدد الخامس عشر من كتاب “وجهاً لوجه مع الوحش”، وهو سجلّ ذكريات السجن بقلم هنغامة حاج حسن، وصلنا إلى سرد وتفصيل نقلها إلى “القفص“، وهو ما كان يُسمّى بمشروع “التوبة” في سجن قزلحصار. في هذا الجزء، نتابع ذكريات الساعات والدقائق في تلك الأيام القاسية والمرهقة التي عاشتها الكاتبة.
الخناق في القفص
لا أذكر إن كانوا قد نقلوني إلى مكان آخر أم لا، لكن في ذهني أنني كنت جالسة في وسط غرفة كبيرة، وعلى يميني بمسافة قصيرة كان هناك حمام بدوش ماء ساخن مفتوح، أو ربما كان مجرد صنبور ماء ساخن، وكانت امرأة ما تغسل شيئًا. لا أتذكر المزيد.
لمدة أسبوع تقريبًا، بقيت في تلك الحالة، ممنوعة من خلع الشادور أو الحجاب أو عصابة العينين. لم يُسمح لي بالسعال أو الكلام، وإذا كانت لدي حالة طارئة، كان عليّ رفع يدي. طوال الوقت، كنت جالسة فقط. عجيب! لماذا لا يسمحون لي حتى بالاستلقاء؟ شعرت بسوء حالتي! بين لوحين خشبيين كان بإمكاني الاستلقاء، كأنني في تابوت. ربما كان المكان زنزانة صغيرة أو حمامًا يُستخدم لغرض آخر.
كان الهواء خانقًا، يعذبني، شعرت بالضيق الشديد. إلى متى سيبقون عصابة العينين؟ حتماً أنا هنا مؤقتًا، وعندما أُنقل إلى مكان آخر سأخلعها. أحيانًا، من شدة الخناق، كنت أشعر أنني أموت، لكنني كنت أستيقظ بعد فترة لأجد نفسي لا زلت حية. ربما كنت أفقد الوعي وأنا جالسة. هل كان ذلك بسبب الضربات؟ لماذا كنت أفقد الوعي؟
بعد أيام، ربما أسبوع، جاؤوا وقالوا: “قومي!” وأخرجوني من تلك الغرفة. عندما خرجت، شعرت أن أنفاسي عادت إليّ وحواسي بدأت تعمل مجددًا. لا أعرف كيف مرّ ذلك الأسبوع، فقط لحظات معدودة بقيت في ذاكرتي، حتى تلك المرأة لا أتذكر عنها شيئًا.

أخذوني إلى “الغرفة المركزية”، وفي الجهة اليسرى دخلنا غرفة كبيرة وسلموني لامرأة أخرى. قالوا لي أن أخلع الشادور وعصابة العينين. خلعت العصابة، وفجأة صُدمت! كانت كيانوش، إحدى الفتيات المناضلات التي كانت بالنسبة لنا مثل تشي غيفارا، ترتدي الآن مقنعة وشادورًا أسود، وأصبحت تشبه نساء الحرس تمامًا! أي زمن هذا؟ المناضلة العنيدة قبل أسبوعين تحولت إلى امرأة من الحرس! حاولت ألا تنظر في عينيّ، وبينما كانت تفتشني جسديًا، كانت تُلقي عليّ “النصائح”. قالت كلامًا فارغًا، وفي لحظة قالت: “الناس في الخارج بحاجة إلى أمثالنا، لماذا نحن هنا؟
” قلت لها: “الناس لا يحتاجون إلى قمامة مثلك! لا تقلقي على الناس، افعلي عملك!” سكتت بعدها، وكانت تلك آخر جملة قلتها لها. أدخلوني إلى العنبر، وجلست في مكان مشابه للأول بنفس الظروف: شادور وعصابة عينين، جالسة قرب الحائط بين لوحين خشبيين على بعد نصف متر من كلا الجانبين، كأنني في تابوت بلا سقف. الآن، بدأت حواسي تعمل بشكل صحيح. كان الهواء باردًا هنا. أدركت أن جهاز “التوبة” الخاص بحاجي هو هذا المكان وأماكن مشابهة. الأوغاد! ظنوا أنهم يستطيعون اللعب بنا بهذه الألاعيب! كانوا متفائلين جدًا وواثقين جدًا من “إنتاجهم الضخم” لهذا الجهاز.
تذكرت مسعود(رجوي)، تذكرت ثماني سنوات من التعذيب والألم الذي عاشه، وصوته يتردد في أمجدية. شعرت به إلى جانبي. تذكرت الزنزانة، التحقيق في الفرع، تلك الليلة التي أعدم فيها 120 شخصًا، وتلك الليلة التي عدّدنا فيها 220 رصاصة رحمة.
تذكرت ليلة إعدام تهمينة وطوبى وكبرى. لا، مستحيل! إله المجاهدين قال: “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”. إذن، الله نفسه وضع عليّ هذا التكليف، وهو يعلم أنني أملك القدرة عليه، إذن أستطيع!
هذه الأفكار كأنها نفثت روحًا جديدة في جسدي! قبل ساعات، كان ضغط عصابة العينين يشبه عذاب القبر، وكنت أصرخ داخلي: متى سيخلعون هذه العصابة اللعينة؟ والآن، كنت أهيئ نفسي للعيش معها! حاجي القذر! سنترك جرحًا في قلبك بعدم تمكنك من الانتصار على مجاهد. شعرت أنني أملك سلاحًا قويًا، وبكل حقدي أطلق النار على قلب وعقل هذا الوحش. شعرت بانتصار عجيب وامتلاء داخلي.
كانت الأيام تمرّ على هذا النحو، كان حاجي يأتي كل يوم في صمت لتفقّد جهازه. كنت أشعر بوجوده القذر، لكن دون جدوى. لقد أصيب جهاز “التوبة” بعطل فني خطير، ولم يكن هناك أي أثر للإنتاج الضخم الذي زعم أن المناضلين السابقين قد قدّموا له نماذج له.
كان البرنامج كالتالي: منذ فجر الصباح، بين الساعة 5 و6 مع أذان الفجر، كان علينا الاستيقاظ. ثلاث دقائق للوضوء والحمام، وخمس دقائق للصلاة، ثم نجلس داخل القفص ونتناول الإفطار هناك. حتى الظهر، ثلاث دقائق أخرى للحمام والوضوء، ثم الصلاة، ومن ثم العودة إلى القفص وتناول الغداء. لا أعرف متى بالضبط، لكن ثلاث دقائق أخرى للحمام والوضوء، ثم الصلاة، ثم العشاء، ونجلس مجددًا حتى منتصف الليل. بعدها، كان بإمكاننا الاستلقاء والنوم.
عادةً، كنا ننام بين 4 إلى 5 ساعات، ثم يبدأ اليوم التالي. الأيام والأسابيع والشهور… كانت تمرّ بلا نهاية، دون أن يحدث شيء، ودون أن تصل أي أخبار من أي مكان.

للصلاة، كانوا قد وضعوا بضع بطانيات عسكرية في زاوية على شكل حاجز، وجعلوا منها غرفة صغيرة. عندما كنت أذهب للصلاة، وأشعر أن لا أحد يراقبني، كنت أنظر من خلال فتحة البطانية إلى الخارج. كان المكان عبارة عن زورخانه (صالة تقليدية للتمارين الرياضية) بها حفرة في الوسط. لاحقًا، اكتشفت أن النظام نفسه كان موجودًا في الوحدة 3.
حول الجدران، وبمسافة نصف متر بين كل لوح خشبي، كانوا قد صنعوا عددًا كبيرًا من الأقفاص، حوالي 80 أو 90 قفصًا، كل واحد منها يحتوي على شخص يجلس ووجهه إلى الحائط. في وسط الحفرة، كانت هناك أغراض وحقائب الأشخاص الموجودين في الأقفاص. كنت أحاول معرفة من جاؤوا بهم من خلال علامات على حقائبهم. كان مكاني على الجانب الأيسر، على بعد 5 أمتار من الباب، وقبل قفصي كان هناك حوالي 5 أو 6 أقفاص أخرى.
كان مكان الصلاة على الجانب الأيسر بعد الحفرة، ملاصقًا لجدار الضلع الصغير للغرفة المستطيلة، بين نافذتين. عندما كنا نذهب للصلاة ونرفع عصابات العينين، كنا نرى برج المراقبة والحارس الذي يقف فيه. بهذه الطريقة، كنت أملك صورة كاملة عن الغرفة وموقعها، وكنت أتحقق يوميًا من الأماكن التي أصبحت خالية، وما إذا كان هناك قادمون جدد أم لا.
كل يوم، كانوا يشغّلون أشرطة نواح مزعجة لـ مداح ”آهنكران“ وغيره من النائحين، وكانوا يدقّون على طبول الحرب. أخبار انتصارات النظام المتواصلة في جبهات “الحق ضد الباطل” كانت تُبثّ ليل نهار عبر مكبرات الصوت. وكذلك برنامج “وحدة الإرشاد”، الذي، ولحسن الحظ، كان ممنوعًا علينا حضوره، لكن صوته كان يُبثّ لنا حتى لا نتخلف عن الأحداث.
يتبع




















