مذكرات سجن مهري حاجي نجاد من كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى” – الجزء الخامس
في هذا الجزء من مذكرات سجن مهري حاجي نجاد، التي دُوّنت في كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى”، تروي الكاتبة، التي كانت طالبة في سن المراهقة آنذاك، ذكرياتها عن سيمين هجبر، وهي طالبة مناضلة ومكافحة، ظلت ثابتة على عهدها مع الله وشعبها بروحها الوثابة حتى النهاية، في مواجهة قسوة السجن والتعذيب الشديد.
البطلة أَيفِين الشَّامخة
رأيت سيمين هجبر [1]في مطلع شهر سبتمبر 1981 في عنبر العيادة. كنا نعرف بعضنا من قبل، وكانت بالنسبة لنا ولكل من اطلع على ملفها واستجواباتها نموذجاً وبطلة. أتذكر سيمين هجبر دائماً، خلال جميع السنوات التي رأيتها فيها، كفتاة متحمسة وحيوية ذات وجه مبتسم ومبهج. كانت من طلاب مركز طهران، وعلى حد علمي كانت طالبة في ثانوية ”هشترودي“.
وكانت سيمين من أكثر الناشطين حماسة في صفوف منظمة مجاهدي خلق في المرحلة السياسية. وكانت تنتمي لعائلة ميسورة نسبياً، لكنها كانت بسيطة جداً في حياتها، لدرجة أنني عندما رأيتها لأول مرة، ظننت أنها من سكان جنوب طهران.
في الأيام التي لا تُنسى من الدعاية لترشيح الأخ مسعود (رجوي) للرئاسة، والأيام التي سبقت 20 يونيو 1981 والمظاهرات المتقطعة، وأيام سجن إيفين في عام 1981، كانت سيمين هجبر، كعنصر ناشطة مرحة، ومبتهجة، ومتحمسة، وقوية، بارزة بيننا جميعاً.
عندما رأيت سيمين مرة أخرى في إيفين، سألتها: “كيف هو الوضع؟ وكيف تم اعتقالك؟” أجابت سيمين بكل ترحاب وراحة عن المسؤولية التي كانت تضطلع بها في طهران مع زميلتها في فريق ”فرشتة سيفي“، وأضافت: “نحن هنا منذ أغسطس عندما تم اعتقالنا، وأعتقد أننا سنرحل قريباً”.
سألتها: “إلى أين؟” قالت: “ألا تعرفين إلى أين؟ لقد قلت للمحقق منذ اليوم الأول: لا تحتك بي، فلن تحصل على شيء. والآن أنا مستعدة للذهاب.” ثم غنت بصوتها الدافئ أغنية اللُوريَّة الشهيرة “دايَه دايَه وقت جنگه” (يا أمي يا أمي، حان وقت الحرب).
كانت سيمين هجبر تُقتاد للاستجواب كل يوم تقريباً، وفي كل مرة كانت تعود بأقدام متورمة ومُزرقة، وكانت أول جملة تقولها: “المحقق غبي يظن أنه سيتمكن مني”.
في حوالي غروب يوم 30 أغسطس 1981 استدعوا سيمين مرة أخرى، وفكرتُ في نفسي أنهم سيعدمون سيمين تلك الليلة انتقاماً لمقتل رجائي وباهنر. لم أهدأ حتى عادت سيمين. في وقت متأخر من الليل، عادت سيمين وقد أُنهكت تماماً. قالت إنهم منحوها مهلة حتى الغد لاتخاذ قرارها، وإذا لم تستسلم، فسيتم إعدامها.
في تلك الليلة، تجمعنا تحت ضوء شمعة حصلنا عليها من السجينات العاديات، وغنينا الأغاني والقصائد، وأقمنا حفل وداع لآخر ليلة كنا نظن أن سيمين ستقضيها معنا.
في كل مرة كانت سيمين تذهب وتعود، كنت أتساءل: لماذا يضغط عليها النظام كل هذا الضغط، وماذا يريد منها؟ فلم يكن من المعتاد في تلك الأيام أن يذهب أحد للاستجواب أكثر من مرتين، وغالباً ما كان الذين يثبت انتماؤهم إلى المجاهدين يُحالون إلى فرقة الإعدام بعد مرتين من الاستجواب.
ذات يوم سألت فَرَشتِه، زميلة سيمين في الملف: “ما القصة؟” قالت فَرَشتِه: “المحقق يضرب سيمين ويقول لها: أعطينا معلومات عن إخوتك، فتصرخ سيمين وتقول: أعرف ولكني لن أقول. المحقق الذي يغضبه رد سيمين، يضربها بقسوة أشد ويقول لها: على الأقل لا تقولي أعرف ولن أقول. قولي لا أعرف. لكن سيمين تقول: أيها الرجعي، أعرف ولكني لن أقول، ولن تصلوا أبداً إلى ما أعرفه.”
وأضافت فَرَشتِه: “إذا كان كل ما يهمهم هو ملفنا نحن، فمن الواضح أنهم يُحيلون أي شخص تثبت علاقته بالمنظمة إلى فرقة الإعدام في الليالي الأولى. لكنهم يبحثون عن إخوة سيمين، ويطلبون منها أن تدلهم على أماكنهم وعناوينهم.”
في شهر نوفمبر 1981 وبسبب عملية نقل حدثت في إيفين، انفصلتُ عن سيمين ولم أرها بعد ذلك. في أوائل ديسمبر 1981 ، عندما كنت في عنبر آخر، عادت ”مهشيد“ من الاستجواب وقالت: “الليلة حتماً ستُعدم سيمين. لقد أحضروا سيمين اليوم للاستجواب، وكان واضحاً أن محقق سيمين يريد إغلاق ملفها. كان المحقق يائساً، ولم تكن لهجته مع سيمين كما كانت في الأيام الأولى، بل كان يقول بعجز وذل: لم يعد بإمكاني فعل أي شيء معك، أنا مضطر لطلب تنفيذ حكمك، لقد حاولتُ لثلاثة أشهر ولكن دون جدوى. لا أعرف ممّا صُنع جسمك؟ ومن أين لك كل هذا التحمل؟”
في تلك الليلة، ذهبت سيمين هجبر، الشَّمْراخَةُ المجاهدة، إلى فرقة الإعدام واستُشهدت شامخة الرأس. هناك شيئان لن أنساهما أبداً: الأول هو صَلابَة وشجاعة هذه اللبؤة التي كانت تقول للمحقق: “لن تصلوا إلى أي شيء!”، والآخر هو وجه سيمين المبتسم دائماً وقامتها المرفوعة.
[1] . كانت سيمين هجبر شابة سمراء وجميلة، تبدو في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها. كان صوتها دافئاً وساحراً. كانت عائلة سيمين من محافظة لرستان وقد نشأت هي في طهران. كانت سيمين تتمتع بروح عجيبة، كأنها لا تعرف معنى الخوف. كانوا يأخذون سيمين للاستجواب كل يوم، وفي كل يوم دون استثناء كانوا يجلدونها، أو ما يُسمى “حِصَّتها“. لكن عندما كانت تعود من الاستجواب، بمجرد أن يُفتح باب العنبر وتضع قدمها في الداخل، كانت تبدأ بالغناء بأغانٍ لُوريَّة بصوتها الدافئ ووجهها المبتسم، وكأن شيئاً لم يحدث وكأن لا تعذيب قد وقع.
في إحدى المرات قلت لها: “سيمين، بهذه الطريقة التي تصلين بها وتغنين فوراً وتضحكين، سيعذبونك أكثر، اصمتي لدقائق!” فضحكت رداً عليَّ وقالت: “إما أن أتغلب عليهم أو يتغلبون عليَّ! لكنهم مخطئون، أنا من سيتغلب عليهم! سواء تلقيت مائة سوط أو ألفاً، سأستمر في الغناء…”
وضع الجلادون سيمين تحت التعذيب الشديد لمدة شهر قبل إعدامها. لكن سيمين جعلتهم يصطدمون بالصخر هناك أيضاً. لقد زأرت كاللبؤة حتى اللحظة الأخيرة، وسجلت اسمها في صف شهداء المجاهدين الأبطال. – (نقلاً عن كتاب “ثمن البقاء إنساناً“ – مذكرات سجن أعظم حاج حيدري)




















