ذكريات أعظم حاج حيدري في سجن جوهردشت من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الخامس عشر
في كتابها ثمن البقاء إنساناً الذي وُثِّقت فيه ذكريات سجنها ونُشر لاحقاً، تتطرق أعظم حاج حيدري في الفصل الرابع بعنوان حرب بين عالمين إلى شرح نظرية المجرم لاجوردي بشأن سجناء مجاهدي خلق. كما تستعرض أشكال التعذيب الخسيسة التي تعرّضت لها بعد نقلها إلى سجن جوهردشت.
كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة بعمر ٢٢ – ٢٣ عاماً، خطت أولى خطواتها في طريق النضال. وقضت مدة ٥ سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وأيفين وقزل حصار، وجوهردشت، حيث خضعت لعمليات تعذيب وحشية على يد حراس خميني.
نظرية لاجوردي
كان ذلك في عام 1982، وكلما مر الوقت، كان الضغط يزداد على السجناء المتبقين لكسر إرادتهم ولإغلاق ملف مجاهدي خلق بحسب مخيلتهم. تمثلت نظرية لاجوردي في أن مجاهدي خلق يقاومون طالما هم معاً، وإذا فصلناهم عن بعضهم وألقينا بهم في الخلايا الانفرادية، فلن يتبقى لدينا أي سجين بعد عام واحد.
وكان لاجوردي يتحسر لأن النظام لا يملك خلايا انفرادية تتسع لجميع السجناء. ورأوا أن الحل يكمن في جعل ظروف السجن صعبة ومحدودة للغاية، بحيث تتحول الغرف والأعناب العامة إلى خلايا انفرادية بالنسبة للسجناء. وبناءً على ذلك، أصبح أي اتصال أو علاقة إنسانية بين السجناء، حتى لو كانت مجرد إلقاء التحية، تعتبر جناية وجريمة. وبشكل خاص، كان تقديم المساعدة لبعضهم البعض ممنوعاً بتاتاً، وكان يُرد على أي مخالفة لهذه اللوائح بأشد العقوبات والتعذيب.
وفقاً لهذه النظرية بالذات، تم إنشاء عنبر القيامة في قزل حصار، وصُنعت الأقفاص والتوابيت. وبكلمة واحدة، كان لاجوردي يهدف إلى تجريد السجناء المجاهدين من إنسانيتهم. وبناءً على هذا المنطق أيضاً، استحدثوا أشكال التعذيب المرعبة والمستمرة مثل الأقفاص والتوابيت و الوحدة السكنية.
أرادوا إيصال السجين إلى نتيجة مفادها أن أي عمل جماعي أو حياة جماعية أو تواصل مع الآخرين هو مصدر للمصائب والتعذيب والضغط، وإذا أردت قضاء فترة سجنك، فعليك أن تكون وحيداً تماماً، ومثل الخروف، إذا ذُبح صديقك ونظيرك أمام عينيك، فلا يرف لك جفن. ولكن في التطبيق العملي، تبين أن لاجوردي لم يكن قد عرف مجاهدي خلق كما ينبغي بعد.
لقد أدركنا حقيقة واحدة، ولو بشكل غريزي، وهي أنه في تلك الظروف الجهنمية، حتى بقاؤنا المادي كان مرهوناً بالحياة الجماعية. وكما أننا بقينا رغم كل تلك الضغوط، كان السبب هو أننا لم نتخلَ عن الحياة الجماعية، أي عن إنسانيتنا. لأننا كنا نعلم أن الجلادين، باللجوء إلى التعذيب الوحشي الذي يفوق الطاقة البشرية، قد يتمكنون من كسر هذا الفرد أو ذاك، لكنهم لن يستطيعوا سحق الجميع.
يحاول الجلاد باستمرار إيحاء السجين بأنك وحدك، ولا أحد يفكر فيك، والجميع قد نسوك، وصوتك لا يصل إلى أي مكان، وأصدقاؤك، لإنقاذ أنفسهم، ألقوا باللائمة عليك في الأعمال التي قاموا بها هم أنفسهم. وبناءً على ذلك، فإن المقاومة لا فائدة منها ولا تؤدي إلا إلى هلاكك. ولكن بمجرد أن يشعر الفرد أنه ليس وحده، وأن هناك قلوباً داخل السجن أو خارجه تخفق مع قلبه ومن أجله، فإنه يكتسب القوة للمقاومة. ولهذا السبب، كان كل شيء لدينا جماعياً.
كانت هناك أيام لا نملك فيها سوى تفاحة واحدة، لكننا كنا نقسم تلك التفاحة الواحدة ونأكلها معاً كـ ١٠ إلى ١٥ شخصاً. أو مثلاً، كانوا يعطوننا قطعة سكرمكعب واحدة يومياً للشاي. لكن الرفاق كانوا يحتفظون بهذه القطعة ويجمعونها في مكان ما حتى إذا عاد أحدهم من تحت التعذيب ولم تعد لديه طاقة جسدية، يقدمون له ماءً بسكر. وهنا، قبل أن تحل التفاحة أو الماء بالسكر المشكلة الجسدية للفرد، كانت تحل المشكلة النفسية والمعنوية للفرد وللمجموعة من حوله.
إن مجرد أن الفرد المعذَّب لم يكن يرى نفسه وحيداً بلا مأوى أمام كل هذه الصعاب والضغوط والتعذيب، كان يجعله يصمد وقائماً على قدميه. لأنه كان يعلم أنه إذا تعرض للتعذيب، أو إذا مرض، أو إذا لم يحصل على زيارة لسنوات، فهناك من يدعمه ويحميه من ضربات العدو، ويهتم به ويضع البلسم على جراحه.
وفي المقابل، فإن كل من انكسر كان بسبب أنه، بالإضافة إلى الألم والضغط الناجمين عن شدة التعذيب، وقع تحت تأثير الحرب النفسية للمحققين وشعر بأنه منفصل عن الجماعة ووحيد. وكان رد فعل الجلادين والمعذِّبين تجاه أي رعاية بسيطة أو اهتمام إنساني من سجين لآخر يبدو مجنوناً لأنه كان يخالف منطقهم المناهض للإنسانية. إذ كان العدو يرى بأم عينيه كيف أن ما ظن أنه دمره في الفرد عبر ساعات من التعذيب والجلد، يعود ليزهر وينمو من جديد بفضل العواطف الإنسانية لرفاق سجنه الآخرين.
النقل إلى سجن جوهردشت
أنا وعدد آخر من الرفاق، الذين نُقلنا من أوين إلى قزل حصار بهدف العقاب، كنا نُستدعى يومياً للتحقيق عند مكتب الحراسة. وفي إحدى المرات، في الساعة ١٠:٣٠ ليلاً، جاء نائب حاجي داوود، وهو جلاد يُدعى أحمد، وأعطى اسمي لأحد الخونة الذي كنا نسميه “الغشتابو” خلف باب العنبر، وقال له: قل لها أن تستعد سريعاً للنقل وتخرج إلى خارج العنبر. وعندما أردت أخذ أمتعتي، قال الجلاد أحمد: لا تأخذي أي شيء! الذهاب إلى الجحيم لا يحتاج إلى أمتعة! ولذلك خرجت من العنبر في البرد دون أي أغراض.
احتجزوني عند مكتب الحراسة حتى منتصف الليل، وكانوا خلال ذلك يوجهون الإهانات والتلميحات. مثلاً: لا تخافي، هل تريدين الذهاب إلى الجحيم؟ هذا لا يخيف! حسناً، يقولون اكتب وصية! وأنتِ افعلي ذلك! حقاً يا منافقة، ما هي وصيتك؟ لعل وصيتك هي إعطاء قطعة السكر الخاصة بك لمنافق آخر، وتناول غدائك لمنافق آخر تعرض للتعذيب، وعشائك لآخر!… وبضحكاتهم القبيحة والمقززة كانوا يحاولون إثارة غضبي.
كنت أفكر في نفسي كم يتأذون من هذه العلاقات والروابط الإنسانية القائمة بيننا، وكنت أشعر بفخر كبير. في تلك الليلة، بين الساعة ٣ إلى ٥ بعد منتصف الليل، جاء الجلاد أحمد وأخذني، وأركبني بمفردي في سيارة من طراز بيكان، وجلس هو خلف المقود وقادها. وفي الطريق، كان يقول باستمرار: أعدي وصيتك! غني ما تشائين من الأناشيد! ادعي لمن تشائين من بقية المنافقين! لأنه لن يكون هناك غد! لديك ساعتان فقط! افعلي ما تشائين! طافوا بي في شوارع مختلفة حول قزل حصار لعدة ساعات. كانت هناك عدة سيارات، لكنهم تظاهروا بأنهم ينقلونني بمفردي، ثم بدأوا بالضرب وقائلين: قولي ماذا فعلتِ حتى يُطلب إعادتك إلى هناك رغم أنك نُقلت حديثاً من أوين إلى هنا؟ قولي أسماء شركائك المنافقين وأنقذي نفسك.
في غبشة الصباح، وصلنا إلى سجن لم أكن أعرف أين يقع. كان كل شيء فيه حديثاً وجديداً. عندما كانت عيناي معصوبتين وكنت أضع يدي على جدرانه لأصعد السلالم، لاحظت أن مبناه لم يكتمل بعد، والأرضية لم تكتمل أيضاً، وكانت قدمي تتعثر بأماكن فيها تراب وحجارة وأنقاض بناء. وعرفت لاحقاً أن هذا المكان هو سجن جوهردشت الذي تم تجهيزه حديثاً. السجن الذي وُضعت أساساته في زمن الشاه وأكمله خميني. وملأوا جميع خلاياه، التي تصل إلى ألف خلية، بالسجناء.
عندما ألقوا بي في الخلية، رأيت أنه في أي ساعة من اليوم لا يأتي أي صوت من أي مكان. وما أثار رعبي في هذا السجن بشكل خاص هو أنني كنت أشعر بأنني وحدي، وكان جميع حراس العنبر رجالاً ضخام الأجسام بوجوه مخيفة، وكانت نظراتهم تنضح بالكراهية والخسة والوحشية، ولم أكن أشعر بالأمان في أي لحظة للنوم أو حتى للجلوس. وطوال فترة الشهرين التي قضيتها كعقوبة في هذا السجن، كنت في حالة تأهب قصوى، وكنت أمشي أو أجلس في زاوية الغرفة بالهيئة نفسها التي جئت بها من الخارج.
أحياناً كنت أشعر أن أحداً يسير خلف باب خليتي. كان الحراس هناك يرتدون جميعاً أحذية رياضية كتانية حتى لا تصدر خطواتهم صوتاً وليتمكنوا من مباغتتنا وممارسة أي خسة يريدونها. لكنني كنت أميز صوت خطوتهم وأحدق في فتحة الخلية حتى إذا جاء الحارس خلف الباب ونظر من الفتحة، يرى أنني مستيقظة ومتنبهة، وإذا كان في ذهنه فكر خبيث، يتراجع عنه. ومع ذلك، هجم علي الحراس الخبثاء مرتين أو ثلاث مرات، لكنهم ابتعدوا بسبب صراخي وعويلي.
يتبع…



















