مذكرات سجن مهري حاجي نجاد من كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى” – الجزء الثامن
الأطفال الأبرياء خلف قضبان السجن : في العدد الثامن من مذكرات السجن لـ مهري حاجي نژاد، التي دُوّنت في كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى”، تتحدث الكاتبة، التي كانت في ذلك الوقت مراهقة طالبة، عن الأطفال الأبرياء خلف قضبان السجن؛ أطفال تذوقوا مرارة الأسر خلف قضبان سجن نظام الملالي برفقة أمهاتهم المجاهدات، بدلاً من النمو في بيئة أسرية دافئة وحميمة واللعب مع أقرانهم.
الأطفال الأبرياء في الأسر
كان محمود، ابن كلناز البالغ من العمر 5 سنوات، مجرد مثال واحد، ولكنه كان يتمتع بظروف أفضل نسبياً مقارنة بالعديد من الأطفال السجناء الآخرين، لأن والدته كانت بجانبه على أي حال. كانت إحدى الجرائم المناهضة للإنسانية التي ارتكبها النظام في السجن هي سجن الأطفال الصغار للمجاهدين الذين تم اعتقالهم أو استشهادهم. كان لاجوردي، الذي يحمل ضغينة حيوانية ضد المجاهدين وخاصة المسؤولين في المنظمة، يقول: “سأفعل شيئاً يجعل أطفال المجاهدين يقفون ضد آبائهم وأمهاتهم، وسأصنع من طفل المنافق حارساً وتابعاً لخط الإمام”. ولهذا السبب، لم يكن يسلّم الأطفال من عمر بضعة أشهر إلى عدة سنوات إلى عائلاتهم.
كانت ظروف السجن تترك آثاراً نفسية وجسدية وخيمة على هؤلاء الأطفال الأبرياء. فبدلاً من اللعب مع أقرانهم وألعابهم، كانوا يشاهدون من الصباح حتى المساء التعذيب والوجوه المصابة والملطخة بالدماء والأقدام المهشمة لآبائهم وأقاربهم. وفي الليالي، كانوا يسمعون أصوات إطلاق النار ويعيشون في خوف وقلق دائم.
في أواخر مايو 1982، أُحضر أحد هؤلاء الأطفال إلى زنزانتنا وسُلّم مؤقتاً إلى سودابه، إحدى السجينات، للعناية به. كان اسم هذا الطفل قد سُمي مهدي، وعندما أُحضر إلى العنبر، كان يبدو في عمر أربعة أو خمسة أشهر. كان ضعيفاً جداً ومريضاً. لقد أُسر برفقة طفلين آخرين من أحد بيوت المجاهدين الذي تعرض لهجوم واستُشهد فيه جميع من كانوا بداخله. عندما بدأت قوات الحرس هجوماً، لفتت والدة مهدي بطانية حوله، ووضعته مع الطفلين الآخرين في حمام المنزل، الذي بدا مكاناً أكثر أماناً. عندما حطم المرتزقة المنزل بأسلحة مختلفة ودخلوه، لم يجدوا أحداً حياً سوى هؤلاء الأطفال الثلاثة.
في ذلك اليوم قبيل الغروب، أُحضر هذا الطفل إلى عنبرنا. تجمعنا جميعاً حوله، وعندما كنت أنظر إليه، كان حزن عميق يغمر كياني. كان يرتعش مثل عصفور صغير ويصرخ بالبكاء، لا بد أنه كان يفهم أن والدته ليست موجودة. لم أكن أعرف والدته. لاحقاً علمت أنه عليّ، الابن العزيز للمجاهدة الشهيدة فاطمة أبو الحسني، الطالبة الجامعية البالغة من العمر 24 عاماً، التي استشهدت في اشتباك مع عناصر الحرس يوم 5 مايو 1982.
كنت أتخيل والدته أمامي وفي أي حالة فصلت فلذة كبدها عنها في اللحظة الأخيرة. من هنا، تحول هذا الحزن إلى دافع للمزيد من النضال ضد هؤلاء الجلادين. كنت أقضي عدة ساعات يومياً في رعايته والاعتناء به. لاحقاً قالوا إن هناك خطأً وأن اسمه عليّ، ومرة واحدة وجدنا ملاحظة صغيرة في جيب حقيبته المرافقة مكتوب عليها أمير، وفي النهاية لم نعرف ما إذا كان اسمه الحقيقي مهدي أو عليّ أو أمير! كبر عليّ تدريجياً، وكان ضئيل الجثة وصغيراً جداً. في عمر 2-3 سنوات، كان يعرف بشكل عجيب جميع السجينات الـ 600 في العنبر. عندما كانت تدخل سجينة جديدة إلى العنبر، كان أول من يثير الضوضاء ويعبر عن سعادته، لأن ذلك كان يمثل له تنوعاً. كان يصرخ بسعادة: “جديدة؟”، وعلى الفور كان يذهب إلى تلك “الخالة” محاولاً التعرف عليها؛ وبِلُغته الحلوة كان يسأل: ما اسمك؟ أي فرع تحقيق أنتِ؟ ما اسم محققك؟ هل حصلتِ على حكم؟ هل لديكِ أطفال؟ في أي غرفة أنتِ؟ متى اعتقلتِ؟ هل جرحوا قدمكِ أيضاً؟ وعلى الفور كان يحدق في قدمها.
كلما ارتفع صوت مكبر الصوت، كان يهرع بخوف إلى مقدمة العنبر ويصغي ليرى من سينادون. عندما كان يسمع الأسماء، كان يركض بقلق نحو باب كل غرفة بحثاً عن “الخالة” التي نُودي عليها للاستجواب، ويقول بقلق: “خالة استجواب، استجواب”. كان قلبه يخرج مع كل “خالة” مرة واحدة من هذا العنبر، وفي الغروب كان يتأكد حتماً من عودة الجميع، ودون أن يسأل أحداً، كان يتفحص أقدام الأفراد بنفسه.
كلما كانت إحدى الخالات تمشي في ممر العنبر بقدمين متورمتين، كان يسير بجانبها، ومع كل خطوة تضعها الخالة على الأرض، كان عليّ يقول: “آخّ، آخّ!”، وكأنه يتألم حقاً. كان عليّ محبوباً جداً وأصبح جزءاً من حياة الجميع. كان كل واحد يحاول أن يفعل شيئاً من أجله.
كانت السيدة شهين دائماً تفصل السكر الناعم لعليّ. قامت ”آذر“ بخياطة ملابس جميلة له من قطعة قماش كانت لديها. أنا أيضاً كنت أمشي معه عدة ساعات يومياً في الممر الضيق والطويل. لقد اعتاد جيداً أن يأتي كل يوم الساعة الثامنة صباحاً أمام باب غرفتنا ويقول: “محبوبة، محبوبة!”. كان كلامه يخلو من الأفعال، كان يقول هذه الكلمة فقط، وكان يقصد: تعالي لنتمشى. كنت غالباً ما أمشي مع شهين أو شهناز أو أقدس وزهرة، وأحياناً مع جليلة، ثماني ساعات يومياً في أربع فترات، وكان عليّ يسير خلفنا، ويقلدنا، يضع يديه خلف ظهره ويحاول أن يمشي مثلنا بسرعة. بفضل هذه الأفعال، كان قد أسر قلوبنا جميعاً. في هذه الجولات، كان يراقب تقريباً أعمال الجميع في الغرف الست.
عندما كبر قليلاً، لم نعد نستطع إبقاءه في العنبر. كلما فُتح جزء من باب العنبر، وقبل أن ندير رؤوسنا، كان ينطلق بسرعة البرق خارج العنبر ويصل إلى باب عنبر 216. كان يريد أن يهرب من هذا الجدار الرباعي ويتخلص من هذه الجدران؛ كان حراس السجن يمسكون به في منتصف الطريق ويعيدونه.
كان هذا يحدث كل يوم ويسبب الضحك لنا جميعاً. في النهاية، هددنا السجّان قائلاً: أنتم ترسلون هذا الطفل عمداً ليذهب ويجلب لكم معلومات! كان غباءه، أو بالأحرى غريزته المناهضة للإنسانية، تمنعه من فهم أن طفلاً في الثانية أو الثالثة من عمره لا يمكنه البقاء في هذا القبر ويخرج منه.
هددونا ذات يوم بأننا نرسل هذا الطفل إلى الخارج لأننا لا نريد الاحتفاظ به. وبما أننا شعرنا بالقلق من أن يأخذوه منا، ربطنا تشادور(عباية) لجميع من كن يمتلكنها حتى أصبحت بطول 30-40 متراً، وكنا نربطها بخصر عليّ، حتى كلما هرب مرة أخرى بعيداً عن أعيننا، ننتبه ونتخذ رد فعل عندما تشدّ الشادور.
في أحد الأيام، جاء ”لاجوردي“ الجلاد إلى أمام العنبر لسبب ما لا أعرفه، فتقدم عليّ إليه، وبخبثه الطفولي المعتاد، قال له: “يا خالة، لماذا وجهك هكذا؟ أنا خائف”. لاجوردي، الذي أصبح متوحشاً، كان يصرخ: “طفل المنافقين! أي امرأة منافقة علمتك أن تقول لي يا خالة؟!”، ثم كان يزمجر ويشتمنا بكل الشتائم التي تليق به، قائلاً: “لقد علمتم هذا الطفل عمداً أن يقول لي هذه الأشياء”.
لم يكن عليّ يتقن الأعمال الطفولية على الإطلاق. فهو لم ير طفلاً آخر في محيطه. كان سلوكه يقتصر فقط على تقليد الكبار. أحياناً كان يجد قطعة من الجريدة، يضعها أمام عينيه ويقلد فريدة ومينو في القراءة. كان يضع أنبوب المغذي حول عنقه ويقلد أعظم (المسعفة في عنبرنا). وفي المشي، كان دائماً ينسخ طريقتي.
في أحد أيام ربيع عام 1985، أُخذ من ”سودابه“ واقتيد بعيداً. لاحقاً، سمعت في جوهر دشت، عبر ”فريبا “ التي كانت مسجونة في عنبر 246، أن عليّ قد سُلّم إلى عائلة لتقوم بتربيته. قيل لجدة عليّ: “أنتم لستم مؤهلين لتربيته، وستجعلونه منافقاً”.
منذ ذلك العام وحتى قبل بضعة أشهر، [1] ظل عليّ حياً في ذاكرتي، بالرغم من مرور حوالي 20 عاماً، وكنت أفكر دائماً: ماذا حدث له في النهاية؟ اكتشفت مؤخراً بالصدفة أنه انضم إلى جيش التحريرالوطني الإيراني، وهو الآن من مقاتلي هذا الجيش. “صابر” هو نفس عليّ أو مهدي. هذا الخبر كان من أسعد الأخبار التي سمعتها في حياتي.
[1] يقصد بضعة أشهر قبل نشر كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى” في فبراير/ شباط 2006.




















