تُعتبر ريتا سوسموت (17 فبراير 1937 – 1 فبراير 2026) واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا ومبدئية في التاريخ السياسي المعاصر لألمانيا. هي امرأة أعاد سجلها تعريف الثقافة الديمقراطية، وعززت المساواة بين الجنسين، ووسعت الصوت الأخلاقي لألمانيا على الساحة العالمية. وبصفتها وزيرة اتحادية ورئيسة سابقة للبوندستاغ الألماني، مزجت بين الصرامة الفكرية والإنسانية العميقة، وحظيت باحترام الأجيال والكواِدر السياسية المختلفة.
عقب وفاتها، توالت رسائل التعازي من القادة السياسيين في جميع أنحاء ألمانيا، مما يعكس نطاق نفوذها الفريد. وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس ريتا سوسموت بأنها “سياسية عظيمة” و”منارة لمجتمعنا الديمقراطي”، مشيدًا بالتزامها مدى الحياة تجاه ألمانيا الحديثة والمنفتحة والمتسامحة. قلما نجد خادمًا عامًا جسد القيم الديمقراطية بمثل هذا الثبات والشجاعة والمصداقية.
من الجامعة إلى قلب السلطة
قبل دخولها المعترك السياسي، سلكت ريتا سوسموت، التي ولدت في 17 فبراير 1937، مسارًا مهنيًا كأكاديمية مرموقة. كانت أستاذة في العلوم التربوية والاجتماعية، وجلبت معها إلى المجال العام الوضوح التحليلي والجدية الأخلاقية؛ وهي سمات حددت قيادتها السياسية لاحقًا. لم يكن انضمامها إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي بدافع الولاء الحزبي التقليدي، بل بذهنية إصلاحية وعزم على تحديث المجتمع من الداخل.
كان تعيينها وزيرة اتحادية للشباب والأسرة والمرأة والصحة في الثمانينيات نقطة تحول. في وقت كان فيه النفوذ السياسي للمرأة لا يزال محدودًا، دافعت سوسموت عن قضايا اعتبرها الكثيرون غير مريحة أو سابقة لأوانها: حقوق المرأة، وإصلاحات الصحة العامة، والشمول الاجتماعي. كان نهجها عمليًا وجريءًا؛ مستندًا إلى الأدلة ومسترشدًا بقناعة أخلاقية.

رائدة النساء في السياسة
إن إرث ريتا سوسموت لا ينفصل عن دورها الريادي للمرأة في السياسة الألمانية. بصفتها رئيسة للبوندستاغ من 1988 إلى 1998، أصبحت واحدة من أقوى النساء في البلاد — وهو إنجاز تردد صداه أبعد من جدران البرلمان.
أكد فريدريش ميرتس أنها كانت “نموذجًا يحتذى به ورائدة، لا سيما في مجال المساواة بين الجنسين والنفوذ السياسي للمرأة”. كما وصفها هندريك فوست، رئيس وزراء ولاية شمال الراين-وستفاليا، بأنها “رائدة حقيقية في تكافؤ الفرص ومهندسة عظيمة لمجتمع عادل ومستنير”.
وصفت يوليا كلوكنر، رئيسة البوندستاغ، سوسموت بأنها “ظاهرة استثنائية في السياسة”، وقال لارس كلينغبيل، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، صراحة: “لقد كانت قدوة تتجاوز الحدود الحزبية”. يشهد هذا الثناء العابر للأحزاب على قدرتها النادرة على تجاوز السياسات الفئوية والتحلي بالصدق الديمقراطي التام.
معايير التسامح والانفتاح
في الثمانينيات والتسعينيات، تحدثت سوسموت باستمرار عن ألمانيا المنفتحة على العالم. حاربت من أجل سياسة هجرة حديثة، ودافعت عن حقوق الأقليات، وتصدت لكراهية الأجانب قبل فترة طويلة من اعتبار مثل هذه المواقف آمنة سياسيًا. أكد ميرتس أنها “وضعت معايير للتسامح والانفتاح على العالم”؛ وهو إرث لا يزال وثيق الصلة اليوم.
تحدثت نينا فاركن، وزيرة الصحة الاتحادية، عن التأثير الشخصي لسوسموت قائلة: “على المستوى الشخصي، أفقد قدوة ومصدر إلهام مهمًا”. كما وصفتها كارين برين، وزيرة شؤون المرأة، بأنها “نموذج عظيم” وأضافت: “سيشعر الجميع بغياب صوتها”.

مدافعة عالمية عن حقوق الإنسان والشعب الإيراني
خارج حدود ألمانيا، اكتسبت ريتا سوسموت احترامًا دوليًا كمدافعة لا تكل عن حقوق الإنسان، وخاصة حقوق المرأة والمجتمعات المضطهدة. شمل التزامها بشكل خاص وبارز الشعب الإيراني ونضاله من أجل الحرية.
أعربت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، عن احترامها العميق لها، واصفة سوسموت بأنها “مدافعة بارزة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة” و”حليفة صلبة للشعب الإيراني ومقاومته”. وأكدت رجوي أن أخلاق سوسموت والتزامها ونظرتها الإنسانية للسياسة ألهمت الأجيال، وأنها وقفت إلى جانب الناس في اللحظات الصعبة.
على مدى أكثر من عقدين، دعمت سوسموت بشجاعة المقاومة الإيرانية، بما في ذلك أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. في أخطر السنوات، عندما كان سكان مدينة أشرف في العراق يواجهون هجمات متكررة وتهديدات خطيرة، وقفت بحزم إلى جانبهم ولعبت دورًا مهمًا في حمايتهم ونقلهم في نهاية المطاف. بالنسبة للإيرانيين الأحرار، ارتبط اسمها بالشجاعة والإنسانية والصدق السياسي.

بوصلة أخلاقية خالدة
في التاريخ الألماني المعاصر، تحتل ريتا سوسموت مكانة فريدة. لم تكن مجرد سياسية في مناصب عليا، بل كانت بوصلة أخلاقية. شخصية أصرت على مبدأ أن السلطة يجب أن تكون في خدمة الكرامة والمساواة والحقيقة. لم تكن سياستها موجهة أبدًا نحو الطموح الشخصي، بل كانت قائمة على المسؤولية تجاه المجتمع.
يستمر إرثها في المؤسسات الديمقراطية القوية، والفرص الأكبر للمرأة، والفهم الأوسع لدور ألمانيا في الدفاع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. وكما أشارت مريم رجوي، فإن اسمها “ارتبط بشكل لا ينفصل بالشجاعة والشفقة والصدق السياسي”.
تذكرنا حياة ريتا سوسموت بأن الديمقراطية لا تعتمد فقط على القوانين والانتخابات، بل تحتاج إلى بشر يدافعون عن القيم الإنسانية بصدق لا يتزعزع. ومن هذا المنظور، فإنها تظل، كما وصفها المستشار ميرتس، نجمة هادية للمجتمع الديمقراطي.




















