الرابع من نوفمبر 1978؛ بداية رواية جيل الغد
صباح يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978، غادر آلاف الطلاب الفصول الدراسية وتوجهوا نحو جامعة طهران. لقد أتوا ليوصلوا صوت احتجاج جيل إلى مسامع سلطة قمعت الحرية لسنوات طويلة. لكن رد دكتاتورية البهلوي لم يكن الاستماع لصوت جيل الشباب، بل كان الغاز المسيل للدموع والرصاص. تعرض عشرات الفتيان والشباب لإطلاق النار في حرم جامعة طهران والشوارع المحيطة بها وقضوا نحبهم.
لكن يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978 لم يكن مجرد يوم دموي في تاريخ إيران، بل كان يوم دخول جيل كامل إلى عرصة التاريخ؛ جيل قرر ألا يكون مجرد متفرج، بل أن يؤدي دوره في تقرير مصيره.
ومنذ ذلك اليوم وحتى اليوم، مضى نحو نصف قرن في ظل دكتاتوريتين؛ لكن ثابتاً واحداً بقي قائماً: جيل الشباب كان دائماً شعلة المقاومة في وجه الاستبداد وسلب الحرية، وقد أثبت مراراً وتكراراً من خلال التمرد على الظلم أن أي قمع لا يستطيع إسكات ندائه المطالب بالحرية. إنه جيل كلما قُمع، نهض من جديد ورفع علم الحرية خفاقاً.
واليوم أيضاً، فإن اليوم المسجل في إيران باسم طلاب المدارس لا يذكر فقط بذكرى الطلاب الذين قُتلوا في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978، بل يذكر بجيل لم يترك ميدان النضال من أجل الحرية منذ ذلك اليوم وحتى اليوم، على الرغم من الرصاص والسجن والتعذيب والإعدام.
من الفصل الدراسي إلى الريادة في ميدان الحرية
يشير التاريخ الإيراني المعاصر إلى أن الدكتاتوريات كانت تخشى جيل الشباب أكثر من أي شيء آخر. فمنذ السنوات الأخيرة من حكم البهلوي، كان طلاب المدارس في الصفوف الأولى للانتفاضات؛ لم يكونوا يملكون سلطة سياسية ولا إمكانيات مالية، وكان سلاحهم الوحيد هو التطلع إلى المبادئ والجسارة.
ولكن مع استتباب الدكتاتورية الجديدة، أخذت أبعاد القمع طابعاً أكثر عنفاً ودموية بشكل غير مسبوق. وسرعان ما أدرك نظام الملالي أن جيل الشباب ليس مستعداً للتضحية بتطلعاته التحررية قرباناً للاستبداد حديث التأسيس.
وبعد 20 يونيو/ حزيران 1981، بدأت موجة واسعة من الإعدامات. ولا يذكر التاريخ أن سلطة بدأت قمعها بإطلاق الرصاص ضد فتيات فتيّات. كانت صور فتيات في سن 13 أو 14 أو 15 عاماً لم يرضخَن حتى لذكر أسمائهن للمحققين، تُنشر في الصحف ليتعرف عليهن ذووهن. إعدام بروانة ظهيري ذات الـ 17 عاماً تم بعد يوم واحد فقط من اعتقالها، وسيقَت عشرات الفتيات الفتيات إلى فرق الإعدام.

ورغم ذلك، فإن هؤلاء الفتيات الطالبات والشباب الذين قاوموا لسنوات في سجون الثمانينيات المظلمة تحت أشد أنواع التعذيب، رسموا بصمودهم المذهل في الشوارع والزنازين وأمام فرق الإعدام طرحاً جديداً في الفلك الاجتماعي والسياسي لإيران. وكان الرمز الناصع لهذا الجيل الذي ارتبط اسمه بالشجاعة هو فاطمة مصباح؛ الفتاة الفتية المفعمة بالحماس والتي شاركت في الاحتجاجات ضد نظام الشاه منذ سن 9 سنوات، وفي السابع عشر من سبتمبر عام 1981، بينما لم تكن قد بلغت من العمر سوى 13 ربيعاً، أُعدمت رمياً بالرصاص. وقبل شهادتها، كتبت فاطمة في وصيتها الواعية والتاريخية:
«أقول للمرتجعين أيضاً: لقد تصفحت التاريخ، لكن جنايتكم هي أفظع الجرائم التي شهدها التاريخ، وسوف تُسجل هذه الجرائم الفظيعة في صفحاته… لقد اخترت هذا الطريق المليء بالعواصف وسأقاتل ضد الاستبداد حتى آخر قطرة من دمي. وأطلب من الجيل الثوري القادم أن يواصل طريقي وطريق رفقائي الآخرين. عاشت الحرية.»
كان نظام الملالي يعتقد أنه بإعدام هؤلاء الفتيان والقمع الدموي في تلك الحقبة يستطيع إرهاب المستقبل، لكنه لم يتخيل أبداً أنه بهذه الجرائم يغرس بذور مقاومة ستثمر صفاً لا ينتهي من النجوم المتتابعة. وخلال مجزرة السجناء السياسيين في عام 1988، فإن عدداً كبيراً من طلاب الثمانينيات الذين أُعتقلوا قبل سنوات طوال، لم يخضعوا وضحوا بأرواحهم فداءً للحرية؛ ومنهم نسرين شجاعي التي أُعتقلت في سن 14 عاماً وأُعدمت خلال تلك المجزرة الدموية.
كثير من هؤلاء الطلاب والشباب لم تسنح لهم الفرصة للعودة إلى فصولهم الدراسية، ولكن وكما أرادت فاطمة، فإن هذا الطريق لم يُسد أبداً. واليوم، تحولت رسالة فتيات الثمانينيات المجهولات والمعروفات إلى جسر بين الأجيال؛ جيل لم يضع علم النضال جانباً، وبالاعتماد على تلك المبادئ نفسها، لم يترك ميدان النضال فحسب، بل أبقى جذوة المقاومة متقدة ولهم غدٍ حر لإيران.

المدرسة التي تحولت إلى ميدان للمقاومة
سعى نظام الملالي لعقود إلى استخدام المدرسة لتربية جيل مطيع ومنقاد. المناهج الدراسية، والمراسيم الرسمية، والأنظمة الانضباطية، والشبكة الواسعة من الرقابة الأيديولوجية كُيفت جميعها لتحقيق هذا الهدف.
لكن في السنوات الأخيرة، تحققت نتيجة عكسية تماماً. فالمدارس النسائية نفسها التي كان مقدر لها أن تكون رمزاً للطاعة، تحولت إلى واحدة من أهم وحدات المقاومة. وفي العديد من المدارس، واجه الطلاب السياسات المفروضة بأشكال مختلفة. وأصبح الاحتجاج والمقاومة جزءاً من الواقع اليومي للمدارس.
ولمواجهة هذا المسار، لجأت السلطة إلى الاستدعاء والتهديد والتضييق على العائلات، وتلفيق القضايا الأمنية، بل وحتى الدخول الرسمي لقوى الأمن الداخلي إلى المدارس. لكن هذه الإجراءات لم تستطع تغییر الواقع الجديد: لم تعد المدرسة مجرد مكان للتعليم، بل تحولت إلى فضاء لتشكل جيل واعٍ، جسور، ومحتج.
الطالبات الفتيات؛ رائدات الانتفاضات الوطنية
بعد أربعة عقود، برزت تلك التطلعات التحررية من جديد في المدارس الإيرانية. وخلال انتفاضات السنوات الأخيرة، ولا سيما انتفاضة عام 2022 الوطنية، تحولت الطالبات إلى أبرز الوجوه وأكثرها تأثيراً في الانتفاضات. وأظهرت الصور المنتشرة من مدارس الفتيات أن هذا الجيل قد نزل إلى الميدان من جديد؛ جيل أثبت أنه لم يعد مجرد موضوع لسياسات النظام، بل أصبح الفاعل الرئيسي في التحولات الاجتماعية والسياسية في البلاد. لقد هتفت الفتيات في المدارس واحتججن، وحولن أروقة المدارس إلى بيئة للاحتجاج والمقاومة؛ وهو حضور وصل إلى حد اضطرار القوات الأمنية للتدخل داخل المدارس للسيطرة على الأوضاع.
وخوفاً من هذا التردي الانفجاري والدور اللامع لطالبات المدارس في انتفاضة 2022، ابتكر النظام أسلوباً جديداً من الوحشية والحقد؛ وكان من أكثر الأمثلة صدمة وسواداً، الهجمات الكيميائية وحالات التسمم المتسلسلة في مدارس الفتيات. هذه الجريمة المنظمة التي حصدت ضحايا في عشرات المدن ومئات المدارس، أثارت موجة من الذعر في جميع أنحاء البلاد وردود أفعال دولية واسعة؛ إلى حد مطالبة المقررين الخاصين للأمم المتحدة بتحقيق عاجل في هذه الأحداث المروعة.
ولكن بعيداً عن الأبعاد الفظيعة لهذه القضية، كانت هناك حقيقة عارية تفرض نفسها: لقد تحولت الطالبات إلى قوة رائدة ومحدثة للتغيير في المجتمع الإيراني إلى درجة أربكت هيكل السلطة وأرعبته بشدة. إن الهجوم على الفصول الدراسية وتسميم الفتيات كان، قبل كل شيء، استعراضاً جلياً لعجز وهراس سلطة لم تجد أمام جيل من الفتيات اللاتي تجاوزن حاجز الخوف، سوى الانتقام الأعمى.
وهذا المسار والحضور الحاسم تكرر مرة أخرى في انتفاضة شهر يناير 2026 الوطنية، وأثبت أن جيل الشباب في إيران لم يغادر الميدان قط. وخلال احتجاجات هذه الانتفاضة أيضاً، كان الفتيان والفتيات الفتيات في الصفوف الأمامية. وكان ثمن هذا الصمود باهظاً جداً؛ إذ فقد المئات من الأطفال والفتيان أرواحهم، واعتقل الآلاف، وبقيت العديد من المقاعد الدراسية خالية في المدارس.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير رواية 2022 ويناير 2026 فقط بعدد الضحايا والثمن. الأهمية الجوهرية لهذه الأحداث تكمن في أن جيلاً جديداً من الطالبات، ورغم كل هذا القمع، لم يتراجع وأظهر أن سلسلة المقاومة الناشئة من الثمانينيات، أصبحت اليوم أكثر حيوية وديناميكية من أي وقت مضى في بناء مستقبل إيران.
جيل المستقبل أتى
في يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978 وحتى اليوم، حاولت دكتاتوريتان إسكات صوت جيل الشباب في إيران. الرصاص، السجن، التعذيب، الإعدام، الاستدعاء، ملفات القضايا الأمنية، والهجوم على المدارس، كلها تمت بهدف واحد: إسكات جيل يرى الحرية حقاً طبيعياً له.
لكن تاريخ النصف قرن الماضي يظهر نتيجة أخرى. فمن الفتيات اللاتي لم يمنحن أسمائهن للسجانين في الثمانينيات، إلى الطالبات اللاتي وقفن بوجه القمع في مدارس إيران؛ ومن جيل 04/11/1978 إلى جيل انتفاضات 2022 و2026، هناك خيط متصل من المقاومة والأمل.
اليوم، لا يذكر يوم الطالب المدرسي بالماضي فحسب؛ بل إن يوم الطالب هو يوم جيل الغد؛ جيل لم ينحنِ أمام القمع، ودفع الثمن، وصمد، وعقد العزم على بناء مستقبل حر واعد. جيل حاول الدكتاتوريات مراراً إسكاته، ولكنه في كل مرة ينهض من قلب الأحداث أكثر قوة من ذي قبل.
ولعل الحقيقة الأكثر أهمية هي هذه: إن مستقبل إيران بات في أيدي جيل لم يعد يخاف من الوقوف وتغيير مصيره.









