يواجه النظام الصحي في إيران في صيف عام ٢٠٢٦ موجة من الاستياء المهني، والمتأخرات المالية المزمنة، والنقص الحاد في الكوادر البشرية. وتشير التقارير المنشورة في وسائل الإعلام المحلية إلى أن نطاق هذه الأزمة قد تجاوز الآن المستشفيات وأقسام العلاج المتخصص، ليشمل شبكات الرعاية الأولية والكوادر الصحية في البلاد؛ وهو وضع يشكل تحدياً مباشراً لجودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين وبقاء الكفاءات البشرية.

احتجاج العاملات في الكوادر الصحية على الأجور الزهيدة وبدل العمل الإضافي البالغ ٣٠ ألف تومان
وفقاً للتقارير الإخبارية المنشورة، تجمعت صباح يوم الإثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦، مجموعة من العاملات في الكوادر الصحية والموظفات في هذا القطاع أمام مبنى وزارة الصحة في طهران، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية وظروف الأجور غير العادلة.
وكان حضور النساء في الكوادر الصحية، اللواتي يشكلن جزءاً كبيراً من قطاع الرعاية الأولية وحملات التطعيم وخدمات الوقاية، بارزاً ولافتًا في هذا التجمع. وانتقد المحتجون، وهم يحملون لافتات ومخطوطات، انخفاض الراتب الأساسي ومعدل أجر الساعة للعمل الإضافي الذي قُدر بنحو ٣٠ ألف تومان. وأكدوا أن هذا المبلغ لا يتناسب على الإطلاق مع المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الكوادر الصحية في الحفاظ على صحة المجتمع، وطالبوا بإعادة النظر في أوضاعهم المعيشية وأمنهم الوظيفي.
الكشف عن المستحقات المتأخرة والإجراءات التأديبية في القطاع الطبي
وبالتزامن مع احتجاجات الكوادر الصحية، يواجه قطاع التمريض والكوادر الطبية في المستشفيات أيضاً تحديات هيكلية عميقة. فقد أشارت صحيفة “شرق” في تقرير لها بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠٢٦، إلى التجمع الاحتجاجي لممرضي مستشفى فياض بخش في طهران (التابع لمؤسسة التأمين الاجتماعي) في أغسطس ٢٠٢٦، وكشفت عن تراكم المستحقات المتأخرة.
ووفقاً لهذا التقرير، فإن الاحتجاج المهني لممرضي مستشفى فياض بخش، والذي نُظم دون إحداث أي خلل في سير علاج المرضى، قوبل بتعامل غير لائق واستجوابات استمرت قرابة ثماني ساعات في الطابق الخامس من المستشفى. وعلى الرغم من إعلان مسؤولي مؤسسة التأمين الاجتماعي عن وقف إلغاء العقود وعودة الموظفين المسرحين، إلا أن هناك مطالب لا تزال عالقة، مثل متأخرات ١٣ شهراً من بدل المواصلات (حوالي ١٥ مليون تومان لكل ممرض)، وعدم دفع “بدل مخاطر الحرب” (المتعلق بفترة حربي الـ ١٢ يوماً والـ ٤٠ يوماً)، وعدم التنفيذ الكامل لقانون تسعير خدمات التمريض بعد مرور ثلاث سنوات على إقراره.
تأخر المستحقات لـ ١٠ أشهر واستنزاف الكفاءات البشرية في المحافظات
ولا تقتصر أبعاد هذه الأزمة على العاصمة وحدها. فقد أوضحت وكالة أنباء “إيلنا” في تقرير لها بتاريخ ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ من محافظة فارس، وضع المستحقات المتأخرة للأطباء والممرضين في شيراز. ونقلت الوكالة عن ناشط نقابي في التمريض بشيراز قوله: “إن الراتب الأساسي للممرضين، على الرغم من امتلاكهم خبرة تتراوح بين ١٠ إلى ٢٠ عاماً وعملهم في مناوبات ليلية شاقة، يتراوح فقط بين ١٩ و٢٨ مليون تومان”. وأضاف: “إن النقص الحاد في الكوادر أدى إلى اضطرار الممرض الواحد في المستشفيات الكبرى في شيراز (مثل مستشفى نمازي وفقيهي) لتقديم الرعاية لـ ١٠ إلى ٢٠ مريضاً بدلاً من ٣ أو ٤ مرضى”.
واستناداً إلى الإحصاءات الواردة في تقرير وكالة “إيلنا”، يهاجر سنوياً حوالي ٣ آلاف ممرض وممرضة من البلاد بسبب المشاكل المعيشية وضغط العمل، أو يتركون مهنة التمريض نهائياً ليتجهوا نحو الأعمال الحرة.
وفي التقرير ذاته، كشف محمد رضا ديدبان أردكاني، رئيس منظمة النظام الطبي في شيراز، عن تأخر شركات التأمين لفترة تتراوح بين ٩ إلى ١٠ أشهر في دفع مستحقات الأطباء والصيدليات والمراكز الطبية. ووفقاً له، فإن انخفاض القدرة الشرائية للمجتمع وارتفاع تكاليف العلاج قد تسببا في انخفاض مراجعات المواطنين للأطباء الأخصائيين بنسبة ٥٠ بالمئة على الأقل، بحيث لا يقصد المرضى المراكز الطبية إلا في المراحل الحادة من المرض.

الإنهاك الوظيفي ونقص الممرضين
وقد انعكست الأبعاد الإقليمية لأزمة الكوادر الطبية في تقارير وسائل الإعلام الحكومية. وفقاً لتقرير وكالة أنباء “تسنيم” بتاريخ ٢٠ يوليو ٢٠٢٦، تواجه مستشفيات محافظة همدان نقصاً يبلغ ألف ممرض كحد أدنى. هذا النقص في الكوادر يجبر الممرضين الحاليين على تحمل مناوبات متتالية وإجبارية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في معدلات “الإنهاك الوظيفي”.
وانتقدت وكالة “تسنيم” اعتماد المسؤولين المطلق على “تضحية والتزام” الكوادر الطبية، محذرة من أن التضحية لا يمكن أن تكون بديلاً عن التخطيط السليم، وسد النقص في الكوادر، وتأمين سبل العيش؛ لأن الإرهاق المزمن للممرضين يؤثر سلباً وبشكل مباشر على جودة الرعاية السريرية للمرضى وأمن العلاج.
أزمة هيكلية في الخطوط الأمامية لصحة المواطنين
إن مطابقة الحقائق والتقارير الميدانية المنشورة في وسائل الإعلام (بما في ذلك صحيفة شرق، ووكالتي إيلنا وتسنيم) تُظهر أن النظام الصحي في إيران يواجه أزمة شاملة في كلا القطاعين الصحي والطبي. فمن الأجور الزهيدة البالغة ٣٠ ألف تومان للعمل الإضافي للعاملات في الكوادر الصحية، إلى التأخير لـ ١٠ أشهر في دفع التعرفات الطبية، وصولاً إلى الإجراءات التأديبية ضد المحتجين المهنيين والنقص الذي يقدر بالآلاف في الكوادر بالمحافظات؛ كلها عوامل أدت إلى تصاعد موجة هجرة الكفاءات المتخصصة، وترك المهنة، وفي النهاية تدهور جودة الخدمات الطبية المقدمة لعامة المواطنين.




















