انخفاض مشاركة المرأة.. جزء من سياسة القمع
كما قرأتم في الأجزاء السابقة من هذا النص، فإن النساء الإيرانيات، في ظل حكم الديكتاتورية الدينية، محرومات من الحد الأدنى من حقوق الحياة الشريفة والعادلة. والفجوة النوعية العميقة هي نتيجة مباشرة لهذه السياسة.
إن هيكلية السلطة و سوق العمل في إيران ذكورية بامتياز. فسياسة التوظيف مبنية على افتراض مسبق بأن الرجال هم المعيلون للمنزل، بينما يجب على النساء التفرغ للشؤون المنزلية وتربية الأطفال. وتُصاغ حصص التوظيف والتسهيلات المصرفية وحتى سياسات الرفاهية بحيث تُعطى الأولوية للرجال وتُبقى النساء في الهامش. وقوانين العمل والأسرة لا تدعم الاستقلال الاقتصادي للمرأة عملياً، بل إن توظيف المرأة مرهون بإذن الزوج.
تعتمد التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام والمراجع الدولية مثل البنك الدولي وتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي على البيانات الرسمية للحكومة. وبما أن نظام الملالي يفتقر للشفافية في نشر الإحصاءات ويعمد إلى التلاعب بها لصالح المصالح السياسية، فإن هذه التقارير لا يمكنها عكس الواقع الموجود في إيران بدقة. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات تشير إلى فجوة نوعية هائلة.

تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025
تحتل مرتبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية المركز 145 من بين 148 دولة في العالم فيما يتعلق بعدم المساواة بين الجنسين وفعالية السياسات الوطنية الهادفة لتعزيز المساواة. وقد حُددت الدرجة الإجمالية لإيران في الفجوة النوعية بـ 0.583؛ حيث بلغت درجة التعليم 0.977، والصحة والعلاج 0.964، والمشاركة السياسية 0.031، والمشاركة الاقتصادية 0.343.
إن توظيف النساء في إيران أقل منه في باكستان والسعودية. وبالمقارنة مع دول العالم، فإن وضع إيران في المؤشر الفرعي للمساواة الاقتصادية أفضل فقط من بنغلاديش والسودان؛ أما في المؤشر الفرعي لمعدل مشاركة القوى العاملة، فإن وضع إيران هو الأسوأ بنسبة 20.1% فقط. (موقع ”رويداد 24“- 8 مارس 2025)
تعتمد دعاية نظام الملالي بشأن التوظيف الواسع للمديرات على تزييف الإحصاءات وتعيين النساء في مناصب “مساعدات” و”مستشارات” دون صلاحيات للتغيير. ونقل موقع “خبر أونلاين” في 11 مارس 2024 عن باحث اجتماعي قوله: “لقد أدرجت الحكومة (مديرات مدارس البنات) ضمن إحصاءات مشاركة المرأة في الإدارة”.
وصرحت ”كتايون مصري“ في شبكة “كلوب هاوس”: “أعلنت مديرية شؤون المرأة أن 25% من مديري البلاد هم من النساء، لكنها لم تعلن عن تصنيف لمستويات هؤلاء المساعدات. وبحسب تقديراتي عبر الشبكات الاجتماعية (لصعوبة الوصول لمصادر إحصائية شفافة)، فإن 6% فقط من نواب المجلس، و3% من المديرين في المستويات العليا والمتوسطة، و1.5% من أعضاء مجالس المدن والقرى في عموم البلاد، و12% من أعضاء مجالس المدن الكبرى هم من النساء. وفي المنظمات والشركات الكبرى التابعة للقطاع الخاص، لا يتجاوز دور المرأة كونه عضواً صورياً في مجلس الإدارة”.
وأكدت هذه الباحثة الاجتماعية: “إن النظام مبني على عدم المساواة بين الرجل والمرأة؛ فهو يعتبر المرأة تنتمي للفضاء الخاص والرجل للفضاء العام، ويرى أن أهم دور للمرأة هو الزوجة والأم. وفي هذا الخطاب، تمنح الحدود الجندرية للمرأة -حتى في حال دخولها الفضاء العام- وظائف تشبه إلى حد كبير أدوار الأمومة والزوجية؛ مثل التدريس والتمريض وتربية الأطفال. لذا تظل السلطة والفضاء العام تحت هيمنة النظام الرمزي الذكوري الذي لا يسمح بدخول النساء”.

المشاركة في السياسة
إن هرم سلطة الديكتاتورية الدينية في قمته ذكوري تماماً ومصمم لخدمة السياسات القمعية والمعادية للمرأة. فالمرشد الأعلى، وهو صاحب القرار الأول في هذا النظام، هو ملا يتربع على هذا المنصب مدى الحياة. كما أن القوة العسكرية الإرهابية المتمثلة في “قوات الحرس” تخضع لأوامر خامنئي المباشرة ومسؤولة عن حفظ سلطة ولاية الفقيه، وتسيطر حالياً على أكثر من 80% من الشؤون الاقتصادية والإعمارية في البلاد.
وبعد الولي الفقيه، يأتي “مجمع تشخيص مصلحة النظام” الذكوري بالكامل، والذي يُعين أعضاؤه فرداً فرداً من قبل خامنئي، ويعتبر غرفة فكره. وإلى جانب المجمع، يوجد “مجلس صيانة الدستور” المسؤول عن حفظ الأصولية والشريعة المتخلفة للملالي في التشريعات والسياسات، وأعضاؤه جميعهم رجال وغالبيتهم من المعممين.
أما الحكومة والسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) فتقع في الطبقات الأدنى. وقد حدد دستور نظام الملالي منصبي “رئاسة الجمهورية” و”القضاء” كمنصبين ذكوريين، مما يعني منع النساء من ترأس هاتين المؤسستين دستورياً. وفي مجلس نظام الملالي، وطوال 47 عاماً من عمر النظام، لم نشهد قط رئاسة امرأة له.
وفي التشكيلة الحكومية الحالية، توجد وزيرة واحدة فقط (وزيرة الطرق وبناء المساكن)، واسمها حالياً ضمن الوزراء الذين يستعد المجلس لاستجوابهم. وبالإضافة إليها، توجد المتحدثة باسم الحكومة ورئيسة مديرية شؤون المرأة والأسرة ورئيسة منظمة البيئة، والثلاثة يؤدون أدواراً استعراضية وبروتوكولية ولا يملكون سلطة تنفيذية.
كتب موقع “روز نو” الحكومي في 7 أكتوبر 2025 بخصوص مديرية شؤون المرأة والأسرة برئاسة الجمهورية: “هذه المديرية التي كان من المفترض أن تكون صوت النساء في الحكومة، لا تزال مجهولة للكثيرات بعد 20 عاماً على تأسيسها. وحتى المتعلمات لا يرونها ممثلاً عنهن. فهي مديرية تتغير توجهاتها حسب الظروف والنهج السياسي لكل حكومة، وتتسم أحياناً بالنظرة المتصلبة وأحياناً بالسلبية”. وتقول المحامية ”مينا جعفري“: “لم تقم هذه المديرية بأي إجراء مؤثر ودائم، والمجلس متأخر كثيراً عن مطالب المجتمع، فهناك قطاع صلب في السلطة لا يرغب بتغيير وضع المرأة”.
وبحسب وكالة “مهر” في 5 مارس 2024، فإنه بعد انتخابات المجلس الأخيرة، من بين 260 نائباً تم انتخابهم، هناك 17 امرأة فقط، أي بنسبة 6.53%. وهي نسبة لا تملك قوة لتمثيل مصالح النساء. فضلاً عن أن وجود شخصيات مثل “زهره لاجوردي” (ابنة أسد الله لاجوردي المعروف بـ “جزار إيفين”) يوضح نوع النساء اللواتي يوافق مجلس صيانة الدستور على أهليتهن، حيث يجب على أي مرشح إثبات الولاء المطلق والعملي للولي الفقيه خامنئي.
وفي المناصب المحلية، فإن وضع النساء ضئيل جداً. كتبت صحيفة “اعتماد” الحكومية تحت عنوان “حصة صفر بالمائة للنساء الإيرانيات من المحافظين”: “هذه حقيقة مرة تصفع وجه القارئ. رغم المكانة الرفيعة للمرأة في الثقافة الإيرانية ونسبة تعليمهن العالية، لم يُسجل اسم أي سيدة إيرانية في منصب محافظ في الهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية”. (صحيفة اعتماد – 16 سبتمبر 2024)
أما فيما يخص “رؤساء البلديات”، فقد صرحت ”سارا قائدي“ (رئيسة بلدية المنطقة الأولى في شيراز) قائلة: “هناك 1456 مدينة مسجلة في إيران، لكن لا توجد سوى 8 رئيسات بلديات فقط، أي أقل من 2%”. (موقع ”بيام خبر“ – 26 ديسمبر 2025). ومؤخراً ادعت ”زهراء بهروز آذر“ أن العدد وصل إلى 16 (نور نيوز – 11 فبراير 2026)، بينما ذكرت صحيفة “همشهري” سابقاً في يناير 2022 أن من بين 1424 مدينة، هناك 6 مدن فقط ترأس بلدياتها نساء (بنسبة 1.12%). وبخصوص مجالس المدن، فمن بين 405 مقاعد في مراكز المحافظات، حصدت النساء 35 مقعداً فقط. (همشهري أونلاين – 25 يناير 2022)
وبينما تتحدث وسائل إعلام نظام الملالي عن توظيف المديرات، يقول الخبير السياسي ”جواد جمشيدزهي“: “في الوقت الحالي، يقل متوسط المناصب الإدارية التي تشغلها النساء في بلادنا عن 3%”. (موقع ”تفتان ما“ – 11 ديسمبر 2024)

المشاركة الاقتصادية والحضور في سوق العمل
وصل معدل مشاركة نساء إيران في سوق العمل خلال السنوات الأخيرة إلى أدنى مستوياته على الإطلاق. وبناءً على البيانات الإحصائية المنشورة، انخفض هذا المعدل في خريف عام 2024 إلى 14.7%، وهو أدنى مستوى تم تسجيله في السنوات الماضية. ووفقاً لتقرير مركز الإحصاء والبحوث بجامعة “تربيت مدرس”، فإن الفجوة الجنسانية في سوق العمل الإيراني في تزايد مستمر؛ حيث بلغت هذه الفجوة في الفئة العمرية ما بين 20 إلى 24 عاماً نسبة 21.1%. علاوة على ذلك، سُجل معدل البطالة للنساء في هذه الفئة العمرية بنسبة 29.2%، مقابل 18.9% للرجال.
وتشير هذه الإحصائيات إلى أن 14.4% فقط من نساء إيران يقعن ضمن فئة القوة العاملة النشطة اقتصادياً، في حين يبلغ المتوسط العالمي لهذا المؤشر 49%. وطبقاً لتقرير مركز الإحصاء الإيراني، فمن بين 14 مليون شخص شاغل للوظائف، تشكل النساء مليونين و200 ألف فقط. (إيسنا، 11 نوفمبر 2025)
وتكشف الدراسات المتعلقة بآخر وضع للتوظيف في القطاع الصناعي بالبلاد، أنه في شتاء العام الماضي (2024)، كان هناك 8,144,108 أشخاص يعملون في هذا القطاع. بلغ عدد العاملين الصناعيين من الرجال 7,276,586 شخصاً، بينما بلغ عدد النساء العاملات في الصناعة 867,433 امرأة فقط. وفي شتاء العام الماضي، تم خلق فرص عمل لـ 133,453 رجلاً، بينما فقدت 82,965 امرأة وظائفهن. (وكالة مهر للأنباء، 14 أبريل 2025)
ويظهر معدل البطالة في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً أزمةً أكثر عمقاً؛ ففي ربيع عام 2025، بلغ معدل البطالة لهذه الفئة العمرية على مستوى البلاد 19.7%. وأُعلن أن هذا الرقم يمثل 30.9% للنساء الشابات و17.4% للرجال، مما يعكس تمييزاً جنسياً واسع النطاق في فرص العمل. (موقع ”اقتصاد أونلاين“، 16 يوليو 2025)
كما يبلغ المعدل الإجمالي للبطالة بين النساء 14.3% مقابل 6.2% للرجال؛ وتؤكد هذه الفجوة العميقة أنه حتى من بين النسبة المحدودة من النساء المتواجدات في سوق العمل، فإن عدداً قليلاً منهن ينجح في العثور على وظيفة. (موقع ”تأمین 24“ – 25 ديسمبر 2025)
يُذكر أن الإحصاءات الحكومية للبطالة تشمل فقط الأفراد الباحثين عن عمل، مما يعني أنها لا تشمل الحشود الغفيرة من ربات البيوت، أو اللواتي يئسن من العثور على عمل، أو من منعهن رجال العائلة من اشتغال الوظائف.

لقد سعت نساء إيران بجهد دؤوب وتحملن تكاليف باهظة للتعليم، حيث يشكلن أكثر من 60% من خريجي الجامعات في البلاد. ومع ذلك، فإن معدل مشاركتهن الاقتصادية لا يتجاوز 14% تقريباً، بينما يصل هذا المؤشر للرجال إلى 68.4%. ومن بين الناشطين اقتصادياً، فمن بين كل 10 نساء عاطلات عن العمل، هناك 7 يحملن شهادات جامعية. (صحيفة شرق، 11 نوفمبر 2025 و”إكوايران”، 21 فبراير 2025)
توضح المحامية ”مريم زنده دل“: «غالباً ما تعمل النساء المتعلمات، واللواتي يحملن شهادات الماجستير والدكتوراه، في وظائف ذات أجور منخفضة ولا تتناسب مع تخصصاتهن، وهذا الوضع ناتج عن الإجراءات التنفيذية وهياكل سوق العمل». (شرق، 11 نوفمبر 2025)
وتقول الخبيرة الاقتصادية زهرا كريمي أيضاً: «رغم أن وضع التوظيف صعب للغاية لجميع الفئات، إلا أنه يتم استبعاد النساء في إيران من العديد من الوظائف؛ فعلى سبيل المثال، في الدوائر الحكومية تكون الأولوية للرجال عند استقطاب الخبراء، رغم عدم وجود أي فرق بين أداء الخبير الرجل والخبير المرأة». (شرق، 11 نوفمبر 2025)
وتضيف مريم زنده دل: «تواجه النساء في القطاع الحكومي صرامة أكبر في عملية الاختيار ويتعين عليهن الالتزام بمعايير مظهرية معينة لا يواجهها الرجال. أما في القطاع الخاص، فيُعد موضوع زواج النساء وإنجابهن عاملاً جدياً في تقليص فرص عملهن، مما يؤدي إلى إبرام عقود قصيرة الأجل أو فسخها؛ حيث يتم استبعادهن بسهولة من سوق العمل بعد الزواج أو الإنجاب». (شرق، 11 نوفمبر 2025)




















