ذكريات سجن أعظم حاج حیدری من كتاب ثمن البقاء إنسانا – الجزء السابع عشر
في الحلقة السابعة عشرة من مذكرات السجن لأعظم حاج حیدری، والتي نُشرت في كتاب “ثمن البقاء إنسانا”، تستعرض الكاتبة مشاهداتها وتجاربها في الوحدة رقم 1 بسجن قزل حصار والتي اشتهرت باسم عنبر القفص، والجرائم الشنيعة التي ارتكبها الجلادون وحرس خميني، لا سيما الجلاد حاجي داوود، ضد النساء المجاهدات السجينات.
وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة يتراوح عمرها بين 22 و23 عاماً، وقد خطت خطواتها الأولى في طريق النضال. قضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة، إيفين، قزل حصار وجوهردشت، وتعرّضت للتعذيب الوحشي على يد حرس خميني.
النقل إلى عنبر القفص
تم نقل 15 منا إلى العنبر 8، وهو أيضاً عنبر انفرادي، ولكن بشروط مقيدة بعض الشيء. أخذوني أنا وأربع أخريات إلى مكان كان مجهولاً بالنسبة لنا. كان رئيس جلادي قزل حصار “حاجي داوود” يقول: “سأخذكم إلى مكان يشبه جهنم، والآن هو يوم القيامة، وعلى كل شخص أن يجيب عن أعماله هناك. ستبقون هناك حتى تموتوا أو تعودوا إلى صوابكم وتختاروا الحياة وتظهروا الندم على ما فعلتموه؛ أي أن تقولوا: كنت امرأة منحرفة، وكنت أبحث عن بيت دعارة، وقد وجدت ما كنت أريده في منظمة مجاهدي خلق وانضممت إليها”.
وتابع حاجي داوود خطابه بضحكاته الهستيرية ذاتها وبوجهه الوحشي غير الإنساني الذي يشبه إلى حد كبير الغوريلا، قائلاً: “سأبقيكم في هذا المكان حتى تصبح شعر رؤوسكم بيضاء كأبواق أسنانكم، وأسنانكم سوداء كشعركم”.
وأشار حاجي داوود إلى جدران عنابر قزل، حصار التي بناها ورسمها السجناء عبر العمل بالسخرة، وقال: “انظروا، هذه الجدران تتجدد كل يوم بعملكم، لكن هذه الأعمار والشباب تضيع ولن تعود أبداً. أين مسعودكم؟ أين شعبكم الأبطال لكي يأتوا وينقذوكم من هنا؟ بالطبع، لن نترككم تنبسون ببنت شفة هنا، ولكن حتى لو تحول كل وجودكم إلى صراخ، فلن يسمع صوت صراخكم أحد هنا ولن يغيثكم أحد. هنا نهاية العالم الأخيرة، ومن هنا إما تذهبون إلى المقبرة أو تصبحون بشراً. هذا هو مصيركم المشؤوم”.
بهذا الخطاب كمقدمة، أدركنا أنهم جلبونا إلى هنا لكي يكسرونا حسب زعمهم. إلى مكان عرفنا لاحقاً أنه الوحدة رقم 1 لسجن قزل حصار التي اشتهرت باسم عنبر القفص.
سبعة أشهر ونصف الشهر مع عصب العينين في القفص
وقفنا نحواً من أربع ساعات واقفين قرب غرفة الخفر. أربع ساعات مرت كأنها 40 ساعة بالنسبة لي. استعرضت كل شيء بسرعة في ذهني، ومررت بكل الرفيقات والعلاقات التي كانت تربطني بهن في مخيلتي، وفكرت في الأسئلة التي خمنت أنهم قد يطرحونها ووجدت إجابات لها. ثم فكرت في الصراعات التي خضتها في الأيام الأخيرة مع الخونة. تذكرت أنني تشاجرت قبل أيام مع شرار حول شعار المنظمة.
رسمت إحدى الفتيات شعار المنظمة فرأته شرار وقالت عنه هراءً، فلم أستطع التحمل، وقفزت من السرير وذهبت لأقف في وجهها وقلت: “انظري! أياً كنت، فلتذهبي إلى الجحيم إن كنت قد انهارت! لكن ليس لدينا مزاح كهذا مع شعار المنظمة”. كنت أعلم أنها قد أبلغت عن ذلك. كنت غارقة جداً في أفكاري لدرجة أنه عندما نادى الحارس ”هنغامة “ التي كانت واقفة في الصف وجذبها وأخذها، تذكرت للتو أين أنا وانطلقت.
من هناك أخذونا وركبونا حافلة صغيرة وأخذونا إلى الوحدة الأولى. هناك، عندما واجهت المشهد الحقيقي، تلاشت المخاوف والهواجس في مواجهة الواقع. أخذ كل واحدة منا إلى كابينة وأجلسنا في زاوية منها وأعيننا معصوبة.
كانت العنابر تتألف من ثلاثة أقسام، وفي كل قسم كنا نجلس – بالقدر الذي تمكنت من عده وأنا معصوبة العينين في طريق الذهاب إلى المرحاض – ما بين 48 إلى 55 شخصاً. كان حاجي داوود يبدأ من الباب ويقوم بجولة فوق رؤوس الجميع، وحسب الشكاوى أو الوشايات التي يقدمها تلاميذ الجلادين، كان يستقبل كل شخص بالكابل والقبضات والركلات – على حد تعبيره – وكان يكرر مراراً وتكراراً: “اليوم هو يوم القيامة، وإما أن تصبحوا بشراً أو تذهبوا إلى جهنم”.
دعوني أتحدث قليلاً عن “عنبر القفص” أو “الوحدة الأولى”. لم يكن هذا العنبر مبنى بمعناه المعهود. كانت كل وحدة تتكون من ممرات كبيرة وصالة رُصّت فيها ربما 200 طاولة تنس بعضها فوق بعض حتى السقف. قبل عام، عندما تم نقلنا من إيفين إلى قزل حصار، أخذونا أولاً إلى صالة رُصّت حتى سقفها طاولات التنس. كنا نضحك مع الرفيقات ونقول بسخرية ومزاح: “يا له من أمر ممتع! إنهم يريدون هنا أن يصنعوا لنا صالة تنس لنلعب فيها!”. لم نكن ندرك حينها الغرض من تلك الطاولات. وعندما دخلت عنبر القفص لاحقاً، فهمت النية الشؤمة التي جلب لاجوردي لأجلها طاولات التنس تلك. فقد صنعها بدلاً من الزلازل الانفرادية ذاتها التي كانت في نظريته لكسر السجناء المجاهدين.
وكان ذلك بحيث تُرصّ طاولات التنس بشكل عمودي جنباً إلى جنب في الممرات الكبيرة للوحدة الأولى، بدءاً من نهاية الجدار، وبمسافة أقصاها 70 سنتيمتراً عن بعضها البعض، وتُلحم أسفلها بقضيب معدني، وتُفرش تحتها بطانية عسكرية قذرة مليئة بالقمل وتنبعث منها رائحة كريهة وتغوص خيوطها في أقدام الإنسان مثل الأسلاك. وفي المساحة التي تتكون بين الطاولتين، كان يُجلس سجين وعيناه معصوبتان من الصباح حتى المساء ومن المساء حتى الصباح بشكل متصالب. والمقصود بالشكل المتصالب هو وضع سجناء القفصين المتجاورين في أبعد مسافة ممكنة عن بعضهما البعض كي لا يتمكنا من التحدث معاً. وكان عدد من الخونة يتجولون هناك ليلاً ونهاراً صعوداً وهبوطاً لمراقبة السجناء لكي لا يتحدثوا مع بعضهم.
كانت هذه الأقفاص ضيقة وصغيرة لدرجة أن شخصاً قصير القوام وبوزن 50 كيلوغراماً حتى لم يكن يستطيع الجلوس متقاطع الساقين فيها؛ لأن قدمه كانت تصطدم وتلك الألواح وكان اللوح يسقط على رأس الشخص المجاور. في إحدى المرات، ولأجل تفقد المكان وقياسه، جلست متقاطع الساقين قليلاً وأنزلت قدمي ببطء شديد لأرى مقدار المساحة المتاحة، ففوجئت بأن اللوح على وشك السقوط. أوقفت حركة قدمي بسرعة. فقال ذلك الخوني الذي كان فوق رأسي: “أيها المنافق، انتبه، سيتحطم رأس صديقك الودود الآن! إن كنت تخطط لإقصائه عن طريقك ليصبح مكانك واسعاً فقل لي!”.
أي أن المكان كان ضيقاً إلى حد أنه حتى أنا لم أكن أجد مكاناً لنفسي رغم ضئالة حجمي. ولهذا السبب، كان السجين مضطراً طوال الوقت لضم ركبتيه إلى صدره والجلوس ورأسه بين ركبتيه.
في المرة الأولى التي أرادوا فيها أخذنا للوضوء والصلاة، كان حاجي داوود موجوداً هناك أيضاً. ورغم أنني كنت أعلم أن أعيننا يجب أن تكون معصوبة طوال الوقت وأن نظل جالسين ولا يحق لنا فعل أي شيء، إلا أنني سألت لأنني كنت أريد استكشاف الأجواء: “هل يمكنكم إعطائي مصحفاً أو نهج البلاغة؟”. فجأة أطلق حاجي ضحكاته البغيضة وقال: “المصحف ونهج البلاغة؟! هاه؟… خذِ هذه!” وانهالت على رأسي ضربة بقبضة اليد كالمطرقة. ثم قال: “حسناً، ماذا تريدين أيضاً؟! أيتها المنافقة المسكينة! اذهبي واجلسي لتفكري في تعاستك، كأنك لا تعرفين إلى أين أتيتِ! ها؟! “.
ضحكت عليه في قلبي وقلت: “أيها الأحمق أنت! أنا أعرف جيداً أين أنا”. كنت أريد بإفادتي هذه أن أغيظك.
يتبع…




















