ذكريات سجن اعظم حاجحیدری من كتاب ثمن البقاء انساناً – القسم السادس عشر
في هذا العدد من ذكريات سجن اعظم حاجحیدری التي طبعت في كتاب ثمن البقاء انساناً، تسرد الكاتبة ذكرياتها عن الانتقال إلى سجن جوهردشت والوضع والظروف في هذا السجن.
كانت اعظم في ذلك الوقت معلمة شابة تبلغ من العمر 22 إلى 23 عاماً، وقد خطت قدمها في طريق النضال. وقضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزلحصار، وجوهردشت، وتعرضت لتعذيب وحشي على يد حراس خميني.
الانتقال إلى سجن جوهردشت
بعد 20 يوماً قضيتها هناك دون أي إمكانيات صحية، جاءني حارس يومًا وقال لي: “أيتها المنافقة، تعالي واذهبي إلى الحمام!” قلت: “لا حاجة لي بذلك!” لكنه دخل شاتمًا وناصبًا العداء، فشدّ تشادري ورماني داخل الحمام. ثم قال: “ألن تذهبي إلى الحمام لتقوموا بالدعاية لاحقاً وتولوا إنهم لم يكونوا يأخذوننا إلى الحمام؟!” التزمت الصمت ووقفت هكذا في زاوية الحمام ولم أتحرك ساكنة. وبعد نحو 10 دقائق، سمعت صوت خطوات، فشعرت بالرعب؛ رجل عملاق ذو لحية كثيفة وعيون جاحظة.
وبينما كان يقهقه، فتح كوة الحمام ونظر إليّ وقال بنبرة مقززة: “أيتها المنافقة، أتخافين مني؟ لماذا؟ يجب أن تخافي من زعيمكم ذاك!” ثم فتح الباب وجاء نحوي وأمسك بفمي وأخذني إلى مساحة الدش، وهناك ورغم محاولاتي ومقاومتي، ارتمى فوقي وفعل ما أراد فعله. وبعد دقائق كنت ألطم وجهه فيها وأصرخ، وجّه ضربتين قويتين بقبضته إلى رأسي وخرج. وبعد نصف ساعة، جاء شخص آخر وقال: “ألا تريدين الذهاب إلى الحمام؟ إلى الجحيم! اذهبي وغوري! ابقي في الزنزانة حتى تتعفني!”
كان واضحًا أنهما متفقان معاً. كانوا يأتون، ويهاجمون، ويقترفون هذه الدناءات، ثم ينقطعون لفترة، وقد حدث هذا الأمر ثلاث مرات خلال شهرين قضيتهما في جوهردشت كعقوبة للسجن. وفي أحد الأيام بينما كانت عيناي معصوبتين ولا أرى شيئاً، جاء شخص لا أعرف من هو لاستجوابي إلى زنزانتي وقال: “أما زلتِ تريدين أن تكوني منافقة أم ندمتِ؟ إن لم تكوني كذلك فسأجعلك تندمين.”
وبعد 4 إلى 5 أيام، سمعت في ليلة أحد الأيام شخصاً يغني بصوت عذب للغاية، ويقرأ القرآن ويتحدث مع نفسه، ويتحدث مخاطباً أشرف وموسى وسائر الشهداء. كان يبكي، يضحك، يدعو، يناجي… لقد تأثرت كثيراً، وكنت أسأل نفسي مراراً: من هذا؟ كان يغني ويتحدث بصوت عالٍ جداً ولم يكن خائفاً.
سألته مرة: ما اسمك؟ فقال: مهري. قلت: لماذا أحضروك إلى هنا؟ قال: “يقولون لي إنني مجنونة! لكنهم هم من جننوني. يغتصبونني كل يوم. ويعذبون أختي و…”
وبينما كانت مهري تتحدث، سمعت فجأة صوت خطوات ذلك الجلاد نفسه، فأخذوا مهري من ذلك العنبر ولم أسمع صوتها بعد ذلك ولم أعرف من كانت.
عند وقت انتقالي إلى جوهردشت، لم يكونوا قد أحضروا السجناء إلى هناك بشكل تدفق منتظم بعد. وفي تلك الأيام نفسها، عندما كنت أنظر إلى الخارج من خلال شرائح الستائر المعدنية للزنزانة، كنت أرى أنهم يأخذون السجناء الرجال إلى العنابر المقابلة. وبعد شهر، سمعت أصوات السجينات أيضاً، ومنذ ذلك الحين ظهرت النساء الحارسات في العنبر أيضاً. بالطبع، تم نقلي بعد أيام قليلة مرة أخرى إلى سجن قزلحصار ولم أُر قط أولئك الأخوات اللائي كنَّ في انفرادي جوهردشت.
وضع الزنازين في سجن قزلحصار
في فبراير / شباط 1984 كنت في العنبر 7 بقزلحصار. كانت زنازين العنبر 7 مخصصة في الأصل لشخص أو شخصين، لكننا كنا في كل زنزانة ما بين 12 إلى 14 سجيناً وأحياناً أكثر. كان طول هذه الزنازين يزيد ببضعة سنتيمترات فقط عن طول السرير، وكان عرضها يزيد بنحو 70 سنتيمتراً عن عرض السرير ذي الثلاث طبقات الموجود داخل الزنزانة. إن 13 إلى 14 سجيناً الذين كانوا في كل زنزانة، لم يكونوا قادرين حتى على الجلوس بصعوبة في هذه المساحة. وكل يوم كانوا يعاقبوننا بحجة ما ويغلقون باب الزنزانة. كان النوم في هذه الزنازين معضلة، وكان علينا كل ليلة حل معادلة متعددة المجاهيل لنتمكن من النوم.
لحل هذه المشكلة، كان عدة أشخاص ينامون في كل طبقة وبعرض السرير. وبهذه الطريقة كانت أجسادنا تصل إلى منتصفها فوق السرير وبقية أجسادنا متدلية. والشخص الأطول قامة كان ينام بشكل مريح نسبياً، والأقصر كان يمد ساقه بصعوبة إلى الجدار المقابل ويسندها عليه لكي لا يتدلي ويستطيع النوم. وكان عدة أشخاص ينامون بجانب السرير ولكن بشكل عكس اتجاه الأشخاص في الأعلى. أي أنهم كانوا يضعون رؤوسهم في الخارج وتحت أقدام الأشخاص في السرير العلوي، وكانت أرجلهم وأجزاؤهم السفلية تحت السرير. وكان شخص أو شخصان ينامان بجانب الباب. ولكن إذا كان باب الزنزانة مفتوحاً، كان الوضع يختلف لأن الجميع كانوا ينامون على طول الممر وكانت الظروف أفضل قليلاً.
وفي الممر أيضاً، كنا ننام مثل السردين بجانب بعضنا البعض وغالباً على جوانبنا. وكان الحرس والخونة يمشون فوق رؤوسنا ليلاً في تلك المساحة الضيقة وكانوا يراقبوننا لكي لا نتحدث مع بعضنا البعض. وإذا أبلغوا أن شخصين تحدثا مع بعضهما البعض، كانوا يأخذونهما إلى التحقيق ويعرضونهما للتعذيب والضغط ليكتشفوا ماذا كانا يتحدثان معاً؟
20 دقيقة ماء ساخن للحمام وشاي بدون كافور
في قزلحصار أيضاً، كان ماء الحمام يُسخن مرة واحدة في الأسبوع لمدة 20 دقيقة. وكان يوم نوبة الحمام يُعد حدثاً بارزاً في العنبر، وخلال الساعتين أو الثلاث ساعات التي كانت السجينات يذهبن فيها إلى الحمام وقبلها وبعدها، كانت تدب حركة وحيوية خاصة في العنبر، وكان المسؤول المعني يعلن الدور ويُسيّر الأفراد إلى الحمام بحسب أدوارهم. وكان عدد ممن جاء دورهم يركضون نحو الدوشات.
لعدم توفر الماء الساخن سوى لمدة 20 دقيقة لحوالي 200 سجين. وكان آخرون ممن تقع على عاتقهم مسؤولية إعداد الشاي من ماء الحمام، يمسكون بأواني التنكة ويجوبون المكان لإعداد الشاي وتخميره لكي يتسنى للسجينات بعد الحمام شرب كوب من الشاي الخالي من الكافور. وكان لكل زنزانة مسؤول عن الشاي، حيث كان يمسك بوعاء الجبن المغسول والمجهز، وعندما يُعلن عن تسخين الماء، كان يركض نحو الحمام ليأخذ الماء الساخن ويعد الشاي لأبناء زنزانته. وإذا ضيعنا فرصة العشرين دقيقة هذه، فلن يكون هناك أي أثر للشاي.
كانت السجينات في تلك الظروف من القمع والكبت المطلق، فرحات ومبتسمات وبمعنويات عالية، يشربن شاي الحمام باستمتاع. كان شاي السجن يحتوي على الكثير من الكافور لدرجة أن الكافور كان يتجمع في قاع كل كوب ولم يعد بطعم الشاي، لكن شاينا الخاص الذي صنعناه بماء الحمام كان بطعم الشاي الطبيعي.
كان السجانون منزعجين ومتألمين جداً من هذه الأجواء البهيجة للسجينات وعادة ما كانوا يحاولون تخريب هذه الأجواء بالشتم والصراخ وأحياناً بأخذ عدد من السجينات وضربهن. وفي أحد أيام فبراير / شباط 1984، عندما سخن ماء الحمام، بادرنا وفقاً للطريقة المتبعة لإعداد الشاي. ملأنا أواني التنكة بالماء ولفناها بالبطانيات.
في زنزانتي، كنت أنا وعدد من السجينات جالسات في الطبقة الثالثة لسرير الزنزانة، وإذا بصوت “الغيستابو” يرتفع بصراخ وعويل قائلاً إنه لا يحق لكم إعداد الشاي. كان واضحاً أنه يختلق الذرائع، لأنه لم يكن ليتدخل في شاي الحمام من قبل. لم يعر السجينات اهتماماً لهذا الكلام وواصلوا عملهم، فملأنَ الأواني بالماء وسكبوا الشاي ولفوه بالبطانيات. وبينما كنا ننتظر تخمير الشاي، ذهب “الغيستابو” غاضباً إلى ” غرفة الخفر”.
بعد 20 دقيقة، فتح باب العنبر وقرئ اسم 25 سجينة من ضمنهن أنا وهنكامه حاجي حسن للتحقيق. وكان هذا في الوقت الذي كان فيه قزلحصار سجنًا لقضاء فترة محكومية السجين. استعددنا جميعاً وخرجنا من العنبر. أبقونا لمدة ساعة في “الممر”. وبينما كنت واقفة هكذا، كنت أفكر مع نفسي: ما هي الحيلة التي دبروها لنا هذه المرة؟ إلى أين يريدون أخذنا؟ إلى إيفين؟ إلى 209؟ إلى 311؟ إلى جوهردشت؟ إلى…؟ كان خوفي من أن يحققوا معنا بشأن الأعمال داخل العنبر. لعدم وجود أي اتفاق مسبق بيننا وبين السجينات حول ما يجب أن أجيب به إذا سألوا لكي لا تتعرض السجينات للضغط؟
كانت تلك الجملة المكتوبة على الجدار تتبادر إلى ذهني وهي: “ألم التعذيب زائل، لكن عار الخيانة باقٍ.” كنت أقول: اللهم أعنّي لكي أظل بشرف. لأننا كنا قد سمعنا بقصص تعذيب الوحدة السكنية والأسلوب الجديد للتحقيقات والتعذيب المتعلق بتنظيمات العنبر ورأينا بعض نتائجها أيضاً.
كنت أتحدث باستمرار مع الله وأقول: اللهم إن كان ممكناً أن أظهر ضعفاً وأقع في الخيانة، فافعل شيئاً لكي أموت مبكراً. لا أريد أن أقع في مستنقع الخيانة من أجل البقاء على قيد الحياة.
يتبع…



















