ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً — الجزء الحادي عشر
في هذا العدد من سلسلة ذكريات السجن لأعظم حاج حيدري والتي نُشرت في كتاب ثمن البقاء إنساناً، تروي خاطرة عن مجزرة سجناء مجاهدي خلق في سجن إيفين بعد مظاهرات 27 سبتمبر/ أيلول 1981، كما تُعرّف بشخصية فتاة مراهقة مقاوِمة في وجه التعذيب ودائمة الابتسام تُدعى سيمين هجبر.
كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في عمر 22 – 23 عاماً، وقد خطت خطواتها في طريق النضال. قضت 5 سنوات في سجون وزارة العدل المؤقتة، وإيفين، وقزلحصار، وكوهردشت، وتعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حراس خميني.
27 سبتمبر1981 في السجن
ذات مرة، نادوا باسمي للاستجواب واقتادوني لأجلس في ممر الشعبة، لكن لم يكن هناك أي أثر للاستجواب. كنت أرى حولي أناساً يجلسون متراصين جنباً إلى جنب، ولكن بعد دقائق لم يعد لهم أي أثر. كنت في دهشة مما يحدث، وإلى أين يقتادون هؤلاء السجناء والسجينات؟ ولكي أكتشف الأمر، كنت أغير مكاني في كل مرة يُعاد فيها الأشخاص إلى العنبر حتى لا يعيدوني أنا إلى العنبر.
لعدة مرات، طاف في الممر رجل عجوز كان يأخذ السجناء والسجينات إلى العنبر ويعيدهم، ونادى باسمي، فلم أجب، وبقيت ليلتها في ممر الشعبة. ذات مرة، عندما رأيت الممر قد امتلأ مجدداً، سألت أحداً من هؤلاء السجناء: من أنت؟ قال: ما الفرق؟ قلت: ما اسمك؟ قال: لقد اعتُقلت حديثاً. قلت: ما السبب؟ قال: بتهمة المشاركة في تظاهرات 27 سبتمبر/ أيلول.
سألت: والباقون كذلك؟ سألني: ومن أنتِ على أي حال؟ عرفت نفسي وقلت إنني جئت من العنبر 240، وأرغب بشدة في معرفة إلى أين يذهب هؤلاء السجناء و السجينات؟ قال: إنهم يذهبون جميعاً ليوثقوا عهدهم وميثاقهم مع الله والشعب بدمائهم. قلت: هل يمكنك أن تخبرني بالمزيد؟ قال: أقول لكِ فقط إن كل هؤلاء يذهبون للإعدام. إنهم يلتحقون بحنيف والمؤسسين الشهداء لمنظمة مجاهدي خلق وهم يهتفون عاش رجوي، عاشت الحرية.
بعد دقائق، انتبه مستجوبي إسماعيل إلى حديثي مع هؤلاء السجناء، وبينما كان يهددني ويتوعدني، قال بابتذال خاص بأراذل وأوباش خميني: بعد دقائق معدودة، سيلتحق كل رفاقك بالجحيم وهم ينشدون ويرقصون. حبست أنفاسي في صدري. إذن هذه المجموعات المكونة من 15 – 20 شخصاً والتي جاءت وذهبت إلى هذا الممر تلو الأخرى منذ أول الليل، يُساقون جميعاً للإعدام؟! كنت لا أزال في حالة صدمة عندما صاح المستجوب: «يا حاجي تعال وخذ هذه المنافقة، لم يحن دورها بعد!» وتوجه إليّ قائلاً: «هل فهمتِ الآن؟ حسناً، اسأليني أنا لأخبركِ».
عندما كان ذلك الحاج اللعين يقتادني ويمر بي من جانب السجناء والسجينات الذين اصطفوا في طابور، عددتهم من تحت عصبة العينين. كانوا 45 شخصاً. كانت قدماي ترتجفان وقلبي يخفق بشدة. كنت أنوح في داخلي: يا إلهي، كيف يمكن أخذ هؤلاء وإعدامهم حتى دون استجواب ودون أن يعرفوا من هم حقاً! فالكثير منهم، كما قال لي الشخص الذي كان يجلس بجانبي، اعتُقلوا في الشارع لكونهم مشبوهين فقط.
عندما دخلت العنبر، كان الكثير من البنات مستيقظات وكان واضحاً أنهن قلقات. سألنني: أين كنتِ حتى تأخرتِ هكذا؟ هل حدث شيء؟ لم تكن لدي رغبة كبيرة في الكلام، ولكن عندما رأيت إصرار البنات، قلت: لم يكن هناك استجواب، لقد خدعتهم. ضحك الجميع، لكنهم تعجبوا من عبوسي وعدم ضحكي معهم. قالت سيمين هجبر [1] بتعجب: أعظم، ماذا حدث؟ لماذا لا تضحكين؟ فرويت لهن ما جرى.
مضت ساعتان أو ثلاث ساعات على منتصف الليل، ذهبت لأنام لكن النوم جافاني. كنت منتظرة وأفكر، وفجأة قطع صوت رمي الرصاص الرهيب سكون منتصف الليل في إيفين وحبس الأنفاس في صدري، ثم بدأت أصوات طلقات الرحمة. 1، 2، 3، 4… تجاوز صوت إطلاق الرصاص الـ 50 ثم… ساد الصمت مجدداً.
التفتُّ ونظرت خلفي فرأيت الجميع مستيقظين ومستلقين في أماكنهم. كنت لا أزال في حالة ذهول عندما سمعت فجأة صوت سيمين العذب وهي تبدأ في غناء أغنية لُرية. في البداية ظننت أنها مستلقية في مكانها وتغني. وعندما التفتُّ رأيتها مستلقية خلفي. لقد جاءت وحشرت نفسها وراء ظهري.
بعد أن أنهت أغنيتها قالت: أعظم، كنت أريد أن أغني هذه الأغنية لكِ أنتِ فقط الآن! وأنا سعيدة جداً لأجل أولئك الذين رحلوا. سألتها بتعجب: وما الذي يسعدكِ؟! قالت: سعيدة لأنني سألتحق بهم قريباً! اضطربت وقلت: سيمين، ألم تجدي كلاماً آخر لتقوليه؟ لكن لهجة سيمين وحالتها، بينما كانت تلك الابتسامة المحبوبة الدائمة تعلو شفتيها، كانت جادة وفي الوقت نفسه مبتهجة. ثم نهضت وذهبت لتنام في مكانها, لكن عاصفة كانت قد ثارت في داخلي.
لم نكن نبكي أبداً أمام أعين السجانين والحراس وأزلامهم الخونة داخل السجن بسبب إعدام هولاء السجناء و السجينات. لكنني في تلك الليلة وضعت رأسي تحت البطانية وبكيت بلا صوت. بكيت لأجل أولئك الذين أُعدموا رمياً بالرصاص قبل دقائق بتلك المظلومية، ولأجل سيمين التي كنت أعلم أنها ستُعدم هي الأخرى قريباً.
الفتاة دائمـة الابتسـام
كانت سيمين هجبر فتاة شابة سمراء وجميلة، تبدو في عمر 16-17 عاماً. كانت تمتلك صوتاً دافئاً وجذاباً. كانت عائلة سيمين من أهالي محافظة لرستان، بينما نشأت هي في طهران. اعتُقلت بتهمة مناصرة منظمة مجاهدي خلق. كانت تتمتع بروحية عجيبة، وكأنها لا تعرف معنى الخوف، لقد كانت بحق كالأسد.
كانوا يأخذون سيمين كل يوم للاستجواب، وكانوا يجلدونها كل يوم بلا استثناء، وكان لديها ما يشبه “الحصة اليومية”. ولكن عندما كانت تعود من الاستجواب، وبمجرد أن يُفتح باب العنبر وتطأ قدمها الداخل، كانت تبدأ بصوتها الدافئ ووجهها الضاحك في الغناء وإنشاد الأغاني اللُرية. وكأن شيئاً لم يكن، ولم يكن هناك أي تعذيب.
ذات مرة قلت لها: سيمين، إن مجيئكِ بهذا الشكل وبدئكِ في الغناء والضحك فوراً يجعلهم يؤذونكِ أكثر، اصمتي لبضع دقائق! ردت عليّ بالضحك وقالت: إما أن أهزمهم أنا أو يهزموني هم! لكنهم واهمون، أنا من سيهزمهم! سواء تلقيت مائة جلدة بالكابل أو ألفاً، سأغني مجدداً.
ذات يوم عندما ذهبت إلى الشعبة، وكانت إحدى البنات التي كانت في عنبر آخر ونعرف بعضنا تجلس في الممر نفسه تنتظر الاستجواب, سألتني: أعظم! هل سيمين في عنبركم؟ قلت: نعم، قالت: أتعلمين إنها شجاعة كالأسد! ذات يوم كانت تُجلد لساعتين كاملتين، وعندما أجلسوها بجانبي لأخذها إلى العنبر، رأيتها تضحك. سألتني: هل أخذتِ حصتكِ أنتِ أيضاً؟
قلت: ما هي الحصة؟ قالت: إن لدي حصة كل يوم، مثل الطعام! آكل هذه أولاً ثم أذهب إلى العنبر وآكل الطعام! جاء الحاج وقال لسيمين: يا فتاة، ألا ترتدعين رغم كل هذا الضرب الذي تتلقينه؟ ثم أوقفها واقتادها. كان الجميع في الشعبة يعرفونها، لأنهم أينما أجلسوها، كانت تبدأ في الحديث والسؤال والجواب لكي تحصل على أخبار جديدة.
بروحيتها الفيّاضة تلك، كانت تجذب الجميع إليها. وكان كل البنات يحببنها كثيراً. سيروس هجبر، الشقيق الأكبر لسيمين، كان قد استشهد تحت التعذيب في أحد سجون الشمال، في مدينة ساري. جلب البنات بلوزة له لسيمين. كانت ترتديها دائماً وتقبلها وتقول: أنا فخورة بأخي. لقد وفى بعهده وسأفعل أنا الشيء نفسه، لقد اتخذت قراري.
لم يقتدِ الجلادون سيمين من العنبر 240 إلى الإعدام مباشرة. بل نقلوها أولاً إلى العنبر 311 وظلت تحت تعذيب شديد لمدة شهر كامل. لم يكن الأمر يتعلق بالمعلومات أبداً. بل كانوا مستشيطين غضباً من عجزهم عن كسر مقاومة فتاة في عمر 16-17 عاماً. لكن سيمين هناك أيضاً حطمت رؤوسهم بصخرة صمودها. لقد زأرت كالأسد حتى اللحظة الأخيرة، وسجلت اسمها في قائمة شهداء مجاهدي خلق الأبطال.
ذات صباح، بعد أن سمعنا صوت رشق رصاص إعدام الأول والبنات في الفجر، تلا الراديو أسماء الذين أُعدموا. وكان اسم سيمين هجبر من بينها.
كانوا يبثون الراديو من مكبر صوت العنبر فقط في الأيام التي يُعلنون فيها أسماء المعدومين، ثم يغلقونه. كان الأغبياء يظنون أنهم بإعلان أسماء الذين أُعدموا رمياً بالرصاص يكسرون معنويات الباقين. ولكن مع إعلان اسم كل امرأة ورجل من المجاهدين، كنا نزداد ثباتاً على عهدنا.
في ذلك اليوم، عندما قرأوا اسم سيمين، قررت البنات إقامة مراسم لها. أقمنا لها مراسم بأداء الصلاة وتوزيع الحلوى. إن ذكرى سيمين الشجاعة، الصلبة، المتواضعة، والرحومة حية في نفسي دائماً وكأنها تجلس بجانبي الآن.
مؤخراً، عثرت في وثائق وحدة تحقيق الشهداء على خلاصات من ذكريات سجناء آخرين عن ليلة إعدامها. ومنها أن سيمين هجبر كانت من الطالبات الشغوفات في ثانوية ”هشترودي“، ورغم كل الجدية التي كانت تبديها في ساحة العمل، لم تكن الابتسامة تفارق شفتيها أبداً في الصعاب.
اعتُقلت في شهر أغسطس/ آب 1981 أثناء الأنشطة الدعائية ضد الانتخابات الرئاسية لرجائي. ورغم أنها كانت تملك معلومات كثيرة، إلا أنها لم تنطق بكلمة واحدة. في الليلة التي سبقت إعدامها، جلبوها إلى الغرفة المجاورة لنا. كانت تروي بصوت مرتفع لأمٍّ هناك أنهم سيعدمونها الليلة أو ليلة غد، وكانت تطلب من تلك الأم أن تأخذ قميصها تذكاراً لوالدتها عندما تُعتق.
كان جسد سيمين كله جريحاً من شدة التعذيب، وسقطت أظافر إبهاميها. كانت تقول بنفسها: انظروا ماذا فعلوا بقدميَّ، ويديَّ، ووجهي، وجسدي، ولكنني مع ذلك أخشى ألا أكون قد تمكنت من فعل ما ينبغي ويجب. ونُقل عن السيدة جواهريان، التي كانت مع سيمين في زنزانة واحدة في الليلة التي سبقت إعدامها، أن جسد سيمين كله كان جريحاً من شدة التعذيب وأظافر إبهاميها كانت ساقطة.
وفي عصر اليوم الذي سبق إعدامها، بدأت في قراءة زيارة عاشوراء، وغنت قصيدة “قبلني” بشكل جميل جداً، وتحدثت وضحكت كثيراً لدرجة أن الجميع كانوا ينظرون إليها بتعجب. وعندما نادوا باسمها كانت مستعدة، وقالت بضحك وسعادة: «خداحافظ، باي باي!»
[1] سيمين هجبر، كانت تبلغ من العمر 20 عاماً عند استشهادها، واستشهدت بتاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول 1981 في سجن إيفين.




















