كانت ناهيد تحصيلي، منذ بداية انتصار الثورة المضادة للشاه، إحدى الناشطات في القسم الطلابي المركزي في طهران الذي كان يمارس نشاطه مرتبطًا بمجاهدي خلق. وكانت آخر مَن وُلِد في عائلتها وكانت تبلغ من العمر 19 عامًا تقريبًا. واعتقلتها قوات حرس خميني بمعية شقيقتها الكبرى، فهيمة وشقيقيها حسين وحميد في أغسطس عام 1981 وزجوا بهم في السجون.
وكتبت إحدى زميلاتها في العنبر في مذكراتها: «رأيت ناهيد لأول مرة في بداية عام 1982 في سجن قزلحصار. وسرعان ما بُلِّغتُ بوضعها في أجواء العنبر المزدحم من خلال زميلاتي الآخريات. وبالإضافة إلى شخصيتها المحبوبة، جعلتها جرأتها وصرامتها في التصدي للسجَّانين وحراس العنبر شخصية من الشخصيات المميزة والجذَّابة بين السجينات. إذ كان تخطيطها الدقيق وصلابتها وجديتها في أداء المهام وصبرها ورصانتها وتواضعها مُعلمًا لنا إلى حد بعيد. وكنّا نرى آثار التعذيب على جسدها، حيث تلاشي باطن قدميها جراء ما تعرضت له من أشكال الجلد الوحشي لدرجة أن المعالجين في المركز الصحي بالسجن اضطروا إلى تلحيم باطن قدميها من جلد فخذيها لإصلاحه موضعيًا، ونتيجة لذلك، تجعَّدت ساقيها وتغير شكلها. بيد أن الروح المعنوية لناهيد ظلَّت على ما هي عليه روحًا نضالية ولم تستسلم في مواجهة هذه الصعوبات.
ونُقلت ناهيد لفترة إلى العنبر الـ 8 المخصص للعقاب في سجن قزلحصار. وبعد ذلك، قام حاج داوود رحماني بنقلها بمعية مجموعة أخرى من المجاهدات المسجونات، من أمثال مهدخت محمدي، وسبيدة زركر إلى غرفة التعذيب المروِّعة المسماة بـ ”القفص“ أو ”الحشر“ في الربع الثالث من عام 1983 لإجبارهن على الاستسلام. بيد أن ناهيد ورفيقاتها تحملَّن هذه الظروف القاسية لدرجة تفوق طاقة البشر لمدة تتراوح ما بين 6 إلى 7 أشهر وألحقن بالجلاد هزيمة منكرة.
وحكموا على ناهيد في الربع الثاني من عام 1984 بضرورة انتهاء فترة سجنها بحلول صيف عام 1986.
وكتبت إحدى زميلاتها في العنبر: «بدأت عاصفة القمع الجديدة المتوقعة تهب في بداية عام 1986 والربع الثاني من عام 1987. وتمت مناداة أسماء السجينات بالمجموعات لمعاقبتهن ونقلهن إلى سجن إيفين. ونُقلنا في مجموعة إلى أحد العنابر في سجن إيفين بمعية ناهيد تحصيلي، وزهرة حاج ميرإسماعيلي، وتهمينة ستوده، وفرشته حميدي. وانهال علينا مجتبي حلوائي، أحد جلادي سجن إيفين المجرمين والحراس بالضرب والسب منذ الساعات الأولى من وصولنا إلى هذا السجن. كما أننا لم نكن في مأمن داخل العنبر من هجوم قوات حرس نظام الملالي وعدد يُعد على الأصابع من الخونة واقتحامهم العنبر. وحاولنا في الأيام الأولى أن نقلل من خروجنا من الغرفة لنتجنب الاشتباك مع هؤلاء الأفراد المتغطرسات والهستريات. وكنّا عادة ما نخرج في مجموعة مكونة من فردين أو ثلاثة عند الضرورة، من قبيل الذهاب إلى المغسلة؛ لتأديبهن إذا لزم الأمر في حالة تجرؤهن واشتباكهن معنا. لهذا السبب، كنت أنا و ناهيد نتحرك سويًا في العنبر ممسكين ببعضنا البعض بإحكام.
واستدعوا ناهيد بمعية مجموعة أخرى للاستجواب في صيف عام 1986. والجدير بالذكر أن مَن تم استدعاؤهن إلى مكتب تنفيذ الأحكام هنَّ أولئك اللاتي انتهت مدة عقوبتهن. ومن بينهن سبيده زركر، وفروزان عبدي. وكان إطلاق سراحهن مرهون بإجراء مقابلة متلفزة، بيد أنهن جميعًا رفضن هذا الطلب.
واستدعوهن مرة أخرى بعد فترة وطلبوا منهن هذه المرة كتابة رسالة إجحاد خطية بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، بيد أنهن رفضن ذلك أيضًا. وطلبن منهن في المرة الأخيرة كتابة تعهُّد بعدم الانخراط في النشاط السياسي خارج السجن، غير أن البطلة ورفيقاتها رفضن أيضًا كتابة هذا التعهد، وتمت إعادتهن إلى العنبر.
ونقلوا ناهيد بمعية أكثر من مائة سجينة أخرى في خريف عام 1987 إلى القاعة رقم 1، وهي عبارة عن عنبر مخصص للعقاب ذات غرف مغلقة. والجدير بالذكر أن السجينات في هذا العنبر دائمًا ما يُحبسن في غرف وزنازين مغلقة، فضلًا عن أنهن محرومات من التهوية. هذا ولم يُسمح لهن باستخدام دورات المياه سوى 3 مرات في اليوم.
وكتبت إحدى زميلات ناهيد في العنبر في مذكراتها: ” عندما صدر الحكم بمنحي إجازة مؤقتة بعد 7 سنوات من السجن، وتحديدًا في منتصف مايو عام 1988، وتم إبلاغي بذلك، شققت طريقي بعناد من مكتب السجن إلى العنبر، بحجة تغيير ملابسي لكي أتمكن من توديع رفيقاتي المحبوبات في العنبر اللاتي كنَّا أصحاب ومتعاطفين مع بعضنا البعض على مدى 7 سنوات، الوداع الأخير. وركضت من هذه المسافة تجاه ساحة تهوية العنبر لعلي أرى رفيقاتي لآخر مرة ولو من خلف القضبان والنوافذ وأسمع أصواتهن. وفي خضم الجعجعة ورسائل رفيقاتي، صرخت ناهيد من فتحات التهوية المعدنية لنافذة زنزانتها، قائلةً: أرسلي سلامنا بوابل من الزهور.
وكانت ناهيد تحصيلي بمعية شقيقها حميد بين الـ 30,000 سجين سياسي الذين تم إعدامهم في مجزرة عام 1988 على أيدي لجنة الموت التي كان إبراهيم رئيسي عضوًا فيها تلبية لأمر خميني وتنفيذًا لفتواه الشيطانية؛ بتهمة الدفاع عن “الهوية السياسية” والإصرار على إرساء المثل الإنسانية والعقائدية، وأصبحوا من الخالدين في طريق تحرير شعوبهم.




















