ذكريات سجن أعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الثلاثون
تروي أعظم حاج حيدري في كتاب ثمن البقاء إنساناً ذكرياتها عن السجن ومقاومة النساء المجاهدات في وجه جلادي نظام خميني الإجرامي. وفي هذا القسم، تتحدث عن فرحة السجينات بعد سماع نبأ توجه قائد المقاومة السيد مسعود رجوي إلى العراق[1]، وعن الهجوم الوحشي للحراس لتحطيم معنوياتهن وتضامنهن؛ الهجوم الذي على الرغم من التعذيب والضرب وحرق الكتب، لم يستطع كسر إرادة السجينات.
يوم من الأيام الحلوة
كان من أجمل الأيام ذلك اليوم الذي دخلت فيه إلى العنبر مجموعة من الخائنات برفقة “عليزاده”، تلك المرأة من عناصر الحرس، وبدأن يصرخن: أيتها المنافقات، لا تقرأن بعد الآن اللغة الفرنسية، اذهبن واقرأن العربية! قائدكم ذهب إلى العراق!
وهكذا علمنا بخبر مغادرة “مسعود” إلى العراق. فامتلأ العنبر بالفرح والضجيج. ربما في تلك اللحظة لم نكن ندرك تمامًا المعنى السياسي لهذه المغادرة، ولا آثارها ونتائجها، لكن بمجرد أن سمعنا خبرًا عن قائد المقاومة ( مسعود رجوي) وعرفنا أنه بخير، غمرتنا السعادة.
وبعيدًا عن كل التحليلات والدوافع السياسية، كنا نستنتج من حالة الهياج والاضطراب التي أصابت الجلادين والخائنات أن هذا الأمر لا بد أن يكون في مصلحة الشعب والمقاومة، وإلا لما وصل بهم الأمر إلى هذا الحد من الجنون.[2]
وكان من أكثر تصرفاتهم غباءً أنهم اقتطعوا صورة قائد المقاومة من الصحف ولصقوها على جدار العنبر، وكأنهم أرادوا أن يثبتوا للأخوات أن الخبر ليس مجرد إشاعة أو كذبة.
وكانت الأخوات يأتين فی جماعات لرؤية تلك الصورة، وما إن تقع أعينهن عليها حتى تعانق بعضهن بعضًا من شدة الفرح، وتقبل بعضهن بعضًا، وتغلبهن الدموع من شدة الشوق والابتهاج.
أما العملیات اللواتي كن يتجولن في العنبر لكي يرفعن تقارير عن ردود الفعل على الخبر، فقد كن يكادن يختنقن من شدة الغيظ. كن يمررن بيننا ويلقين التعليقات الساخرة والاستفزازات محاولات إشعال شجار، وإدخال “حلوايي”[3] العميل، أي وحدة التدخل إلى العنبر، ليكدروا فرحة الأخوات.
لكن لم تكن أي واحدةٍ منا تلتفت إليهن. كنا منشغلات بمحاولة إيصال الخبر بطريقة ما إلى الغرفتين الأخريين، وكذلك إلى العنبر العلوي، لأننا كنا نخشى أن تؤدي رؤيتهن لرد فعلنا إلى منع وصول الخبر إلى بقية الغرف، أو أن يقمن بإزالة الصورة. لكن وبما أن الأمر كان قد جاءهن كتعليمات من الأعلى، فإن المرتزقات الموجودات في الساحة لم يكن يستطعن تغيير شيء.
وبالنسبة لنا، نحن اللواتي كنا محرومات من كل وسائل الحصول على الأخبار، فلا صحيفة تصل إلينا ولا زيارات، كانت مثل هذه التصرفات التي يقوم بها النظام بمثابة نعمة كبيرة بالنسبة لنا.
كان أحد الأيام الأخرى التي لا تنسى في هذه الفترة التي استمرت ستة أشهر، يومًا ساءت فيه حالة بعض الأخوات، وكنا نطرق الباب حتى تأتي إحدى عناصر الحرس وتأخذهن إلى الطبيب. في إحدى المرات جاءت “عليزاده”، وهي امرأة من عناصر الحرس في العنبر، كانت تحمل أحقادًا خاصة على الأخوات، وفتحت نافذة الزنزانة لترى من هن اللواتي يطرقن الباب. ذهبت ثم عادت مع إحدى عناصر الحرس، وفتحت الباب لكي تأخذ أولئك الأخوات إلى مدخل العنبر.
لكن الأخوات، اللواتي كن يطرقن الباب بالتناوب، لم يسمحن لـ”عليزاده” وعنصر الحرس المرافقة لها بسحبهن إلى الخارج. استمر هذا الصراع عدة دقائق، وانسحبت “عليزاده” خالية الوفاض وهي تصرخ من شدة الغضب.
كنا نعلم أن علينا أن ننتظر هجومًا عنيفًا من العميلات. ولم يطل هذا الانتظار أكثر من عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة. حيث فتح باب العنبر بعنف من جديد، ودخلت وحدة التدخل بقيادة “حلوايي” الجلاد المجرم، ومعها عشرين إلى ثلاثين عنصرًا من عناصر الحرس الرجال، بينما كانت مجموعة من الخائنات ترافقهن أيضًا. دخلن إلى العنبر وهن يصرخن كالمجانين.
ما إن دخلوا حتى بدأوا، بالعصي والسياط التي كانت في أيديهم، بضرب القضبان والأبواب والجدران، محاولين رفع أجواء الرعب إلى أقصى حد عبر خلق ضجيج وفوضى عارمة. ثم فتحوا أبواب الغرف الثلاث، وانقضوا على السجينات العزل، وبدأوا بضرب الأخوات بالكابلات والهراوات واللكمات والركلات، وفي الوقت نفسه كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم بالشتائم البذيئة التي تليق بهم.
كنا محاصرات ولم يكن أمامنا طريق للفرار. أينما حاولنا الابتعاد، كانت إحدى العميلات تقف هناك وتقذفنا من جهة إلى أخرى بالكابل أو الهراوة أو باللكم والركل. كنا ندور مثل الكرة في أيديهن. كانوا يضربوننا بوحشية شديدة، حتى إن عددًا من الأخوات فقدن الوعي وسقطن على الأرض من شدة الضربات.
وبعد نحو ساعة من الضرب المتواصل، وبالتزامن مع تلك الشتائم، هاجموا أيضًا أكياسنا وأغراضنا القليلة، وقلبوها على الأرض بطريقة وحشية وغير مسبوقة. كانوا يسحبون كل شيء ويمزقونه ويكسرونه. كانوا يرمون المواد الغذائية على الأرض، ويدوسون عليها بأرجلهم ويدمرونها. كان واضحًا أنهم يريدون إخضاعنا وجعلنا نندم على ما قمنا به.

بعد أن ألقوا جميع الأغراض على الأرض ونشروها في كل مكان، اقتادوا الجميع إلى ساحة العنبر تحت ضربات الهراوات، وأوقفونا في صفوف حول ساحة العنبر. جلبوا مقعدًا إلى وسط الساحة لكي يجلدوا أمام مرأى الجميع ثلاث من الأخوات اللواتي كن يكن لهم أكبر قدر من الحقد، وهن “سولماز عزيزي” و”أعظم طاق دره”، و”رضية آيت الله زاده شيرازي“، اللواتي أعدمن جميعًا لاحقًا على يد عملاء النظام.
وهنا تجلت من جديد وحدة الأخوات ومقاومتهن، فقد كنا نحو 150 شخصًا، أدرن جميعًا وجوههن نحو الجدار ووقفن. وعندما واجه عملاء النظام الذين تجاوز عددهم ستين شخصًا هذا المشهد، ذهلوا وصدموا لبضع دقائق في البداية، ثم عاودوا الهجوم علينا بضراوة وهيستيرية أشد من السابق؛ فإنهالوا علينا باللكم والركل والسياط والهراوات على رؤوسنا ووجوهنا، وهم يطلقون صيحاتهم البشعة ويصبون علينا ما في جعبتهم من شتائم.
استمر هذا الضرب الوحشي قرابة ساعتين حتى حلول الظلام. وبسبب تلك الضربات القاسية كان الدم يسيل من رؤوس ووجوه الأخوات. كانت الأجساد كلها مغطاة بالكدمات والرضوض، وكان عدد من الأخوات قد أصبن بجروح شديدة في الرأس واليدين والأرجل، كما فقدت بعضهن الوعي وسقطن على الأرض.
لم يكتف الجلادون بكل ذلك. فقد أعادوا الجميع مرة أخرى إلى الغرف، وأغلقوا الأبواب، وحرمونا حتى من فترة التشمس اليومية الوحيدة التي كانت متاحة لنا.
ثم جاء بعد ذلك دور الكتب؛ فلم يكن قد بقي منها سوى بضعة مصاحف وبعض الكتب الدينية والمعاجم. جمعوا كل شيء وألقوه في ساحة العنبر، ثم سكبوا عليه النفط وأضرموا فيه النار. إن أولئك الذين كانوا يزعمون أنهم حماة الدين ومدافعون متشددون عن الإسلام، لم يترددوا حتى في إحراق المصاحف! وفي ذلك اليوم، شاهدنا من خلف القضبان احتراق المصاحف إلى جانب بقية الكتب. ولكن عناصر الحرس الهمجيين، رغم ذلك المستوى من الوحشية، لم يستطعوا الوصول إلى الكتب التي كانت ذات قيمة كبيرة بالنسبة لنا والتي كنا نحبها ونطالعها، والتي كانت موجودة في العنبر قبل20 يونيو/ حزيران 1981، وقد أخفيناها في أماكن آمنة.
وبعد هذا الهجوم الوحشي، ورغم أجسادنا المليئة بالكدمات والجروح والرضوض، كانت معنوياتنا عالية وكنا نشعر بالنصر والفخر؛ إذ لم نسمح لعناصر الحرس المجرمين بأن يمرروا ويكرسوا أسلوبًا لا إنسانيًا للغاية من الإذلال والتعذيب، أي جلد سجينات أمام مرأى الأخوات وبذريعة اتهامات أخلاقية دنيئة.
كانت لحظات النصر تلك حلوة إلى درجة جعلت كل ذلك الضرب والتعذيب والإهانة يبدو ضئيلًا أمامها. كان الضرب والتعذيب كزبدٍ عابرٍ على سطح الماء. عندما كانوا يخرجون من العنبر، كنا جميعًا نبدأ بالكلام والضحك وسرد ما الذي حدث لكل واحدة منا وما الذي مرت به.
هذه الروح المليئة بالحياة والنشاط لم تكن تتسع في نظرة خميني، وكانت تصرفات الأخوات تغرس في قلوبهم مثل خنجر. ولهذا السبب كانوا يأخذون الأخوات بشكل متكرر إلى الاستجواب بسبب التنظيمات والنشاطات داخل العنبر، وكانوا أثناء ضربهم يقولون: قلن من هي قائدتكن؟ من التي توجهكن لكي تقمن بهذه الأعمال وتجعلن أنفسكن بائسات؟ ونحن كنا نبتسم في أعماقنا سخرية من الجلادين ونقول: سنجعلكم عاجزين بائسين.
وحتى اليوم، أشعر بالفخر لأنني عشت تلك السنوات بين أولئك الأخوات. كم هي الأماكن فارغة من وجود كل واحدة منهن. لا أعرف، وربما تكون أماكنهن قد امتلأت أيضًا. فكل الأخوات اللواتي هن اليوم في جيش التحرير، قد نبتن على الجذور نفسها التي سقينها في ذلك اليوم بدمائهن، وملأن أماكنهن.
وحتى اليوم، أعتز وأفخر بأنني عشت تلك السنوات وسط أولئك الأخوات. كم نفتقد كل واحدة منهن! لا أدري، وربما لا يكون هناك فراغ أصلًا؛ فكل الأخوات اللواتي ينتمين اليوم إلى جيش التحرير الوطني الإيراني، إنما نبتن من الجذور نفسها التي سقينها يومها بدمائهن، وملأن أماكنهن.
يتبع
[1] توجه مسعود رجوي من باريس إلى العراق، (7 يونيو/حزيران 1986)، والمعروف في أدبيات مجاهدي خلق وأنصارهم بالرحلة التاريخية، وهو حدث غادر فيه مسعود رجوي باريس متجهاً إلى بغداد على متن رحلة خاصة. وقد تمت رحلة مسعود رجوي إلى بغداد بعد سلسلة من الأحداث استمرت عشرة أيام. وأعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أنه من أجل إحباط مؤامرات العدو من جهة، ومن جهة أخرى تلبية لمتطلبات المرحلة الجديدة من التحضير لانتفاضة، تم نقل مقر إقامة السيد مسعود رجوي، رئيس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، من أوروبا إلى الأراضي العراقية.
وفي أبريل من نفس العام، انفجرت قنبلة على بعد بضع مئات من الأمتار من مقر إقامة مسعود رجوي. وقبل سفر مسعود رجوي إلى العراق، أطلقت الجمهورية الإسلامية حملة ضغوط على الحكومة الفرنسية بسبب إقامة مسعود رجوي في هذا البلد. كما بذلت جهود لتنفيذ عمليات إرهابية في هذا البلد استهدفت حياة مسعود رجوي ونسبت إلى النظام الإيراني. وفي مثل هذه الظروف قرر مسعود رجوي، وفقاً لما أعلنه المجلس الوطني للمقاومة، الانتقال إلى هذا البلد لإحباط هذه الخطط ومن جهة أخرى لتنظيم جزء كبير من القوات العسكرية لمجاهدي خلق الإيرانية المتواجدة على الحدود الإيرانية العراقية.
[2] بعد توجه مسعود رجوي إلى الأراضي العراقية، مهّد المقدمات لتشكيل جيش التحرير الوطني الإيراني، وفي 20 يونيو/ حزيران 1987، أعلن تشكيل جيش التحرير.
[3] تولى مجتبى حلوايي منصب معاونة الأمن في سجن إيفين. وكان من العناصر الرئيسية المنفذة للإعدامات في أوائل الثمانينات. وقد كان من العناصر الفاعلة في عصابة لاجوردي ومن المقربين إليه، حيث شارك بفعالية منذ أوائل عام 1981 في اعتقال وتعذيب وإعدام الآلاف من السجناء السياسيين. وخلال مجزرة السجناء، كان له الدور الرئيسي في اختيار السجناء لإرسالهم إلى المحكمة والإعدام، ومارس نفوذه في هذا المجال.









