عندما يُجبر الوليّ الفقيه للنظام على الاعتراف، فهذا يعني أن حجم الجريمة خرج عن السيطرة. ففي خطاب ألقاه علي خامنئي يوم 17 يناير/كانون الثاني 2026، أقرّ بمقتل «عدة آلاف» من الأشخاص، لكنه سارع إلى قلب الحقائق ومحاولة نسب هذه «المجزرة» إلى الولايات المتحدة.
اعتراف خامنئي بالمجزرة: محاولة لتحميل المسؤولية على الولايات المتحدة
غير أن هذا الاعتراف غير المقصود يشكّل ختمًا رسميًا على ما كتبه الشعب الإيراني بدمائه في الشوارع: ارتكاب جريمة ضد الإنسانية على نطاق واسع.
بعد يومين فقط، في 19 يناير 2026، استكمل محسني إجئي، رئيس السلطة القضائية في النظام، حلقة الجريمة. إذ أصدر أوامر للقضاة بتسريع إصدار الأحكام بحق المحتجين، وهو ما لا يعني سوى إلغاء المحاكمات العادلة وتهيئة الطريق للإعدامات والأحكام القاسية. وهكذا ارتبط قتل جماعي في الشوارع بمجزرة قضائية منظّمة.
في الوقت نفسه، يسعى نظام الملالي إلى التعتيم على أبعاد الكارثة عبر قطع واسع للإنترنت الدولي. وقال المتحدث باسم حكومة بزشكيان، بوقاحة واضحة، للصحفيين:
«لا تنتظروا الإنترنت الدولي حتى عيد النوروز. عليكم التكيّف مع الوضع القائم». (ميزان – 16 يناير 2026)

اعتراف من داخل الإعلام الرسمي
رغم الرقابة، كان حجم القتل كبيرًا إلى درجة أن حتى وسائل الإعلام الحكومية عجزت عن الصمت. فقد اعترف التلفزيون الرسمي، في مقابلة نادرة، بترك أعداد كبيرة من جثامين الضحايا ملقاة في الطب الشرعي بكهريزك.
المذيع: لماذا تبدو الأوضاع هناك بهذه الطريقة؟ لماذا تُترك الأكياس والجثث على الأرض؟
أحد مسؤولي مشرحة كهريزك: ما حدث يوم الخميس كان صادمًا، فمعظم هؤلاء يعودون إلى ضحايا الخميس 8 يناير 2026… كان الناس يبحثون بأنفسهم عن جثامين ذويهم، وبعضهم لم يجدها حتى يوم الثلاثاء. أشعر أن الطب الشرعي لم يكن مستعدًا لمثل هذا الحجم… الجميع كان مصدومًا ومذهولًا. (تلفزيون النظام – 16 يناير 2026)

إطلاق النار على القلب والرأس والعين
تشير التقارير الميدانية إلى أن عناصرالحرس وقوات خامنئي بالوكالة حوّلوا الشوارع إلى ساحات قتل: رجال ونساء ومراهقون وحتى أطفال عُزّل قُتلوا بالرصاص؛ أُطلقت النار من مسافات قريبة على الرأس والرقبة والقلب والعينين؛ قُتل طفل في الخامسة من عمره بين ذراعي أمه؛ أُطلق الرصاص من فوق الأسطح والجسور؛ اقتُحمت المستشفيات، واعتُقل الأطباء والطواقم الطبية، وأُعدم الجرحى ميدانيًا.
وأكد طبيب في طهران، شاهد الأحداث مباشرة، أن القوات الأمنية هاجمت حتى سيارات الإسعاف التي تنقل الجرحى، وأطلقت النار عليهم مباشرة. وقال إن قوات القمع استخدمت «كل وسيلة ممكنة» لقتل الناس خلال هذين اليومين.
واضطرت بعض العائلات، خوفًا من اختطاف جثامين أبنائها، إلى دفنهم في ساحات منازلهم. أما الصور المسرّبة من كهريزك ومقبرة بهشت زهرا فلا تمثل سوى جزء ضئيل من الحقيقة المخفية بفعل قطع الإنترنت.
شبهات استخدام مواد كيميائية
في تطور بالغ الخطورة، ظهرت أدلة تشير إلى احتمال استخدام النظام لعوامل كيميائية ضد شعبه. فقد أفادت مجلة نيوزويك بأن بيل راميل، النائب البريطاني السابق، استند إلى «تقرير موثوق» من مصادر إيرانية – كردية يفيد باستخدام «مواد كيميائية سامة» لقمع الاحتجاجات، ما تسبب بإصابات خطيرة ووفاة بعض الضحايا بعد أيام.
آلة القضاء القمعية
بالتوازي، منعت السلطة القضائية المحتجزين من توكيل محامين يختارونهم. وأمر محسني إيجئي بتسريع إصدار الأحكام ضد المحتجين، في خطوة اعتبرها مراقبون تمهيدًا لإصدار أحكام قاسية، بما فيها الإعدام.
دوليًا، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم 2 يناير 2026، إلى «تحقيقات فورية ومستقلة وشفافة» بشأن الوفيات المرتبطة بالاحتجاجات، محذرًا من أن «الإفلات من العقاب يكرّس دائرة العنف».
تحذيرات خبراء الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية
في بيان صدر في جنيف بتاريخ 13 يناير 2026، دان خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة استخدام «القوة المميتة والمفرطة» ضد متظاهرين سلميين في الغالب، بما في ذلك الرصاص الحي والكرات المعدنية واقتحام المستشفيات واعتقال الأطفال.
وكتبت الدكتورة ماي ساتو، المقررة الخاصة للأمم المتحدة:
«وصف المتظاهرين السلميين بالإرهابيين أو المشاغبين أو المرتزقة خطاب خطير يهدف فقط إلى تبرير القمع الوحشي. وبسبب قطع الاتصالات، لا يزال العدد الدقيق للضحايا مجهولًا، لكنه على الأرجح بالآلاف أو أكثر. ومع ذلك، فإن مقتل شخص واحد فقط هو أمر خطير وغير مقبول. ورغم القيود والمخاطر الجسيمة، يواصل الشعب الإيراني إظهار شجاعة استثنائية في نضاله من أجل حقوقه الأساسية».
وأعلنت منظمة العفو الدولية في 14 يناير 2026 أن السلطات في إيران «ارتكبت عمليات قتل جماعي وغير قانوني على نطاق غير مسبوق». وقالت أنييس كالامار، الأمينة العامة للمنظمة:
«يجب أن تنتهي هذه الدوامة من إراقة الدماء والإفلات من العقاب. فمنذ 8 يناير 2026، لم يسبق أن بلغ القمع هذا المستوى من الشدة والاتساع».
ردود الفعل الأوروبية
في أوروبا، أدان مستشار النمسا كارل نيهامر القمع الدموي، قائلًا: «النظام في إيران وحشي وقاسٍ ومرعب، ولا يتردد في استخدام العنف ضد شعبه».
كما حذّرت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، من «استخدام القوة المميتة ضد الإيرانيين الشجعان».
وفي البرلمان الألماني، أكد يوناس فولكس أن «النظام الذي يحافظ على سلطته بإطلاق النار على شعبه يفقد شرعيته الدولية».
العالم لا يملك حق اللامبالاة
في رسالة وقّعها 14 من القادة الأوروبيين السابقين إلى قادة الاتحاد الأوروبي، جاء فيها:
«نطالب الاتحاد الأوروبي بالاعتراف بحق الشعب الإيراني في مقاومة الاستبداد وبناء جمهورية ديمقراطية».
هذه المذبحة، رغم فظاعتها، ليست نهاية الطريق. لا يحق لنا أن نكون غير مبالين. فهذه المعركة ليست معركة إيران وحدها، بل معركة عالمية من أجل الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة.




















