مجزرة 1988 لا تزال لغزاً لم يُحل بعد. في تلك المجزرة، التي شملت بشكل رئيسي السجناء السياسيين من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وبدأت في 19 تموز/يوليو 1988، ارتكب نظام الملالي جريمة غير مسبوقة ضد معارضيه السياسيين.
كان خميني المجرم قد أصدر فتوى المجزرة بخط يده ودون ذكر التاريخ مقدماً. وكان يهدف إلى إتمام المذبحة غير المكتملة بحق مجاهدي خلق في عامي 1981 و1982. وفي تلك الفتوى، أمر خميني بقتل جميع السجناء السياسيين من مجاهدي خلق المتمسكين بموقفهم، وكتب: «…أولئك الذين يصرون ويستمرون في السجون في جميع أنحاء البلاد على موقفهم النفاقي، هم محاربون ومحكومون بالإعدام… الرأفة بمجاهدي خلق تعد سذاجة… وكل من في أي مرحلة كان إذا بقي على النفاق فحكمه الإعدام. دمروا أعداء الإسلام سريعاً!…»
بعد ذلك، حاول خميني ونظامه من خلال قطع اتصالات السجن بالعالم الخارجي وفي ظل صمت وتستر ورقابة مطلقة ألا يعلم أحد بتلك المجزرة. لكن قائد المقاومة السيد مسعود رجوي حذر في 31 آب/أغسطس 1988 في برقية وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، السيد خافيير بيريز دي كوييار، بشأن مجزرة السجناء السياسيين التي ارتكبها خميني.
أعلنت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية حتى الآن عن إحصائية تضم 30 ألف شهيد مجاهد خلق في مجزرة عام 1988. وقد نُفذت هذه المذبحة القاسية ضد جميع السجناء المتمسكين بموقفهم الذين لم يتخلوا عن هوية مجاهد. كما أُعيد اعتقال السجناء المجاهدين الذين انتهت أحكامهم وكان من المفترض أن يفرج عنهم، بل وحتى السجناء الذين أُفرج عنهم سابقاً، لكي يعلنوا عن هويتهم.
تقرؤون في النص الحاضر جانباً من الحقيقة المريرة لمجزرة عام 1988 على لسـان السيدة بتول ماجاني (سجينة سياسية سابقة) التي أُعيد اعتقالها خلال فترة المجزرة. وقد أدلت السيدة بتول ماجاني في اتصال مع سيمای آزادي (قناة تلفزيونية فضائية لمقاومة إيران)، بمشاهداتها حول مجزرة السجناء المجاهدين في عام 1988، والتي تقدم صورة كاملة عن هذه الإبادة الجماعية والجريمة ضد الإنسانية.
تجدر الإشارة إلى أن سبعة أفراد من عائلة السيدة ماجاني تم إعدامهم على يد نظام الملالي. لقد قضت 7 سنوات في أسر سجون نظام خميني وتم اعتقالها أربع مرات بما في ذلك في عام 1981 وحزيران/يونيو 1982. وقد ذاقت طعم التعذيب الوحشي لعناصر حرس خميني في السجن وشاهدت حقائق صادمة خلال فترة أسرها والتي تشرح بعض جوانبها في المقال التالي:
شهداء عائلة بتول ماجاني
استشهد خالي ”علي خرقاني“ تحت التعذيب في عام 1981. وكان قد قضى قبل ذلك مدة 5 سنوات في سجون الشاه. وأُعدم ابن خالتي أحمد محمدي في عام 1981. وبالمثل كان غلام رضا محمدي، وعبد الرسول ماجاني، وزهرا ناظمي من بين الأشخاص الذين أُعدموا في مجزرة عام 1988. وكان أمير وفرح آقايان شقيقاً وشقيقة وكانا ابنة خالة وابن خالة لي. كانت فرح في سجن إيفين بينما كان أمير وزهرا ناظمي في سجن سمنان.

شقيق بتول
وبناءً على رواية أحد أقاربي الذي كان في سجن سمنان، فمن بين أولئك الأربعين شخصاً الذين كانوا هناك، أُعدم 37 شخصاً. ومن بينهم زهرا ناظمي التي كان حكمها 5 سنوات وأمير آقايان الذي كان حكمه 3 سنوات. أما الأشخاص الثلاثة المتبقون فقد كانوا على قائمة الانتظار، ولكن بسبب تلك التصريحات للسيد منتظري، توقف هؤلاء عن ذلك. وعندما أبلغوا والد فرح وأمير بنبأ إعدام ولديه أصيب ذلك الرجل المسكين بسكتة دماغية في نفس المكان وتوفي.

المجزرة وإعادة اعتقال السجناء المفرج عنهم
كنت في بيتي يوم 27 تموز/يوليو 1988 عندما داهمت قوات الاستخبارات منزلنا وبعد قلب محتويات البيت رأساً على عقب أخذوني معهم. وعندما وصلت إلى رأس الزقاق رأيت أنهم أحضَروا حافلة صغيرة (مينيبوس) معهم وبأيديهم قائمة تضم أسماء السجناء المفرج عنهم.
أعطوني عصبة للعينين وأركبوني الحافلة الصغيرة، ومن هناك راحوا يتنقلون من حي إلى حي، ومن عنوان إلى عنوان، واعتقلوا الشباب والفتيات الذين أفرج عنهم وكانوا سجناء سابقين من منازلهم، وعندما امتلات الحافلة نقلونا ليلاً إلى سجن اللجنة المشتركة. ومن اليوم التالي أخذونا للتحقيق، وتجدد الضرب، والتعذيب، وما إلى ذلك…
بقينا أسبوعين في اللجنة المشتركة، وبعد أسبوعين نقلونا إلى سجن إيفين إلى عنبر”آسايشكاه“ والذي كان بأكمله زنزانات انفرادية. وبعد يومين قضيناهما هناك نادوا علينا وقالوا استعدوا للمحكمة.
عندما خرجت من الزنزانة رأيت أعداداً كبيرة جداً من الشباب والفتيات يصطفون في طوابير. استغربت. لأنني في السنوات السابقة والدورات السابقة التي ذهبت فيها إلى المحكمة لم يكونوا يأخذون أحداً إلى المحكمة هكذا بشكل جماعي. وبمجرد وقوفنا خلف بعضنا البعض معصوبي الأعين، سألت الأخت التي كانت أمامي: ما الخبر هنا؟ فقالت إنهم يأخذوننا إلى المحكمة من أجل المجزرة. فقلت: كيف ذلك؟ ماذا حصل؟ فقالت: من أين أتيت لكي لا تدرين بالخبر؟ فقلت: لقد أخذوني من بيتي وأتوابي.
بعد ذلك سألت عن ابنة خالتي فرح آقايان. فقلت: كيف حالها، ألديك خبر عنها؟ فقالت تلك الأخت: نعم، كنَّ في غرفة مغلقة، وكانت هناك 35 فتاة من الصامدات وكان الحرس يذهبون إلى غرفتهن باستمرار ويعتدون عليهن بالضرب بالحذاء العسكري والهراوات وما شابه ذلك، ثم أخذوهن جميعهن. كنَّ من بين المجموعة الأولى التي غادرت العنبر وأُعدمن جميعهن.
ذهبنا معاً ووصلنا إلى قاعة رأيت فيها حشداً كبيراً من الناس هناك. قسم للأخوات وقسم للإخوة. وكان العدد كبيراً جداً لدرجة أنهم أجلسونا في صفين أو ثلاثة صفوف أمام بعضنا البعض. ثم كانوا يأخذوننا واحداً تلو الآخر إلى المحكمة ويعيدوننا ويصطفون بنا في الخارج.
وعندما ذهبت أنا، قرؤوا ملفي وبدأوا بالصراخ والجلبة قائلين: «هذه منافقة، أُعتقلت عدة مرات، وذهبت ثم عادت مرة أخرى…».
بعد أن أخرجوني، أخذوني إلى الزنزانة. كان المسار من تلك القاعة يؤدي إلى ممر، وكانت نهاية الممر ممتلئة بالزنزانات القديمة حيث كانوا يضعون كل واحد منا في تلك الزنزانات بعد المحكمة.
وعندما نظرت داخل الزنزانة رأيت أن عدداً كبيراً من رفاق الدرب كتبوا أسماءهم على الجدار مع تاريخ ونصوص أو أشعار أو شيء ما وودعوا الحياة. كان هذا مشهداً مؤلماً للغاية. كان الجدار مليئاً وكان واضحاً أن أشخاصاً كثيرين قد دخلوا هذه الزنزانة وذهبوا.
في وقت متأخر من الليل أعادوني مرة أخرى إلى عنبر”آسايشكاه“.
إعدامات خاطئة!
أريد أيضاً أن أروي ذكرى عن زوجي المرحوم ”حميد خلاق دوست“ والذي رواه لي بشأن المحكمة. كان حميد يقول إن اليوم الذي أخذوهم فيه إلى المحكمة، كانوا يقولون عن أحد الجانبين إن هؤلاء هم صف المحكومين بالإعدام، والجانب الآخر هو صف أولئك الذين يجب أن يذهبوا إلى العنبر. وقال إنه عندما ذهب إلى المحكمة وعاد، أجلسوه في صف المحكومين بالإعدام.
وبعد فترة جاء حرس آخر وقال: «أولئك الذين جلسوا على هذا الجانب فليذهبوا إلى الجانب الآخر وأولئك الذين في الجانب الآخر فليأتوا إلى هذا الجانب»، وقام بتبديل الجميع. وبعبارة أخرى، هكذا حدث أن أولئك الرفاق الآخرين أُخذوا للإعدام بينما أُعيد الصف الذي كان حميد فيه إلى العنبر. وبعد انتهاء موعد الإعدامات، ذهب ناصريان (محمد مقيسة) الملعون إلى العنبر ورأى حميداً، فقال له: «لماذا أنت حي؟ ألم يُفترض أن تُعدم الآن؟».
زهراء كيائي، مراهقة متمسكة بموقفها
من الذكريات التي لدي هي عن زهراء كيائي. ففي عام 1982 عندما كنت في ممرات سجن إيفين، احتجزوني لمدة 9 أيام ليلاً ونهاراً خلف باب المعتقل. وفي إحدى تلك الليام أحضروا فتاة شابة تبلغ من العمر 19 عاماً وكانت قد مُزقت قدماها بالسياط. فقلت لها: ضعي قدمك على ركبتي لكي أفركها لك. دلّكت قدميها قليلاً وهدأتها بعض الشيء. فقالت زهراء: ليس لدي ما أربط به شعري. فقلت لها إن لدي غطاء رأس ومشبك شعر. ويمكنني أن أعطيك أحدهما، وأعطيتها مشبك الشعر لتربط به شعرها.
وفي وقت لاحق عندما رأيت زهراء كانت تقول إنه بعد تلك الليلة أخذوها وعذبوها كثيراً لدرجة أن عظمة قدمها كانت ظاهرة من باطن قدمها. التقينا مرة أخرى في المستوصف. لأن قدماي كانتا مجروحتين أيضاً وبقيت شهرين في المستوصف. وكانوا يأخذونها للعملية الجراحية. ثم قالت لي: يا بتول انتبهي، عندما أعود من العملية تعالي سريعاً واجعليني أنتبه. إنهم يأخذونني للعملية وعندما يخدّروننا يأتون لينتزعوا منا اعترافات لنقول أشياء لم نكن قد قُلناها، وعلينا أن ننتبه سريعاً لأنهم فعلوا ذلك في المرة السابقة.
كان حكم زهراء كيائي هو الإعدام. وكانوا يضغطون عليها دائماً لتجري مقابلة لكي يُخفّف حكمها. لكنها لم تستسلم، وقاومت وقاومت حتى تحول حكمها بعد ثلاث أو أربع سنوات من الإعدام إلى 15 عاماً، ولكنهم أعدموها لاحقاً في مجزرة عام 1988 عن عمر يناهز 25 عاماً.
ناهيد افشار، المراهقة المنظمة
إحدى الفتيات اللواتي كنَّ من الشابات المنظمات ومن معتقلي 27 أيلول/سبتمبر 1981، وكان عمرها 12 عاماً وقت الاعتقال. كان اسمها ناهيد افشار. وكانت تقول: لقد أُعتقلت مع صديقتين لي وكان عمر كل منهما 14 عاماً. أعدموا هاتين الصديقتين وأبقوا عليَّ.
كانوا يأخذونها ويضربونها. وروت مرة أنه عندما كانت تحت التعذيب، ولكي لا يضربوها بعد الآن، قالت إن قلبي يؤلمني. فقال لها المحقق: أي جانب قلبك؟ فأخطأت ناهيد وقالت الجانب الأيمن، لأنها لم تكن تعرف في أي جانب يوجد القلب. فقال لها المحقق بوقاحة عندئذٍ: سأضربك الآن لكي يؤلمك قلبك وتعرفي في أي جانب هو.
لقد ضغط محققو التعذيب كثيراً على ناهيد لكي يكسروها. وحسب قولها، أخذوها حتى إلى منزل أحد الحرس لمدة 9 أشهر وأبقوها هناك ليعملوا عليها ولكنها عادت بموقفها الصامد.
كانوا يحتفظون بهذه الفتاة طوال الوقت في العنبر 246 السفلي حيث كانت إحدى غرفه خاصة بعنبر المرتزقة والخونة المقطوعين، ليعملوا عليها ويكسروها. لكنها كانت كلما وجدت فرصة تأتي مسرعة نحو غرفنا.
حكموا عليها بالإعدام وهي مثل زهراء كيائي قاومت لعدة سنوات. وكانت تكبر هناك في السجن. وبعد فترة حكموا عليها بـ 15 عاماً. واليوم الذي صدر فيه هذا الحكم فرحت الفتيات واحتفلن كثيراً بأن هذه الفتاة قد نجت. ولكن للأسف أعدموا ناهيد افشار أيضاً في مجزرة عام 1988.
من بين 1200 سجينَة، بقي 80 شخصاً فقط!
عندما ذهبت إلى السجن في عام 1982، كنا في عنبرنا 1200 سجين، وعندما ذهبت إلى العنبر في عام 1987 رأيت أنه لم يتبق من كل ذلك الحشد سوى 80 شخصاً فقط. وفي أول زيارة جاءت والدتي مرتدية ملابس سوداء برفقة إخوتي وقالت إن 5 أفراد من عائلتنا استشهدوا في هذه المجزرة.
وفي النهاية أقول إن عائلتي عندما تم استدعاؤهم لاستلام أغراض الشهداء وأنهم أرادوا أخذ تعهد منهم بعدم إقامة مراسم، لم تقبل عائلتي ولم توقّع، و من حسن الظن جاءوا إلى المنطقة، وأضاؤوا الشوارع وزينوها بالورود طوال أسبوع كامل، وأصبح منزلنا مقراً للعائلات التي فقدت أحباءها ولم تكن قادرة على إقامة مراسم.
وقد قالوا إنه في حينا أُعدم 60 طفلاً وشاباً.
وكانت والدتي تروي أن الجميع كانوا يأتون إلينا لإقامة العزاء. وكانت والدتي تصرخ قائلة: «حسين عصري هو رسول، وزينب الأسيرة هي بتول!»
بعد ذلك استدعاني المحقق وقال لي إن والدتك هذه قد أخرجت عقلنا. فقلت له: لقد أعدمتم طفلها، فماذا تتوقعون منها؟!



















