مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنسانا – الجزء الثالث عشر
في هذا العدد من سلسلة مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري المنشورة في كتاب ثمن البقاء إنسانا، تروي الكاتبة ذكرياتها عن المقاومة داخل السجن من خلال إقامة مراسم عيد النوروز عام ١٩٨٢، الأمر الذي أدى إلى تحملها صنوفاً من التعذيب الدنيء على أيدي قوات حرس النظام. كما تستحضر ذكريات عن المجاهدات الشهيدات والمقاومات، وفي مقدمتهن معصومة عضدانلو.
وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمرها، وقد خطت خطواتها الأولى في مسار النضال. أمضت ٥ سنوات في سجون وزارة العدل المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهر دشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حرس خميني.
من هو “المنافق”؟
على الرغم من كل إجراءات الجلادين لمنع إقامة العيد، أقيمت مراسم نوروز ١٩٨٢ في الغرفة ١ بالعنبر ٢٤٠ في سجن إيفين، وفي الغرف الأخرى، وحسب علمي، في جميع عنابر إيفين التي كان يتواجد فيها السجناء من منظمة مجاهدي خلق. تضمنت البرامج التي نُفذت في غرفتنا أداء عدة رقصات شعبية، منها الرقصة الكردية والرقصة الآذرية. وبينما كانت إحدى الأخوات الكرديات تؤدي الرقصة الكردية، اقتحمت السجانات، ومن بينهن علي زاده، العنبرفجأة.
ولفت علي زاده شعر تلك الأخت الجميل -الذي لم تقصه حتى في السجن وكان يصل إلى خصرها- حول يدها، وأرادت سحلها إلى خارج العنبر لضربها وتعذيبها، لكنها واجهت مقاومة واحتجاجاً من جميع الفتيات. من جهة كانت السجانات الثلاثة يسحبونها، ومن جهة أخرى كانت الفتيات يتمسكن بها؛ وفي النهاية لم يفلح السجانات في أخذها، وانسحبن خائبين أذلاء. لكننا كنا نعلم أنهن لن يتركونا وشأننا، وأن علينا دفع ثمن ما فعلناه. ورغم كل ما كان متوقعاً حدوثه، كنا جميعاً راضين، لأن أحداً لم يبرز بمفرده في هذه الحادثة، وكان على السجانين معاقبة عدد كبير منا.
وهذا ما حدث بالفعل؛ فلم تمضِ سوى دقائق معدودة على مغادرة السجانات حتى أذاع مكبر الصوت أسماء ١٥ شخصاً للاستجواب. كنا نعلم أن هناك عقاباً وضرباً مبرحاً في انتظارهن. اقتادوهن من العنبر ولم يعيدوهن إلا بعد يومين. طوال هذين اليومين، كنّ تحت الاستجواب والتعذيب الوحشي. وعندما أعادوهن، فتحت الحارسة علي زاده باب العنبر، ودَفعت بالفتيات إلى الداخل وهن غارقات في دمائهن وجراحهن، وعيونهن غائرة ووجوههن شاحبة، وقالت بحقد وضغينة خاصة تكنّها للمجاهدين: “أيتها المنافات، إن كنتنّ تبحثن عن ضيافة، فأقمن برامج العيد مجدداً!”. ولأنني لم أشأ أن تظل كلماتها دون رد، قلت: “الجميع يعلم من هو المنافق”. فنظرت إليّ بحدة وانصرفت. كنت أعلم ما ينتظرني.
ولم يطل الانتظار سوى دقيقة واحدة؛ ذهبتْ ثم نادوا اسمي عبر مكبر الصوت. اقتادوني للاستجواب في العنبر ٢٠٩ وأوقفوني معصوبة العينين في الممر. هناك، كان كل مستجوب أو حارس يمر يضربني بلكمة أو ركلة عنيفة فأرتطم بالجدار.
ومن أجل تحقيري، كان “ذكور” المرتزقة يمدون أيديهم بدناءة، وعندما كانوا يواجهون رد فعلي، يبدأون بالضرب. وكان بعضهم يأتون ويضعون أفواههم القذرة قرب أذني، ويكيلون لي الشتائم والألفاظ التي تليق بهم والنابعة من ثقافة الملالي، ثم يطلقون قهقهاتهم. وعندما واجه أحدهم رد فعلي، قال للآخر: “هذا الكلب السعار يجب تقييده بسلسلة لبعض الوقت حتى يهدأ”.
ومنذ ذلك الحين، قيدوا يديّ من الخلف حتى لا أتمكن من إبداء أي رد فعل تجاه أفعالهم الدنيئة. فعلوا بي كل هذا ليوم كامل، وأعادوني إلى العنبر في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل. وأثناء عودتي إلى الزنزانة، التفت إليّ المستجوب وقال: “انظري، إن أردتِ يمكنكِ الضحك مجدداً. تمارسون نفاقكم، ولكن عندما يحين وقت الحساب، نصبح نحن معذبين”.
في نظر هؤلاء الجلادين المناهضين للإنسانية، كان أي نوع من الحيوية أو الضحك أو العمل الجماعي يُعد جريمة لا تغتفر، ويعاقبون عليها بأشد الطرق بوصفها “ألاعيب منافقات من قِبل السجينات. لم يكونوا يطيقون أدنى تحرك، بل حتى مشي الفتيات.
المجاهد لا يتذمر
في إحدى المرات التي اقتادوني فيها إلى الشعبة وكانوا يمارسون مضايقاتهم الدنيئة، قلت لأحدهم: “أليس لديك أخت أو أم لتفعل هذه الأفعال؟”. من فرط غيظه، بدا وكأنه جنّ فجأة؛ وبينما كان يصرخ، تراجع إلى الخلف وقفز بكلتا قدميه فوق بطني وقال: “لدي أخت وأم، لكن ليس لديهما… مثلكِ!”.
مع هذه الضربة، شعرت وكأن أمعائي كلها تخرج من فمي، وشعرت حقاً بأنني أموت وغبت عن الوعي. وعندما أفقت بعد فترة لا أعلم مدتها، كنت لا أزال ألتوي من ألم بطني وأشعر بالغثيان. بدأت أتذمر في داخلي وأتشاجر مع الله: “إلهي أين أنت؟ ما هو دورك إذن وهؤلاء يظلمون إلى هذا الحد؟ لماذا لا ترد عليهم؟!”. وبينما كنت أتذمر، جاء أحد المرتزقة وسحب تشادري واقتادني ليرميني في إحدى زنزانات العنبر ٢٠٩. كنت مستلقية في الزنزانة ألتوي من الألم، وأتحدث إلى نفسي، وأناجي الله وأشتكي إليه. وفجأة، سمعت صوتاً من الجدار المجاور.
كنت أعرف القليل من لغة مورس، فسألت: “من أنتِ؟”. قالت: “معصومة!”. وسألتني: “ماذا تفعلين؟”. قلت: “لا شيء! كنت أشتكي الله من هؤلاء الجلادين وأتذمر، لأنني لم أجد أحداً أتحدث إليه”. فأجابتني: “المجاهد لا ينبغي أن يتذمر، هذا طريق اخترناه بأنفسنا”. فصمتُّ، وشعرت بالخجل من رد فعلي بسبب تعاملي الضعيف مع ما يستخدمه الملالي كأداة لكسر المرأة.
أثرت فيّ تلك الكلمات القليلة من هذه الأخت كثيراً، وتعلمت منها درساً في المقاومة والصبر. بعد ذلك، كلما نقرت بلغة مورس لم يأتِ رد. المؤكد أنهم اقتادوها للاستجواب، لأنني لم أسمع بعد ذلك أي صوت من زنزانتها. وعندما ذهبت لاحقاً إلى العنبر وسألت الفتيات عن معصومة بهذه المواصفات، قلن لي إنها معصومة عضدانلو.
أُعتقلت معصومة في 2 أبريل/ نيسان عام ١٩٨٢ بعد عدة ساعات من المقاومة في مواجهة الهجوم المسلح لقوات حرس النظام على مقر إقامتها في طهران، حيث كانت مصابة برصاصات ومغمى عليها. أعلن النظام في البداية أن معصومة قُتلت خلال الاشتباك، لكنهم اقتادوها إلى التعذيب منذ البداية. ورغم إصابتها بأربع رصاصات في الرقبة والفك واليد، لم تعد قادرة بعد فترة على المشي على قدميها، وأصبح الحديث وتناول الطعام صعباً عليها أيضاً.
كان هدف العدو من ممارسة أبشع أنواع التعذيب هو جرّ معصومة إلى إجراء مقابلة تلفزيونية. وفي نهاية المطاف، في تاريخ ٣٠ أيلول/ سبتمبر عام ١٩٨٢، وبينما كانت فاقدة القدرة على المشي والكلام وتناول الطعام، ورقبتها لا تتحرك، أعدموها رمياً بالرصاص.
وفي تقرير كتبته ”فتانة عوض بور“ عن مشاهداتها بشأن معصومة، واطلعتُ عليه في وثائق وحدة تحقيق الشهداء، جاء فيه أن معصومة أُصيبت بجروح بليغة أثناء الاعتقال، ورغم أنها كانت حاملاً، فقد اقتادوها إلى أقبية التعذيب. وكانت الشهيدة ناهيد إيزد خواه كرماني، وهي شقيقة زوج معصومة، والتي زارت معصومة في الزنزانة الانفرادية بالعنبر ٢٠٩، تقول إن ملامح معصومة تغيرت كثيراً لدرجة أنني لم أعرفها في البداية. وفي أواخر حزيران أو أوائل تموز من عام ١٩٨٢، ونتيجة خطأ ارتكبه الحراس، نُقلت معصومة إلى العنبر ٢٤٦ بدلاً من العنبر٢٠٩.
أُدخلت معصومة إلى الغرفة ٣، وهناك زارتها الشهيدة زري ناهيد بور، وهي من طالبات جامعة العلم والتكنولوجيا وكانت مقربة جداً من معصومة منذ أيام الدراسة الجامعية، واستفسرت منها عن بعض التفاصيل. قالت معصومة: “يريدون عنوان شقيقتي مريم، وهو أهم معلومة أتعرض للضغط من أجلها. إنهم يعلمون أنني أعرف، وأنا صامدة حتى النهاية ولن أقول”. وحتى اليوم الذي نُقلت فيه إلى العنبر ٢٤٦ وتحدثت معها زري، كان الجميع يعتقد أن معصومة قد استشهدت. وسرعان ما انتبه الحراس لخطئهم وأعادوا معصومة إلى العنبر ٢٠٩.




















