مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب “ثمن البقاء إنساناً” – الجزء الثاني عشر
في العدد الثاني عشر من سلسلة مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري المنشورة في كتاب “ثمن البقاء إنساناً”، تسرد الكاتبة ذكرياتها عن أحداث 8 فبراير / شباط عام 1982 في سجن إيفين، وتستعرض صمود النساء المجاهدات في مواجهة هذا الاختبار العصيب.
وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة تبلغ من العمر 22 – 23 عاماً عندما خطت خطواتها في طريق النضال. وقد أمضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقت، وإيفين، وقزل حصار، وكوهر دشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حراس خميني.
8 فبراير/ شباط في سجن إيفين
في غروب ذلك اليوم، كان الحراس والمحققون يتهامسون فيما بينهم، ويوجهون إلينا كلمات مليئة بالسخرية والتهكم. وفي اليوم نفسه، اقتادوني إلى العنبر 209 لمواجهتي مع أختي في النضال “سيبا شريف بور” بغرض التعرف عليها. وبينما كنت واقفة في ممر العنبر 209، لاحظت حركة غير عادية بتاتاً للمرتزقة، وهم يتحدثون بصوت خافت. لكنهم في وسط حديثهم، كانوا ينفجرون فجأة بضحكات عالية ويقولون: “يجب أن نحتفل”.
تملكني القلق وأخذت أقول في نفسي: “يا إلهي، ما الذي يحدث؟”. لكنني كلما حاولت النظر من تحت عُصابة العينين، لم أكن أستوعب ما يجري. أعادوني إلى الزنزانة وقالوا لي: “لدينا عمل الآن، سنأتي بكِ لاحقاً”، وأضافوا بنبرة طاعنة: “دعيها تذهب الآن إلى صديقاتها لتشاركهن احتفالهن”.
في تلك الليلة، عشت حالة شديدة من التوجس، لأن المرتزقة أينما تواجدوا كانوا يطلقون ضحكات مقززة ويوجهون لنا لدغات كلامية مستمرة. ومن خلال حديث السجينات الأخريات اللواتي عدن من التحقيق، اتضح أن هذا الأمر تكرر في جميع شعب التحقيق؛ إذ كان المحققون يضحكون ويقولون: “يجب أن نوزع الحلوى”، وكان جميع السجناء يسألون بعضهم بعضاً: “ماذا حدث؟”.
في اليوم التالي، وعند سماع خبر استشهاد أشرف وموسى ورفاقهما، أدركنا أخيراً سبب كل تلك الحركات البهلوانية التي قام بها الجلادون.
ولأن السفاحين ظنوا واهمين أنهم قضوا على المنظمة تماماً، وتعمداً منهم لكسر معنويات السجناء، أحضروا جثامين الشهداء إلى باحة العنبر 209 في سجن إيفين، ووضعوها فوق السواتر الترابية هناك، ثم ساقوا السجناء في مجموعات تضم كل منها 40 شخصاً، صفاً تلو الآخر، لمشاهدة الجثامين. وأقبل الجلاد لاجوردي وهو يحمل “محمد”، طفل أشرف، بين ذراعيه ووقف به فوق جثامين الشهداء. كان السفاح يهدف من وراء هذا الفعل ومن ضحكاته القبيحة والمقززة إلى تحطيم معنويات السجناء.
بأمر من الجلاد لاجوردي، وُضعت جثامين الشهداء بطريقة جعلت رؤوسهم تستند إلى عارضة حديدية، بحيث أخذت وضعية أشبه بلعبة الأرجوحة (المرجيحة).
وإمعاناً في التعذيب النفسي بحق السجناء، كان لاجوردي يضع قدمه على الطرف الآخر من العارضة الحديدية ويضغط عليها لترتفع رؤوس الشهداء، ويبقيها على هذا الحال لفترة، ثم يرفع قدمه فجأة، فيهبط الطرف الآخر من العارضة بعنف وتصطدم رؤوس الشهداء بقوة فوق الحديد.
وكان لاجوردي يطلق ضحكة خبيثة ويقول: “تعالوا وانظروا إلى شهدائكم الشامخين كيف هلكوا!”. وكان يترصد بعينيه ردود أفعال السجناء وهو ينظر في عيني كل واحد منهم، مبتغياً خلق حالة من التوتر الشديد بينهم. وكان يقول بقهقهة: “اليوم يوم احتفالنا ويوم عزائكم”.
غير أن الجميع رمقوه بنظرات غاضبة للغاية، لدرجة أنه شعر بالخزي في نهاية المطاف.
كما طلب لاجوردي بوقاحة ودناءة من السجناء أن يوجهوا الإهانة للشهداء، لكن عموم السجناء فعلوا العكس تماماً؛ إذ أبدوا احترامهم للشهداء، وبصقوا في وجه لاجوردي نفسه، وبالطبع دفعوا ثمن ذلك الذي تمثل في الإعدام والرمي بالرصاص. وبهذه الطريقة، فإن الأمر الذي أراد نظام الملالي تحويله إلى استعراض لقوته وأداة لإضعاف معنويات السجناء مجاهدي خلق والمناضلين، انقلب ليصبح مشهداً لاستنهاض السجناء المجاهدين، الأمر الذي دفع الجلادينالذين كانوا يعتزمون في البداية سوق جميع السجناء لمشاهدة جثامين الشهداء، تراجعوا عن خطتهم وأوقفوا جلب السجناء إلى مكان الجثامين.
انعكاس أحداث 8 فبراير / شباط داخل العنابر
عندما أُذيع نبأ استشهاد أشرف وموسى من تلفزيون العنبر، لم يصدق أحد الأمر في البداية. بعد ذلك، خيم الصمت على العنبر بأكمله ولم تعد إحداهن تقوى على الحراك. وكانت بروين حائري، رغم عودتها للتو من التحقيق وعدم علمها بالخبر المذاع عبر التلفزيون، واقفة في وسط العنبر بوجه شاحب وملامح قلقة ومضطربة كأنها اشتمت رائحة الفاجعة، وذلك على النقيض من عادتها حيث كانت تسير دائماً في العنبر مفعمة بالحيوية ومرفوعة الرأس بوجه حازم ومبتسم ولا تبالي بالصعاب. فقلت لها: “يا بروين، ما الذي حدث لتكوني قلقة إلى هذا الحد؟”. فقالت: “أخبريني أنتِ، لماذا يلف الصمت كل مكان؟”.
كان الحق معها، فالصمت في النهاية كان يمثل قانون الحراس، ولهذا السبب كان ينبغي أن يكون العنبر يعج دائماً بالحركة والنشاط. لكن في ذلك اليوم وتلك اللحظات، كان الجميع يعيشون حالة من الذهول والدهشة.
إلا أن هذا الصمت لم يدم طويلاً؛ إذ كسرته الطبيبة هاجر رباط كرمي وفاطمة آصف، اللتان كانتا أكبر سناً وأكثر خبرة من الباقين. خرجتا من غرفتهما وقالتا: “الصمت هو رغبة النظام. هذا النظام هو من يريد جر الجميع إلى الصمت وإعلان نهاية كل شيء”. وبروين، التي كانت تسير صامتة في الممر حتى تلك اللحظة، توجهت نحوهما مسرعة وقالت: “وأنا أقول الشيء نفسه”.
هؤلاء النسوة الثلاث، اللواتي نلن الشهادة جميعاً في وقت لاحق، كسرن صمت العنبر. بدأت هاجر أولاً بقراءة زيارة عاشوراء، وعندما وصلت إلى مقطع “إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم”، رفعت صوتها عالياً. وسرعان ما تبخر ذلك البرود والمأتم الأولي ليحل محله لهيب غضب وحقد تضاعف مئات المرات، حيث اشتعلت النيران في القلوب وتطاير شررها. وشعر السجناء بمودة أعمق تجاه بعضهم بعضاً تزيد عما مضى، وشعرتُ وكأننا أصبحنا كحلقات سلسلة متصلة لا يمكن لأحد أن يفصمنا عن بعضنا بعد الآن.
وقد قام السفاحون بتصوير تلك المشاهد المؤثرة لجثامين الشهداء في باحة العنبر 209 لعرضها داخل العنابر، ظناً منهم أنهم سيحطمون معنويات السجناء. غير أن عرض تلك المقاطع أحدث انفجاراً في كل عنبر؛ إذ خرجت جميع السجنات من الغرف إلى ممر العنبر لمشاهدة صور الشهداء. إن حالة السجناء في تلك اللحظات لا يمكن وصفها؛ فقد كانوا ينشدون ويبكون ويحتضنون بعضهم بعضاً، ويعاهدون أنفسهم على الاستمرار بثبات وصمود حتى النهاية في ذات الطريق الذي بذل فيه أشرف وموسى دماءهما.
موجة الإعدامات
أخذ السفاحون يثأرون لـلـصفعة القاسية التي تلقوها من السجناء المجاهدين خلال أحداث 8 فبراير / شباط، وذلك عبر تحقيقات وعمليات تعذيب باتت أكثر وحشية وضراوة من ذي قبل.
وبدأت عمليات الانتقام وتصفية الأحقاد؛ إذ خضعت مهدخت[1] للتعذيب ليومين كاملين، كما تعرضت فاطمة وزهراء صميمي مطلق للتعذيب لعدة أيام. ويا لها من حالة عشناها في اليوم الذي نادوا فيه على فرح ترابي وفاطمة وزهراء صميمي مطلق، ولاحقاً زهراء نظري وإلهة عروجي من عنبرنا؛ فقد كنا جميعاً نعلم ما الذي ينتظرهن. وتلك الفتيات أنفسهن كن يعلمن جيداً أنهن يمشين نحو الإعدام. وعندما أُعلنت أسماؤهن، ذهبن مسرعات واغتسلن غسل الشهادة وتهيأن.
لن أنسى أبداً زهراء صميمي مطلق بوجهها البريء؛ إذ لم تكن ابتسامتها العذبة تفارق شفتيها تحت أي ظرف من الظروف، وكأنها تتلقى دائماً أخباراً سارة. كانت تستقبل أي حادثة برحابة صدر، وعندما قرأوا اسمها للإعدام، حافظت على ابتسامتها بكامل الطمأنينة. قبلناها جميعاً واحتضناها وبكينا.
وعند وداع زهراء، لمّا رأت دموعي تنحدر، قالت: “يا أعظم، هل أنا ذاهبة إلى مكان سيء لتبكي؟ لقد اخترتُ أفضل مصير، وكم أنا سعيدة لأنني سأبلغه حتى النهاية. آمل أن أتمكن من النهوض بمسؤوليتي حتى الرمق الأخير”. ودعتنا بهذه الجملة وخرجت مع بقية الفتيات من العنبر. وأحضرت الحاجة (والدة توانايان فرد) المصحف الشريف وجعلتهن جميعاً يمررن من تحته، فقبلن المصحف وخرجن من العنبر بابتسامة وفرح، وكأنهن يمضين في رحلة ممتعة.
..يتبع
[1] مهدخت محمدي زاده، كانت طالبة طب في تخصص جراحة العظام. أصبحت مسؤولة الإسعافات الطبية في عنبرنا داخل السجن، وكانت ترعى السجينات المريضات بكثير من التفاني والحب. وقد عثرتُ بين وثائق وحدة التحقيق الخاصة بالشهداء على جزء من مذكرات سجين سياسي آخر يتحدث عنها، ومما جاء فيه: “كنا في السجن ذات يوم نتحدث مع مهدخت وسودابة رضا زاده، وكانت مهدخت تقول: كم أحب أن أذهب إلى القرى الإيرانية وجميع المناطق النائية التي تفتقر إلى أي إمكانيات، لاسيما لمساعدة الأطفال الصغار وتعليمهم، لكي يعرفوا صديقهم من عدوهم”. أُعدمت مهدخت في أغسطس / آب من عام 1988 ضمن الـ 30 ألف سجين مجاهد الذين جرت تصفيتهم في مجزرة سجن إيفين.




















