أزمة المياه وكارثة شح المياه في إيران، تتجاوز كونها تحدياً مناخياً، فهي كارثة هيكلية وصلت بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في البلاد إلى حافة الانهيار. وكما تم تناوله في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة من المقالات، فإن هذه الأزمة هي نتاج عقود من سوء الإدارة الكارثي، وبناء السدود العشوائي، والسياسات النهبية التي يعود أكثر من 70 إلى 80 بالمئة منها إلى الفساد المؤسسي في نظام الملالي.
في الجزء الأول، استعرضنا أبعاد اختلال التوازن العميق في الموارد والضغط المضاعف الذي يقع على عاتق النساء باعتبارهن أولى ضحايا هذه الأزمة؛ وفي الجزء الثاني، تطرقنا إلى عواقبها الوخيمة على انهيار الزراعة، وتفاقم التمييز وعدم المساواة الطبقية، وفي النهاية الصدارة والدور الرئيسي للنساء في الخطوط الأمامية للاحتجاجات المناهضة للحكومة.
والآن في الجزء الثالث والأخير (والذي تم إعداده كملحق تحليلي لوثيقة الأبعاد الجندرية لأزمة المياه في إيران) ننتقل إلى تشريح أكثر دقة للأبعاد الجغرافية والهيكلية لهذه الكارثة.
في هذا الموضوع، وبالاعتماد على الإحصائيات والوثائق، سنقوم بمراجعة مسار اختفاء البحيرات، وموت الأنهار، وتدمير الأهوار، وخلو السدود في البلاد. كما سنرفع القناع عن وجه «مافيا المياه» والمؤسسات النهبية مثل الحرس الثوري ليتضح كيف أدى التهالك المتعمد لشبكات النقل ومشاريع نقل المياه التمييزية بين الأحواض إلى تدمير المياه الجوفية، وجعل هبوط الأرض تهديداً عاجلاً لجميع البنى التحتية في البلاد.
الملحق
أبعاد أزمة المياه في إيران
اختفاء البحيرات
في 7 سبتمبر 2025، ذكرت صحيفة دنیای اقتصاد أنّ بحيرة أرومية جفّت بالكامل. وأظهرت أحدث صور ناسا أنّ هذه الجوهرة الزرقاء في شمال غرب إيران اختفت تماماً، ولم يعد يُرى أيّ أثر لها في الصور الجويّة.
وكان المسؤولون البيئيّون قد حذّروا في مطلع الصيف من الجفاف الكامل للبحيرة مع نهاية الصيف.
كانت بحيرة أرومية، في شمال غرب البلاد، أكبر بحيرة في الشرق الأوسط، وتبلغ مساحتها نحو 5200 كيلومتر مربّع.
وإلى جانبها، تعاني بحيرة ”بختكان“، ثاني أكبر بحيرة في إيران في محافظة فارس، من انخفاض شديد في منسوب المياه. وتُعدّ من المواطن الغنيّة بالتنوّع الحيوي، غير أنّ بناء سدود ”دورودزن“ و”سيوَند“ و”ملا صدرا“ على روافد نهرَي ”كر“ و”سيوَند“ هو السبب الرئيس في جفافها.
كما تعاني بحيرة هامون في محافظة سيستان وبلوشستان من الجفاف وانخفاض منسوب المياه، وهي ذات أهمّيّة اقتصاديّة كبيرة لسكان المنطقة لاعتمادهم على الصيد والزراعة في محيطها. (موقع ”قطره“ – أهمّ أسباب جفاف البحيرات الإيرانيّة)
وفي ظلّ الفساد الحكومي، بدأ حتى بحر قزوين يتراجع، إذ انخفض منسوب مياهه بمقدار مترين خلال السنوات العشرين الماضية. (خبرآنلاين – 8 فبراير 2025)
موت الأنهار
حال الأنهار في إيران ليس أفضل. فقد كتب موقع آفتاب في 4 يوليو 2022: «أشدّ الأنهار الإيرانية تدفّقاً قد جفّت، ووضع الموارد المائية في البلاد أصبح خطيراً». جفّ نهر كارون، أطول وأغزر أنهار إيران، كما دخل سفیدرود، ثاني أطول نهر وأغزر أنهار محافظة كیلان، مرحلة الاحتضار بعدما كان يروي أكثر من 170 ألف هكتار من حقول الأرز.
وانتشرت صور الأسماك اليابسة في مجرى نهر كرخه، ثالث أكبر الأنهار الإيرانية، بينما يلفظ نهر دز أنفاسه الأخيرة بعد أن جفّ تماماً للمرّة الأولى في التاريخ. كما جفّت أنهار ”كشكان“ في لرستان، جالوس، أرس، وهيرمند المعروف بالنهر الوحشي.
يقول هدايت فهمي، المدير العامّ السابق لموارد المياه في وزارة الطاقة، إنّ الإدارة الكارثيّة في إيران تقلّل من شأن المشكلة وتلقي باللوم على التغيّرات المناخيّة لتتهرّب من مسؤوليتها.
الأهوار المحزونة
أحد أوجه الأزمة المروّعة للمياه هو تدمير الأهوار والنظم البيئيّة المائيّة التي تؤدّي دوراً حيويّاً في التوازن البيئي.
فقد أشار تقرير شبكة شرق في 15 مارس 2025 إلى جفاف أهوار مثل هورالعظيم في خوزستان و”كاوخوني“ في أصفهان، والتي كانت يوماً ملاذاً لأنواع متنوّعة من النباتات والحيوانات. لكنّ بناء السدود المفرط وتحويل مجاري الأنهار من قبل النظام حوّلها إلى أراضٍ قاحلة.
فالسدود المتسلسلة على نهر زاينده رود التي أُنشئت لخدمة مشاريع صناعية وزراعية تابعة للنظام، أدّت إلى جفاف هور كاوخوني، وأصبح الغبار المتصاعد منها يهدّد صحّة سكان المنطقة. (إيران بدیا – 2 مايو 2025)
السدود بلا مياه
وضع السدود فصل آخر من قصّة المياه الحزينة في إيران. فمياه السدود الإيرانيّة تتبخّر بمعدّل ثلاثة أضعاف المعدّل العالمي. (صحيفة ابتكار – 20 يوليو 2025)
وذكرت وكالة ”مهر“ للأنباء الحكومية تحت عنوان «64% من سدود البلاد فارغة» أنّ مراجعة المخزون المائي تُظهر أنّ سدود محافظات طهران، خراسان رضوي، قم، أذربايجان الغربيّة، سيستان وبلوشستان، هرمزكان، كلستان، خراسان الجنوبيّة، زنجان، كرمان، فارس والمركزيّة في حالة سيّئة. (مهر – 21 سبتمبر 2025)
حجم المياه المخزّنة في السدود أقلّ بـ 25% من العام الماضي. فـسدّ أميركبير، حتى 19 سبتمبر 2025، يحتوي على 30 مليون متر مكعّب فقط بنسبة امتلاء 17%، بانخفاض 73% مقارنة بالعام السابق.
أما سدّ ”لار“ مع 24 مليون متر مكعّب، لا يتجاوز امتلاؤه 3%، أي أقلّ بـ 43% من العام الماضي. (إیلنا – 21 سبتمبر 2025)
وقال محمدإبراهیم رئیسي، خبير الطاقة، بشأن أزمة المياه في طهران: «هناك احتمال لخروج سدّ ماملو من الخدمة، وإذا حدث ذلك فستخرج سدود لتیان ولار وكرج أيضاً». (ستاره صبح –25 يونيو 2025)
ومن بين جميع المحافظات، كانت هرمزكان الأكثر تضرّراً، إذ انخفض منسوب المياه في سدّي ”شمیل“ و”نیان“ بنسبة 98% مقارنة بالعام الماضي، ما يجعلهما في أسوأ حالاتهما، كما انخفضت مياه سدّ استقلال في المحافظة نفسها بنسبة 76%. (هممیهن – 20 يوليو 2025)
1.هبوط الأرض وتأثيره على البنى التحتيّة
أظهرت دراسة نُشرت عام 2024 أنّ الاستغلال المفرط للمياه الجوفيّة أدّى إلى هبوط واسع في الأرض؛ إذ تجاوز معدّل الهبوط في بعض المناطق 10 سنتيمترات سنويّاً، وتأثّر به 3.5٪ من أراضي إيران، وهو من أعلى المعدّلات في العالم. وقد زادت هذه الظاهرة من هشاشة البنى التحتيّة مثل المطارات والطرق. (كاردين– 25سبتمبر 2024)
كما أفادت وسيلة الإعلام الحكوميّة ”آرمان ملّي“ بتاريخ 20 يوليو 2025 أنّ 30 محافظة تواجه هبوطاً أرضيّاً نتيجة استنزاف الطبقات الجوفيّة. وقال الخبير في شؤون الطاقة علي مرادي: «أكثر من 60٪ من إمدادات المياه في البلاد تأتي من الموارد الجوفيّة، بمعدّل سحب يفوق ثلاث مرّات سرعة تجديدها الطبيعي».
٢. سوء الإدارة البنيويّة ومافيا المياه
لا تكفي عبارة سوء الإدارة لوصف أداء النظام الفاسد للملالي. فالمصادر الحكوميّة نفسها تستخدم مصطلح مافيا المياه، في إشارة إلى شبكة من الأشخاص والجهات المرتبطة بالنظام – من وزراء ومقاولين وأجهزة أمنيّة – الذين ينفّذون مشاريع ضخمة تستهلك كميّات هائلة من المياه لتحقيق مكاسب سياسيّة واقتصاديّة، دون مراعاة للمعايير الفنّية أو البيئيّة.
وقد كتبت صحيفة جهان صنعت: «الأزمة الحالية ليست مفاجئة ولا ناجمة عن تغيّرات مناخيّة، بل هي نتيجة تراكمات من سوء الإدارة». (26 يوليو 2025)
وكتب الخبير الاقتصادي حسين راغفر أنّ: «من أهمّ أسباب أزمة المياه اعتماد سياسات خاطئة وغير علميّة فُرضت على البلاد. والسبب الثاني هو الطمع الذي أتاح التعدّي على الموارد الوطنيّة بذريعة التنمية الاقتصاديّة. منذ ما بعد الحرب وحتى العقد الأوّل من الثورة، أُقيمت مشاريع دون مراعاة للأسس العلميّة، مثل إقامة ”مجمع فولاد مبارکه “ في منطقة جافّة كأصفهان، أو إنشاء مئات المصانع المستهلكة للمياه، ما شكّل كارثة وطنيّة».
وأضاف: «إنّ إنشاء مصانع الفولاذ والبتروكيماويات في المناطق الشرقيّة والجافّة من البلاد، إن لم يكن خيانة، فهو على الأقلّ عمل غير علميّ، ومع الأسف ما زال مستمرّاً. كما أُنشئت سدود عدّة في الصحارى، في أماكن لا يمكنها أصلاً الاحتفاظ بالمياه». (آرمان ملّي – 23 يوليو 2025)
وقال مهدي إسمعيلي بيدهندي، أستاذ كلّية البيئة في جامعة طهران: «سدودنا تساهم من غير قصد في زيادة معدّل التبخّر. فالمياه كانت في الماضي تجري في الأنهار وتغذّي المخزون الجوفي، أمّا الآن فبحجزها خلف السدود وفرنا خزّانات تتبخّر منها المياه باستمرار، وبمعدّل أعلى بكثير من حالتها الطبيعيّة». (صحيفة ابتکار – 20 يوليو 2025)
كما صرّح خبير الطاقة محمد إبراهیم رئیسي قائلاً: «المياه الجوفيّة هي بمثابة ادّخار استراتيجي. لكنّ أكثر من 60٪ من مياه طهران تُستخرج حالياً من الآبار داخل المدينة. وقد ارتفع معدّل السحب الزائد من المياه الجوفيّة في البلاد من 130 إلى نحو 160 مليار متر مكعّب». (صحيفة ستاره صبح – 25 يونيو 2025)
خلفيّة تاريخيّة
في عقدي الثمانينيّات والتسعينيّات (1980–2000م)، أطلق النظام الإيراني، بذريعة تحقيق الاكتفاء الذاتي وإعادة الإعمار بعد الحرب الإيرانيّة العراقيّة، مشاريع ضخمة لبناء السدود دون دراسات بيئيّة كافية.
فعلى سبيل المثال، أُنشئ سدّ ”كتوند“ في خوزستان وافتُتح عام 2011، لكن بسبب بنائه فوق قبب ملحيّة تسبّب في ملوحة مياه نهر كارون، وأحدث واحدة من أكبر الكوارث البيئيّة في تاريخ إيران. هذا المشروع، الذي استُنزفت له أموال طائلة من الميزانيّة العامّة، لم يُفد الزراعة بل دمّر الأهوار السفلى وأثّر على حياة ملايين الناس.
ومنذ عقد الألفينيات، تولّى قوات الحرس التابعة للنظام تنفيذ مشاريع عمرانيّة وزراعيّة كبرى، ما أدّى إلى استخراج مفرط للمياه الجوفيّة. وتشير تقارير مستقلّة عديدة إلى أنّ شركات تابعة للحرس حفرت آباراً غير قانونيّة ونقلت المياه إلى المناطق الصناعيّة المرتبطة به، محوّلة السهول الخصبة إلى أراضٍ قاحلة غير صالحة للزراعة. ومع تصاعد التغيّرات المناخيّة وتراجع الهطول في عقد 2010، تزايدت تحذيرات خبراء البيئة من انهيار وشيك للموارد المائيّة في إيران. غير أنّ النظام اختار قمع الأصوات الناقدة وإنكار الواقع.
وقد قُمعت بعنف احتجاجات خوزستان عام 2021، التي اندلعت بسبب انعدام المياه وجفاف هورالعظيم، دون تقديم أيّ حلّ حقيقي، واستمرّ هذا النهج حتى عام 2025.
تُظهر هذه الخلفيّة التاريخيّة أنّ أزمة المياه في إيران ليست نتيجة قصور إداريّ فحسب، بل جزء من استراتيجيّة النظام للحفاظ على سلطته على حساب تدمير الموارد الوطنيّة. (إيران بدیا – 2 مايو 2025)

3. تهالك شبكة المياه والهدر
ذكرموقع ”اكو رسانه“ الحكومي بتاريخ 14 يوليو 2025: «شبكة نقل المياه في إيران متهالكة، ولم تُخصّص استثمارات كافية لتجديدها… كما تُطرح قضايا عن وجود مافيا المياه، خصوصاً في المناطق الحرجة مثل أصفهان، دون شفافية في أدائها».
وقال محمد إبراهیم رئیسي: «نحو 715 مليون متر مكعّب من المياه تُهدر سنويّاً بسبب تقادم شبكة الأنابيب وضعف الإدارة والاستثمار في البنى التحتيّة». (صحيفة ستاره صبح – 24 يونيو 2025)
وأوضح الخبير في الشؤون الحضرية ”حسین إیماني جاجرمي“ أنّ: «النمو السكّاني في طهران نتيجة الهجرة المتواصلة يأتي رغم محدوديّة واستدامة الموارد المائيّة فيها». (صحيفة آرمان امروز – 22 يوليو 2025)
كما أشار تقرير صحيفة ”اعتماد“ في اليوم نفسه إلى أنّ: «انخفاض ضغط المياه يُحدث تراجعاً في الضخّ حتى في الطوابق السفلى، أمّا عند ارتفاع الضغط فيرتفع تسرّب الشبكة إلى نحو 80 مليون متر مكعّب سنويّاً. بعض الأنابيب يعود تاريخها إلى 50–70 عاماً». (اعتماد – 22 يوليو 2025)
وقال ”مهدي بیرهادي“، رئيس لجنة الصحّة والبيئة والخدمات في مجلس طهران البلدي: «تتجاوز كميّة التسرّب من سدّ لار وحده 165 مليون متر مكعّب». (صحيفة هم میهن – 20 يوليو 2025)
واعترف ”رضا حاجيكريم“، رئيس اتحاد المياه قائلاً: «رغم الأزمة الراهنة، ما زالت تصاريح البناء تصدر في غرب وشرق طهران». (جهان صنعت – 6 أغسطس 2025)
4. التمييز المناطقي في توزيع المياه
أحد الجوانب المدمّرة لسياسات النظام هو مشاريع نقل المياه بين الأحواض التي أُطلقت لتلبية احتياجات المناطق الصناعيّة المركزيّة التابعة له. فهذه المشاريع مثل نقل المياه من كارون إلى الهضبة المركزيّة، أو من بحر قزوين إلى سمنان لا تستند إلى أيّ مبرّر علمي أو بيئي، وتشكل تمييزاً صارخاً بين مناطق البلاد المختلفة.
و يشير تقرير بعنوان «سوء الإدارة كمفاقم لأزمة المياه في إيران»، نشرته ”إذاعة زمانه“ بتاريخ 8 أغسطس 2023، إلى أنّ هذه الخطط، التي تُنفّذ غالباً عبر شركات مرتبطة بفوات حرس النظام ، نهبت الموارد المائيّة لمحافظات حدوديّة كخوزستان وكيلان لصالح مناطق موالية للنظام. وقد أدّت هذه السياسات إلى تسريع جفاف الأنهار والأهوار في مناطق المنبع، وأثارت غضب الأهالي. هذا التمييز المناطقي يعكس أولويّاتٍ سياسيّة للنظام على حساب الاحتياجات الحقيقيّة للشعب.
فمشروعات نقل المياه بين الأحواض، وسياسات بناء السدود المفرطة، وتحويل المياه إلى المناطق المركزيّة، أدّت إلى تركّز الموارد المائيّة بيد مؤسّساتٍ محدّدةٍ ومجمّعاتٍ صناعيّةٍ ومدنيّةٍ تابعة للنظام، في حين حُرمت منها المناطق المهمّشة مثل خوزستان وسيستان وبلوشستان. (موقع ”شوراي آتلانتيك“ – 22 كانون الثاني/ي ناير 2024، وويكي بيديا – 27 أيّار/ مايو 2025)
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الضغط الاقتصادي الناتج عن ارتفاع أسعار خدمات المياه أو فرض تكاليف التحلية المنزليّة يُلقي بعبءٍ إضافيّ على كاهل الطبقات الفقيرة، ما يُعمّق الفجوة الطبقيّة في المجتمع. ( صحيفة آرمان امروز – 19 تمّوز/ يوليو 2025)




















