في إيران، يُعتبر وجود الأطفال الصغار الذين يعيشون في السجون مع أمهاتهم جانبًا غالبًا ما يتم التغاضي عنه في نظام السجون. ووفقًا لإحصائيات حديثة صرّح بها ”غلام علي محمدي“، رئيس منظمة السجون الإيرانية، تشكّل النساء 3.6٪ من إجمالي عدد السجناء. ومع ذلك، لا توجد إحصاءات دقيقة حول عدد الأمهات المسجونات مع أطفالهن الصغار.
استنادًا إلى تقرير مفصّل نشرته صحيفة “هممیهن”، يستعرض هذا التقرير حياة هؤلاء النساء في سجن قرجك الشهير الواقع في مدينة ورامين، بالقرب من طهران، مسلطًا الضوء على معاناتهن الفريدة والبيئة القاسية التي يحاولن فيها تربية أطفالهن.
الحياة خلف القضبان: قصة مهسا
“الحرية” كانت أول كلمة تعلمتها مهسا، في مفارقة حزينة. أُلقي القبض على والدة مهسا، تدعى ”أفسون“، قبل عامين بتهمة القتل، عندما كانت مهسا لا تزال أيامًا قليلة فقط في الدنيا. يُزعم أن أفسون تحملت مسؤولية جريمة كان زوجها متورطًا فيها، على أمل أن يدير حياتهم خارج السجن. ولكن بعد الإفراج عنه، اختفى عن حياتها، تاركًا إياها في السجن مع طفلتها.
في سجن قرجك، عالم مهسا محدود بأروقة السجن والجناح المخصص للأمهات والأطفال، حيث تمضي أيامها مع تسعة أطفال آخرين يشاركونها نفس المصير.
يكبر هؤلاء الأطفال وهم يسمعون قصصًا عن الحرية ويشاهدون الاحتفالات عند الإفراج عن السجينات، وهو حدث يسبب لأم مهسا ألمًا أكبر من الفرح، حيث تتساءل: “لماذا يجب أن تكبر طفلتي هنا؟”

نقص الموارد والدعم المحدود
الحمل في السجن يُعد محنة قاسية للنساء في سجن قرجك. حتى أبسط الاحتياجات والرغبات لا تُلبّى، لأن السجن يفتقر إلى توفير الغذاء الكافي أو الموارد التي يمكن أن تخفف من معاناة هؤلاء النساء. بعض السجينات يشترين من متجر السجن إذا كنّ قادرات ماديًا، لكن الكثيرات لا يملكن هذا الخيار.
يحتوي السجن على دار حضانة، لكنها تبقى غالبًا غير مستغلة وتُفتح فقط في المناسبات، خصوصًا خلال زيارات المسؤولين الرسميين. تصف أفسون شعورها باليأس وهي ترى طفلتها في بيئة تفتقر إلى الموارد والفرص التعليمية. ورغم افتتاح دار حضانة في عام 2014، إلا أنها أصبحت عنصرًا رمزيًا فقط، يُستخدم للتفاخر أمام المسؤولين الإيرانيين.
هذه المشكلة تعكس قضية أوسع في نظام السجون الإيراني، حيث لا يُعطى الأطفال الأولوية. وقد أشارت المخرجة ”هانية یوسفیان“، التي وثّقت الحياة في سجن قرجك، إلى أنه رغم الجهود المبذولة لإدخال معدات اللعب وإنشاء مرافق حضانة، يبقى الأطفال شريحة مهملة داخل جدران السجن. وغالبًا ما يُتركون في رعاية أمهاتهم اللواتي يعانين بأنفسهن من الضغوط النفسية والعاطفية، مما يجعلهن غير قادرات على توفير الدعم الذي يحتاجه الطفل الصغير.

الحالة القانونية للأطفال وأمهاتهم
ينص القانون الإيراني على السماح للأطفال بالبقاء مع أمهاتهم في السجن حتى بلوغهم سن السنتين. بعد ذلك، يتم تسليمهم إلى أفراد العائلة، وإذا لم يكن هناك أقارب، يتم إرسالهم إلى منظمات الرعاية الاجتماعية مثل منظمة الرفاهية الاجتماعية الإيرانية.
ومع ذلك، يتم تجاوز هذا القانون بشكل متكرر، مما يسمح للأطفال بالبقاء مع أمهاتهم حتى سن السادسة. بالنسبة لأمهات مثل أفسون، يمثل هذا التمديد مزيجًا من الراحة والمعاناة؛ الراحة في بقاء أطفالهن بالقرب منهن، والمعاناة من التفكير في أن أطفالهن يكبرون داخل السجن.
يزيد وصمة العار الاجتماعية المرتبطة بالأمهات المسجونات من تعقيد أوضاعهن. تشير الصحفية والناشطة الاجتماعية ”شهرزاد همتي“ إلى أن العديد من النساء المسجونات اضطررن إلى ارتكاب الجرائم بسبب تصرفات أفراد ذكور من عائلاتهن.
على سبيل المثال، قد تُجبر المرأة من قِبل زوجها أو والدها على القيام بالتهريب أو السرقة، ومن ثم تُعاقب على هذه الأفعال. تعيش هؤلاء النساء في واقع قاسٍ حيث، بالإضافة إلى عقوبتهن، يواجهن تهديدات عاطفية من أسرهن أو حتى من عائلات ضحاياهن، الذين قد يهددون أطفالهن إذا لم يتم دفع الديون أو استيفاء العقوبة.

النضال من أجل الأمومة داخل السجن
تنقسم الأمهات في سجن قرجك إلى مجموعتين: الأمهات اللواتي يحتفظن بأطفالهن معهن في السجن، والأمهات اللواتي ينفصلن عن أطفالهن الذين يتولى رعايتهم الأقارب أو نظام الرعاية الاجتماعية. يعاني كلا الفريقين.
بالنسبة للأمهات اللواتي يحتفظن بأطفالهن في السجن، يشكل نقص التغذية الكافية، والرعاية الصحية، والمساحة الشخصية بيئة قاسية. عليهن أن يشهدن أطفالهن يعانون من أمراض تنتشر بسرعة داخل السجن، وغالبًا دون الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في الوقت المناسب.
تصف أفسون العالم الذي يعيش فيه أطفالهن بأنه محدود وكئيب. تشير إلى الغرفة الصغيرة المكتظة والساحة التي يسمع فيها الأطفال عن العالم الخارجي دون أن يروه.
تقول أفسون بحزن: “عندما يذكر أحدهم الحرية، تكرر ابنتي الكلمة وكأنها حلم لا تفهمه بالكامل.” بالنسبة لها وللعديد من الأمهات الأخريات، تصبح عزلة أطفالهن داخل السجن مصدرًا للحزن العميق والشعور بالذنب.

صرخة من أجل الاهتمام والتغيير
تسلط أوضاع الأمهات المسجونات وأطفالهن في السجون الإيرانية، وخصوصًا في أماكن مثل سجن قرجك، الضوء على حاجة ملحّة للتغيير. تواجه العديد من النساء تحديات نظامية، سواء بسبب تخلي أسرهن عنهن أو بسبب التهديدات الخارجية التي تجبرهن على الصمت.
إذا حظيت الأمهات بدعم شبكات اجتماعية أقوى أو إمكانية الوصول إلى برامج إصلاحية، يمكن أن يندمجن مجددًا في المجتمع مع أطفالهن، مما يقطع دائرة الفقر والجريمة التي غالبًا ما تبقي العائلات عالقة في نظام السجون.
لكن، إلى أن يُسقط الشعب الإيراني نظام الملالي الفاسد، ستضطر أمهات مثل أفسون للاستمرار في تحمل الألم اليومي لرؤية أطفالهن يكبرون دون أن يعيشوا طفولة حقيقية.




















