مذكرات السجن لمهري حاجي نجاد من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى – الجزء الأخير
في العدد الأخير من مذكرات السجن لمهري حاجي نجاد، التي سُطرت في كتاب الضحكة الأخيرة لليلى، تصف الكاتبة -التي كانت آنذاك طالبة مراهقة- لحظات الإفراج عنها من السجن.
خذيني يا آمالي الوديعة
في يوم من أيام ربيع عام 1986، قرأوا أسماء 20 سجينة، كنتُ من بينهن، وقالوا لنا استعدوا للنقل إلى سجن إيفين. وعندما سألنا عن السبب، قالوا إنكن تقضون أيامكم الأخيرة من الحكم، وستذهبون إلى إيفين لإتمام إجراءات الإفراج عن السجن.
كان ذلك اليوم من أصعب أيام حياتي؛ ففي الساعة الرابعة أو الخامسة عصراً، كان عليّ توديع جميع أحبتي. شعرتُ وكأنني أعيش في برزخ. كنتُ أقول لنفسي: إذا تم الإفراج عني من السجن ولم أتمكن من التواصل مع المنظمة، فماذا سأفعل؟ على الأقل هنا في السجن أنا بجانب الرفاق وفي مواجهة العدو، لكن ماذا سأفعل في الخارج؟
كانت لحظات الوداع قاسية جداً؛ شعرتُ كأنني سمكة أُخرجت من الماء، وعليّ الآن أن أبذل قصارى جهدي للعودة إلى البحر مجدداً. مع كل شخص ودعته، كانت هناك كلمة واحدة تتردد؛ كنتُ أقول: يا رفاق، أنا لن أبقى هنا، سأذهب قريباً إلى ما وراء الجبال البيضاء. (كان هذا المصطلح نستخدمه لمن يخرجون من الحدود).
وكان لكل منهن وصية خاصة؛ إحداهن أعطتني كوداً وطلبت مني أن أعتمدها ككود إذاعي لها، وأضافت: ربما استطعت يوماً الوصول إلى الخارج. وأخرى قالت: سلمي على الرفاق، وثالثة أكدت: عندما تخرجين لا تضيعي الوقت، وقالت أخرى: إذا بقيتِ في إيفين، فأخبرينا بطريقة ما.
وبينما كنتُ أدير رأسي، رأيتُ عيوناً تفيض بالمحبة والشوق للحرية، وشعرتُ أن كل نظرة تضع على عاتقي حملاً من المسؤولية. يا لها من أيام وليالٍ قضيناها معاً.
على أي حال، حان وقت الفراق، وركبنا حافلة مع سجينات من أجنحة أخرى. بكيتُ طول الطريق. لم تغب وجوه رفاقي الأبرياء عن ناظري لحظة واحدة؛ عيون ”فروزان“ الشقية والمضطربة، نظرات ”شكر محمد زاده“ المليئة بالمحبة، وصايا ”أعظم “ القوية، كود ”فيروزة “الإذاعي وأملها في الوصل، والقصيدة التي قرأتها لي الشهيدة ”سهيلا مختار زاده“[1] في اللحظات الأخيرة:
إذا عبرتَ بسلام.. من صحراء الرعب هذه
فأبلغ سلامنا.. للبراعم وللمطر…
وصلنا إلى إيفين في الساعة التاسعة مساءً. في البداية أخذونا إلى العنبر 209، لكن في اليوم التالي نقلونا إلى العنبر 4 في الطابق السفلي. عندما دخلنا، لم يكن هناك أحد سوانا. كان هذا هو العنبر الذي استوعب يوماً أكثر من 600 شخص، لكنه الآن فارغ تماماً؛ إذ نُقل سجناؤه إلى العنبر 1 والزنازين الحديثة 325 وسجن كوهردشت.
في يوم 26 نيسان/أبريل 1986، عند الساعة العاشرة صباحاً، نادى السجان ”رحيمي“ اسمي وأسماء آخرين عبر مكبر الصوت وطلب منا التوجه إلى باب العنبر. عندما ذهبنا، قال: خذوا أغراضكم وتعالوا. حتى في تلك اللحظة لم يخبرنا أننا ذاهبون للإفراج، كي لا نفرح!
ودعنا الرفاق وأخذنا أغراضنا وانطلقنا. عصبنا أعيننا، وأمسكت سجانة بيد الشخص الأول وتحركنا خلفها. في العنبر 216، فتشونا وفتشوا أغراضنا مرة أخرى، وهنا بدأنا نصدق أننا في طريقنا للإفراج عن السجن.
حوالي الساعة الثانية ظهراً في مبنى النيابة، نادوا اسمي، فأمسك السجان ”سعادتي“ بطرف تشادوري واقتادني إلى غرفة مليئة بالأوراق والملفات. سمعت صوتاً خشناً يقول: ارفعي العصابة عن عينكِ بمقدار يسمح لكِ برؤية الورقة، رأيت ورقة وقع عليها ثلاثة أشخاص ككفلاء لي؛ أحدهم خالي، والآخر أحد المعارف، والكفيل الثالث شخص يدعى محسن لم أكن أعرفه. بالإضافة إلى الكفلاء الثلاثة، أخذوا وثيقة مالية بقيمة ثلاثة ملايين. أمي المسكينة لا بد أنها طرقت كل الأبواب لتوفير هؤلاء الكفلاء وهذا المال.
وقعتُ على ورقة الإفراج عن السجن، وأخذوا مني توقيعاً آخر ينص على ضرورة مراجعة اللجنة (مركزقوات الحرس) في منطقتي كل أسبوعين، وأنه في حال ارتكبتُ أي خطأ سأعود إلى السجن.
في الساعة الرابعة عصراً، وضعونا في حافلة وخرجنا من بوابة إيفين. وعند الخروج من البوابة الحديدية الكبيرة، وهي آخر بوابة للسجن، قال المرتزق الذي فتح الباب: اذهبوا، ستعودون بعد فترة، كلكم منافقون.
أجبته بتلقائية وقوة: مستحيل! لن نعود إلى هنا مجدداً!.
كانت اللحظات التي تلت الخروج من إيفين غريبة؛ شعور بالغربة تملك كياني. شعرتُ بوحدة شديدة ولم أكن أعرف ماذا أفعل. عندما كنتُ أمشي، شعرتُ بمئات العيون التي تركتها خلفي في سجني قزلحصار وإيفين وهي تنظر إليّ وتقول: محبوبة، لا تترددي! اذهبي! مكانكِ ليس هنا. مئات الوصايا كانت ترن في أذني: محبوبة، صلي بأي ثمن! تذكري أنكِ تمثليننا أيضاً!…
أصابني غثيان من شدة الصداع وكنت أمشي بصعوبة. أنزلتنا الحافلة في ”لونا بارك“. كنتُ أرتدي خفاً وتشادر أسود، وبيدي حقيبة قماشية فيها بعض الملابس والذكريات البسيطة من السجن. وقفتُ بجانب الشارع أفكر في أي اتجاه يجب أن أسير؟ كنتُ مشوشة وفقدتُ الاتجاهات. كل شيء بدا لي غريباً وبعيداً؛ الشوارع، الناس، الجدران، والضجيج… لكن في وسط ذلك، كان هناك شيء واحد قريب وأمام عيني؛ صور السجن وذكريات الرفاق.
بينما كنتُ غارقة في أفكاري، رأيتُ فجأة 10 إلى 15 شخصاً يقتربون مني! كانوا قد جاؤوا لاستقبالي. لم أعرف بينهم سوى أمي وخالي، والبقية كانوا جيراناً وأصدقاء جاؤوا احتراماً وتقديراً للمجاهدين. قبلتُ الجميع. أحضر جارنا السيد محسن حافلته الصغيرة وركبنا جميعاً. يا له من شعور متناقض! الجميع كان سعيداً، وأنا كنت سعيدة برؤيتهم، لكن في داخلي كانت تعصف بي العواصف؛ كنتُ تحت ضغط هائل.
كم كانت المدينة ميتة وباردة. لم يعد هناك أثر لوجوه جماهير الشباب المنظمة البشوشة التي كانت تمنح شوارع طهران الحيوية كقطرات الندى على الزهور. لذا لم تكن لديّ رغبة في النظر إلى الشوارع.
في الساعة السابعة مساءً، وصلنا إلى منزلنا المليء بالذكريات؛ المنزل الذي غادرته آخر مرة قبل حزيران/ يونيو 1981، والآن عندما عدتُ، لم يكن فيه أحد من أحبتي، بقيتُ وحيدة تماماً. خلال الطريق، قررتُ أن أول شيء سأفعله عند وصولي للمنزل هو الاستماع إلى صوت إذاعة المجاهد لأصل نفسي بالمسار الصحيح.
عندما ضبطتُ الراديو على موجة صوت المجاهد، كان أول ما سمعته هذه الأغنية:
خذيني.. خذيني يا آمالي الوديعة
خذيني إلى مدينة القصائد والثورات
أرشديني إلى الطريق المرصع بالنجوم
واجعليني أسمو فوق النجوم…
شعرتُ وكأن كياني صحراء ظمآنة تشرب هذا الصوت العذب قطرة قطرة، لكنها تزداد عطشاً. بعد سنوات، كنتُ أسمع صوت إذاعة المجاهد؛ ورغم كل التشويش عليه، كنتُ أسمع من خلاله -كعطشان وصل للماء بعد فراسخ- ذلك الصوت الذي ارتبط بكل آمالي. شعرتُ مجدداً أنني أرى عيون رفاقي الأسرى من حولي، ووصاياهم الأخيرة، وصوت سهيلا يتردد في أذني:
إذا عبرتَ بسلام.. من صحراء الرعب هذه
فأبلغ سلامنا.. للبراعم وللمطر…
[1] سهيلا مختار زاده كانت من جماهير شباب منظمة مجاهدي خلق التي اعتُقلت في طهران قبل 20 حزيران/ يونيو 1981 بتهمة تأييد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. أُطلق سراحها عام 1986، لكن أعيد اعتقالها أثناء محاولتها الخروج من إيران للانضمام إلى جيش التحرير الوطني الإيراني، وتعرضت هذه المرة لتعذيب أشد بكثير. استشهدت سهيلا أخيراً في 28 كانون الثاني/ يناير 1987 عن عمر ناهز 23 عاماً. وقبلها، كانت شقيقتها البطلة سارا مختار زاده قد استشهدت تحت التعذيب في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981.




















