تنظر «طاهره جباريان ها» بابتسامتها الدافئة وتتحدث بهدوء وتجيب بلطف. وهي وقورة ورزينة ربما أنها تكمن وراء هذه النظرة النقية إرادتها الصلبة وعهدها الخالد.
تعرّف «طاهره جباريان ها» نفسها على النحو التالي:
ولدت في طهران عام 1960. نحن ترعرعنا في أسرة مكونة من ست شقيقات وشقيق واحد. أنا الطفلة السادسة لأسرتي. بين شقيقاتي ، كنت أنا وشقيقتي«طيبه» توأمين ومنذ الطفولة كنا نحب بعضنا البعض للغاية. هنا وفي المقاومة الإيرانية، ابني «إحسان صميمي ها» معي.
وتعرفت أسرتنا النضال منذ عام 1973 من خلال شقيقي «حجت الله جباريان ها». وكان قد بدأ بالفعل النضال السري ضد نظام الشاه إرتباطًا بمنظمة مجاهدي خلق. في ذلك الوقت كان عمري 13 عامًا.
وهكذا توضح «طاهره جباريان ها» كيفية معرفتها بمجاهدي خلق والمقاومة:
أتذكرمرة واحدة عن طريق الصدفة، عندما رفعت جانب سجادة المنزل، وجدت صورة لواحد من الثوريين الشباب في ذلك الوقت التي كان شقيقي قد أخفيها: «”مهدي رضائي“ من شهداء مجاهدي خلق في عهد الشاه والذي أعدمه نظام الشاه» مشاهدة هذه الصورة وهذا الوجه قد ولّدت في داخلي شوقًا وإعجابًا في آن واحد. لم أبُح بشيء لأحد مما حصل في داخلي ولكني شعرت بزرع نبتة من شوق المقاومة داخلي من خلال مشاهدة الصورة.
بعد مرور فترة وجيزة وعقب اعتقال[1] شقيقي على أيدي عناصرسافاك الشاه ( منظمة الشاه السرية) عام 1974 وعندما أكد شقيقي لأمّي من وراء قضبان السجن أنه ينبغي أن يكون مثل شيخة عائلة الشهيد «رضائي» صامدة ومقاومة، كان تشكل المزيد من لحظات فخرالمقاومة والقيم المنبثقة منه في داخلي.
أثناء ثورة ضد نظام الشاه انضمّت «طاهره جباريان ها» إلى موجة معارضي نظام الشاه مثل آلاف مؤلفة من الشباب الإيرانيين، متعطشين للحرية:
وصلنا إلى ثورة فبراير 1979. كانت أيام مفعمة بالحركة؛ كانت شوارع طهران قد أخذت وجهًا آخر. وكان نقضي الليالي الخالدة التي تأبى النسيان.
كنا نجتمع كل ليلة في العائلة ، وكان شقيقي يعطي تعليمات بشأن كيفية المشاركة في المظاهرات وكنا ندخل في المشهد حسب التخطيط. كل من الأخوات الست المصممات ومتحدات، مثل القطرات التي انضمت إلى البحر الكبير، وجدت أنفسنا في صفوف ضخمة للمواطنين والمناضلين وأصبحنا واحدة منهم في شعاراتهم وحركاتهم.
وبعد فترة وجيزة من انتصار الثورة، كانت «طاهره جباريان ها» وأسرتها من ضمن أولئك الذين عانوا أكثر الألم والضغط خلال حكم الملالي:
وكان عقد الثمانينات عقدًا من النار والدماء في إيران. بالنسبة لنا، بصفتنا أنصار مجاهدي خلق ، قلّما بيت بقي أمنًا من اقتحام عناصرالنظام القمعية. لهذا السبب ، كانت إحدى الأولويات الرئيسية هي الحصول على الأماكن والمنازل التي يمكن أن نواصل من خلالها الأنشطة في فترة زمنية قصيرة.
وكان خريف عام 1981 انكشف مكان استقرارشقيقتي التوأم «طيبة» في طهران واقتحمت عناصر الأمن منزلها. وتم اعتقال «طيبه» في تقاطع الطريق في نوفمبر 1981 ونقلوها إلى سجن إيفين.
ولم أكن أعرف عن اعتقالها بسبب تدهور الوضع الأمني، لم يكن من الممكن البقاء في مكان واحد. وفي نهاية المطاف، في 10 مارس 1982، اتصلت عناصر الأمن بوالدتي وخالتي، وطلبت منهما الذهاب إلى السجن لأخذ حقيبة ومستلزمات «طيبه». بهذه الطريقة اطلعنا على إعدامها.
وكان إعدام «طيبه» صعبًا جدًا لوالدي، بحيث بعد بضعة أشهر فقط من هذا الحادث المر تعرض للسكتة الدماغية وتوفي. لقد كان أبًا بعواطف حساسة وعميقة جدًا وكان يعتبر أولاده أنهم كل شيء له.
وبما أنني كنت أحب شقيقتي التؤام «طيبه» للغاية هناك ذكرى وصلت إليّ من زميلاتها في السجن وأنا حفرتها في قلبي. قالت السجينات إن «طيبه» سُميت بـ «فتاة مبتسمة» في السجن. لأن الابتسامة كانت على ملامحها ظاهرة في أي كل الأحوال والأوقات، حتى عند عودتها من ظروف الاستجواب القاسية والمؤلمة وممارسة التعذيب القاتل عليها من قبل محترفي التعذيب كانت «طيبه» في نفس اللحظات العصيبة تحتفظ «ابتسامتها» وكانت آملة ووقورة …
اعتقال «طيبه» في خريف 1981 لم يكن لأسرتنا حالة واحدة فقط.
ومن خلال حملة الاعتقالات نفسها ، تم اعتقال بنات خالاتي. «فاطمه صميمي مطلق» 24 سنة و«زهراء صميمي مطلق» 26 سنة ، كانتا تحملان شهادة البكالوريوس في فرع الاقتصاد. وتم نقل فاطمه وزهراء إلى سجن إيفين بعد اعتقالهما وتم إعدامهما في شتاء ذلك العام. وتم إعدام زهرة في 28ديسمبر 1981 و كذلك تم إعدام فاطمه في 10 فبراير 1982.
في الأيام نفسه عام 1981 تم اعتقال شقيقتي الأخرى«بروين». وكانت عناصرالأمن شككت فيها في الشارع ونقلتها إلى سجن إيفين بعد اعتقالها. وكانت بروين في الحبس لمدة سنتين ونصف السنة وفي نهاية المطاف تم إعدامها في سجن إيفين عام 1984.
بعد تحمل كل هذه المعاناة واجهت «طاهره جباريان ها» خيارًا كبيرًا:
وكانت الحقيقة هي أن عائلتنا كانت تعيش ظروفًا صعبة للغاية في السنوات الأولى من الثمانينات.
وكنا نلمس الألم والضغط من دكتاتورية ولاية الفقيه بكل وجودها. أمامنا ، كان هناك مساران بوضوح:
الأول رضوخ وصمت أمام الدكتاتورية رغم الحزن والألم لفقدان أحبائنا والثاني الانتفاضة ضدها من خلال الانضمام إلى المقاومة وإيصال نفسي إلى الصف الإمامي لهذه المعركة العظيمة.
بالنسبة لي، بصفتي أحد الناجين من هذه العائلة، لم يكن شيء مقبولاً سوى الخيار الثاني! ضميري والعهود والوعود ، والذكريات التي كانت لدي مع كل واحد من أحبائي ، كانت تدفعني إلى نفس المسار.
لذلك، على الرغم من أنني في عام 1990 في الاشتباه بارتباطي بالمنظمة ، فقد عانيت من الاحتجاز المؤقت في اللجنة المشتركة في طهران لمدة 15 يومًا في الحبس الانفرادي ، في سبتمبر / أيلول 2000 ، بعد أن نجحت في القيام بالأمور الضرورية للخروج ، غادرت إيران إلى مقر المقاومة في مخيم أشرف بالعراق.
من ذلك اليوم إلى يومنا هذا مضى مايقارب 18 عامًا. أستطيع أن ألخص هذه السنوات الـ 18 في بيان موجز:
لم يكن هناك خيار سوى المقاومة من أجل الحرية ردًا على تلك التضحيات وحالات التفاني التي جربتها ولمستها. اليوم ، وأنا راضية بهذا الشرف ، أنا وارثة تلك الابتسامة الجميلة «للفتاة المبتسمة» وأعكس هدوئها ويقينها في كل مكان.
-[1]اعتقل «حجت الله جباريان ها» من قبل عناصرسافاك الشاه ( منظمة الشاه السرية) عام 1974وتم زجه في السجن. و كان محتجزًا في سجون قصر وإيفين وجوهردشت حتى عام 1976 وفي نهاية المطاف بعد إسقاط نظام الشاه وفي عهد خميني تم اعتقاله في حملات القمع عام 1981وتم إعدامه عام 1984.



















