نشرت مجلة “ونيتي فير إيطاليا” في عددها الصادر بتاريخ 14 فبراير 2026 حواراً مع آذر كريمي، المتحدثة باسم جمعية الشباب الإيراني في إيطاليا. أجرت المقابلة “مونيكا كوفيلو” مع التركيز على التطورات الأخيرة في إيران ودور المرأة في الانتفاضة الوطنية. فيما يلي النص الكامل للحوار:
شجاعة نساء إيران في مواجهة القمع العنيف: يقفن أمام الأسلحة، يغلقن الطرق، ويرفضن التراجع، لكنهن يدفعن الثمن الأغلى.
منذ 28 ديسمبر 2025، انخرطت إيران في موجة جديدة من الانتفاضة الوطنية التي اندلعت في ظل أزمة اقتصادية حادة وانتشرت سريعاً إلى مئات المدن. كان رد السلطات قمعاً شديداً وواسعاً. وبأوامر من علي خامنئي، فتحت قوات الأمن النار: استهدف القناصة رؤوس وقلوب وعيون المتظاهرين. وأطلقوا النار من فوق الأسطح والجسور بشكل عشوائي على المدنيين العزل، شباباً وشيوخاً. ووفقاً لتقارير شبكة المقاومة داخل البلاد، تم تأكيد سقوط 2270 ضحية منذ يناير، من بينهم 250 امرأة و170 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً، لكن يُعتقد أن الأعداد الحقيقية أعلى بكثير. كما تم اعتقال أكثر من 50 ألف شخص وإصابة أكثر من 330 ألفاً آخرين.
تلعب نساء إيران دوراً محورياً وشجاعاً، حيث يقفن جنباً إلى جنب مع الرجال وغالباً ما يكنّ في الخطوط الأمامية. من الشابات إلى العجائز، أمهات وبنات، من سن 13 إلى 66 عاماً، تشارك نساء من كل المناطق والطبقات الاجتماعية في هذه الانتفاضة، بل إن بعضهن أحضرن أطفالهن الصغار معهن.
لقد أجرينا مقابلة مع آذر كريمي، المتحدثة باسم جمعية الشباب الإيراني في إيطاليا.
النساء في الخطوط الأمامية للانتفاضة، ما هو الدور الذي يلعبنه حقاً؟
لقد رددن شعارات مثل “الموت لخامنئي”، “الموت للدكتاتور”، و”هذا العام عام الدم سيسقط فيه خامنئي”. لقد واجهن مراراً قوات الحرس وغيرها من القوات القمعية وأجبرنهم على التراجع. وقفن في صفوف أمام سيارات رش المياه، وأغلقن الطرق ورفضن الانسحاب. مقابل هذه الشجاعة، دفع الكثير منهن الثمن الأغلى.
كيف يُفسر القمع ضد من ينزلون إلى الشوارع عملياً؟
تواجه الانتفاضة البطولية للنساء والرجال الإيرانيين بوحشية شديدة. المتظاهرون يتعرضون للمجازر، وتواجه النساء قمعاً مضاعفاً وأشد قسوة. فمن جهة، يتعرضن للاضطهاد كجزء من الحركة الاحتجاجية، ومن جهة أخرى، يتم استهدافهن كنساء يتحدين نظاماً قائماً على استعبادهن قانونياً واجتماعياً. النظام الديني بنى شرعيته الأيديولوجية على السيطرة على جسد المرأة ودورها، ولهذا السبب، تُعتبر المشاركة الفاعلة للمرأة في الانتفاضة تهديداً مباشراً لهيكل السلطة. تُستخدم الاعتقالات، العنف الجسدي، الترهيب الجنسي، والاتهامات الدينية الخطيرة لكسر إرادتهن.

لماذا تمثّل النساء رمزاً لهذه الانتفاضة؟
لأن تمردهن يتحدى الأسس الأيديولوجية للنظام. في حكم ديني معادٍ للمرأة، تعتبر قيادة المرأة ومشاركتها ثورة ثقافية حتى قبل أن تكون ثورة سياسية. لقد وضع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية المساواة بين الجنسين في صلب مشروع المواد العشر الذي قدمته رئيسته مريم رجوي: المساواة في جميع المجالات، إلغاء القوانين التمييزية، حرية اختيار الملبس، والمشاركة السياسية الكاملة. إن وجود امرأة كرئيسة منتخبة للفترة الانتقالية ليس أمراً رمزياً، بل هو برنامج عمل يظهر وجود بديل محدد ومنظم.
ما هي الأدوات التي يستخدمها النظام لاستهداف النساء بشكل خاص؟
الاعتقالات التعسفية والحبس الانفرادي، المحاكمات المتسرعة دون ضمانات قانونية، اتهامات “محارب” أي الحرب ضد الله، العنف الجسدي والنفسي، الضغط على العائلات، والتنفيذ الانتقائي والعقابي للقوانين المتعلقة بالحجاب والأخلاق.
ماذا تتضمن تهمة “محارب” أو عدو الله في الواقع؟
إنه اتهام خطير للغاية يحول المعارضة السياسية إلى جريمة دينية، وهو من أخطر التهم في النظام القضائي للنظام، ويمكن أن يؤدي إلى عقوبة الإعدام. إنها أداة سياسية تتخفى في رداء العدالة الإلهية. زيادة الإعدامات التي بلغت 327 حالة منذ بداية العام تظهر أن النظام يستخدم عقوبة الإعدام لبث الرعب ومنع موجات احتجاجية جديدة.
ماذا نعرف اليوم عن مصير المعتقلين الذين اعتُقلوا خلال الانتفاضة؟
المعلومات ناقصة بسبب انقطاع الإنترنت، لكن وحدات المقاومة تؤكد وجود آلاف النساء قيد الاحتجاز. الكثير من المعتقلين يحتجزون في ظروف غير إنسانية دون الوصول إلى محامين أو أفراد عائلاتهم. وبشكل عام، فإن العديد من المرضى الذين نُقلوا للمستشفيات بسبب إصابات الرصاص قد اختفوا بعد أن نقلتهم قوات الأمن. كما كشفت مصادر في إيران عن اعتقال الأطباء الذين شاركوا في علاج المتظاهرين الجرحى. وحسب شهادات الشهود، فقد ألقيت جثث القتلى في مقابر جماعية أو رُميت من سيارات مسرعة، والبعض الآخر أُحرق بالنار والأسيد لكي لا يتبقى أي أثر لعائلاتهم.
كيف يضغط النظام على عائلات الضحايا أيضاً؟
يتم استدعاء العائلات من قبل الأجهزة الأمنية وتهديدهم بالاعتقال أو الانتقام في أماكن عملهم. وفي حالات كثيرة، يُجبرون على المشاركة في مراسم تشييع خاضعة للرقابة. النظام يخشى مراسم التشييع لأنها في إيران غالباً ما تتحول إلى تظاهرات سياسية، لذا يحاول الحد منها أو السيطرة عليها. ومع ذلك، يستمر العزاء الجماعي بأشكال جديدة عبر رسائل سرية وتجمعات عفوية. ويُطلب أكثر من 5000 يورو مقابل تسليم الجثث، وفي كثير من الحالات، تعجز العائلات الفقيرة عن الدفع. تهدف هذه الاستراتيجية إلى كسر التضامن الاجتماعي، لكنها غالباً ما تأتي بنتيجة عكسية. الوضع الاقتصادي ساء بشكل ملحوظ مقارنة بما قبل انتفاضة ديسمبر، والآفاق لا تزال مظلمة. الآن، تأثرت كل عائلة في إيران تقريباً بشكل مباشر، حيث فقدت قريباً أو صديقاً أو زميلاً قُتل أو جُرح أو فُقد خلال الانتفاضة.
ما هو الدور الذي تلعبه أمهات وشقيقات القتلى أو المفقودين؟
تحول الكثير منهن إلى رموز أخلاقية للانتفاضة. رغم التهديدات والضغوط، فإنهن يدنّ ذلك علانية، ويشاركن في مراسم ذكرى سرية، ويحافظن على ذكرى أحبائهن حية. وصفت مريم رجوي هؤلاء النساء بـ “الضمير الحي للأمة”، لأنهن يحولن الألم إلى مقاومة ويمنعن النظام من محو ضحاياه.
كيف يمكن للإيرانيين إطلاع العالم على ما يحدث رغم الرقابة والسيطرة على المعلومات؟
رغم فرض النظام انقطاع الإنترنت والقيود الرقمية لمنع انتشار المعلومات، لا تزال وحدات المقاومة والإيرانيون في الخارج ينشرون الأخبار وأسماء الضحايا والصور والروايات المباشرة. من المهم جداً بالنسبة لنا نشر هذه الأسماء والوجوه. أكدت مريم رجوي أن معركة المعلومات هي جزء لا يتجزأ من المقاومة. ورغم إنفاق النظام مبالغ طائلة على الدعاية والمعلومات المضللة، إلا أنه فشل في منع كشف الحقيقة؛ فكل اسم مؤكد وكل وجه يُنشر يمثل هزيمة للرقابة. (هنا قائمة بأسماء النساء اللواتي فقدن حياتهن، مع صورهن).
رغم القمع، الاحتجاجات مستمرة. من أين يستمدون القوة للمضي قدماً؟
هذا نابع من الغياب الكامل للأفق داخل النظام: الانهيار الاقتصادي، التضخم، الفساد الممنهج، والقمع السياسي. ولكنه نابع أيضاً من وجود بديل منظم ببرنامج واضح للانتقال. أعلنت السيدة رجوي أنه عندما يفقد الشعب الخوف، لا يمكن لأي ديكتاتورية أن تصمد طويلاً. المجازر وجرائم النظام ليست علامة قوة، بل علامة ضعف لديكتاتورية دموية باتت أيامها معدودة. رغم آلاف القتلى وعشرات آلاف الاعتقالات، لم يتم قمع الانتفاضة، وهي مستمرة بشكل حرب عصابات مدنية. تمر الانتفاضة بمنعطفات، لكنها لا تزال مستمرة.
هل الغالب اليوم هو الخوف أم الأمل في تغيير حقيقي؟
الخوف حقيقي، لكنه لم يطفئ الإرادة في التغيير. الانتفاضات الدورية في السنوات الأخيرة تظهر أن المجتمع الإيراني لم يعد يقبل بالوضع القائم. الظروف لن تعود أبداً إلى ما قبل 28 ديسمبر. لقد أوضح الشعب الإيراني: لن يقبلوا بأقل من إسقاط النظام وتأسيس جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الحكومة. هناك خط أحمر واضح ضد أي نوع من الدكتاتورية، سواء النظام الديني الحالي أو نظام الشاه المرتبط بعائلة پهلوي. إيران المستقبل ستكون جمهورية ديمقراطية تسير على خطى محمد مصدق. سيتم صياغة الدستور من قبل مجلس تأسيسي منتخب في غضون ستة أشهر من سقوط النظام.
وكما تقول السيدة مريم رجوي: لم يعد السؤال هو هل سيسقط النظام أم لا، بل السؤال هو متى. التاريخ يظهر أن الدكتاتوريات قد تبدو غير قابلة للهزيمة حتى اليوم الذي تسقط فيه. في إيران، ذلك اليوم بات قريباً.




















