موجة قتل النساء المتصاعدة في ۲۰۲۶ ودور القوانين المناهضة للمرأة في استمرارها
التقرير الشهري – أكتوبر/تشرين الأول 2026: قتل النساء في إيران– في الوقت الذي أصبحت فيه مكافحة العنف ضد المرأة، وتجريم العنف الأسري، وحماية النساء المعرضات للخطر أولوية قانونية واجتماعية في العديد من دول العالم، لا تزال النساء في إيران تحت حكم نظام الملالي المناهض للمرأة يواجهن هيكلية تحرمهن من أدنى أشكال الحماية القانونية.
لا يمكن اعتبار ارتفاع معدلات قتل النساء في إيران مجرد مجموعة من الجرائم الفردية أو الخلافات الأسرية؛ فهذه الجرائم لا تحدث في فراغ، بل هي نتاج نظام أضفى الطابع المؤسسي على التمييز ضد المرأة، حيث لا توفر القوانين أي حماية لهن من العنف، ولا يتم تجريم العنف ضد المرأة، ويتمتع مرتكبوه بحصانة عملية.
لقد هيأت قُرابة خمسة عقود من حكم نظام الملالي من خلال ترويج الثقافة الذكورية وإغلاق سبل الدعم والحماية ظروفاً أصبح فيها العنف ضد المرأة أمراً عادياً ومتكرراً.
وتُظهر مراجعة الحالات المسجلة لقتل النساء في عام ۲۰۲۶ أن المنزل قد تحول بالنسبة للعديد من النساء الإيرانيات إلى أخطر مكان في حياتهن. إذ إن أفراد عائلاتهن المقربين كالأزواج، والأزواج السابقين، والآباء، والإخوة، وأزواج البنات، وغيرهم من رجال العائلة هم من ارتكبوا معظم هذه الجرائم، وليس أشخاصاً غرباء.
أكتوبر ۲۰۲۶؛ أحد أكثر الأشهر دموية بالنسبة للنساء في إيران
تحول شهر أكتوبر/تشرين الأول ۲۰۲۶ إلى أحد أكثر المراحل سواداً ودموية خلال العام بالنسبة للنساء في إيران. فخلال هذا الشهر، تم تسجيل ما لا يقل عن ۲۴ حالة قتل للنساء أسفرت عن سقوط من ۲۵ ضحية (من النساء والأطفال) في جميع أنحاء البلاد؛ وهي إحصائية مروعة تشير إلى أن امرأة أو طفلاً يقع ضحية للجرائم الأسرية يومياً في المعدل.
إن تكرار هذه الجرائم لا يعود إلى حوادث عارضة، بل يكمن في نمط هيكلي متكرر: فرض السلطة والسيطرة على النساء، معارضة استقلالهن وحقهن في الطلاق، استمرار فاجعة زواج القاصرات، تفشي ما يُسمى بجرائم «الشرف»، والانعدام التام لحماية النساء في ظل الفراغات القانونية.
ومن البديهي أن هذه الإحصائيات ليست سوى غيض من فيض، ولا تعكس إلا الحالات التي تمكنت من التسرب إلى الصحافة. وبناءً على التكتم المنهجي الذي يمارسه النظام، فإن الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك بكثير. وقد اعترفت وسائل إعلام وخبراء محليون في وقت سابق بأن ما لا يقل عن ٦٦٪ من النساء في إيران يتعرضن للعنف الأسري خلال حياتهن (وكالة إيسنا، ۱۶ نوفمبر ۲۰۱۸)، وأنه «لا يوجد منزل آمن في إيران اليوم» (صحيفة جهان صنعت، ۱۹ نوفمبر ۲۰۲۰). واليوم، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية في السنوات الأخيرة، أصبحت أبعاد هذه الفاجعة بلا شك أكثر اتساعاً ومبعثاً للقلق.

فرشته يوسف زاده؛ أمٌّ أُمطرت بوابل من الرصاص مع أطفالها
في ۱۵ أكتوبر/تشرين الأول ۲۰۲۶، وقعت فرشته يوسف زاده، وهي أم لثلاثة أطفال والبالغة من العمر ۳۸ عاماً في مدينة دهلران، ضحية لإحدى أكثر الجرائم المروعة هذا العام. حيث قام زوجها، وهو عضو في قوات الحرس التابعة للنظام، بإطلاق النار من سلاح كلاشينكوف على زوجته وابنتها “رزا” (۱۴ عاماً) وطفلين آخرين من العائلة.
كان الخلاف الرئيسي حول وجود ابنة فرشته من زواج سابق داخل الأسرة. وكانت فرشته قد غادرت المنزل منذ فترة، وعندما عادت لأخذ أمتعتها، تم استهدافها مع أطفالها بإطلاق النار مما أدى إلى مقتلها.
يغانه حسين زايي؛ ضحية زواج القاصرات
لم تتجاوز يغانه حسين زايي سن ۱۶ عاماً؛ فقدت والدها وهي في سن الثالثة، وبحسب والدتها، تم تخصيصها للزواج من ابن عمها منذ سن العاشرة، وتزوجت بالفعل وهي في سن ۱۴ عاماً. وقد راجعت والدة يغانه العديد من الجهات مراراً لمنع زواج ابنتها المبكر، إلا أنها لم تمكن من إيقاف هذا الأمر (صحيفة ركنا – ۲۰ أكتوبر/تشرين الأول ۲۰۲۶).
وفي ۹ أكتوبر/تشرين الأول ۲۰۲۶، قام زوجها بضربها بكابل وعصا، ثم أقدم على خنقها حتى الموت.
تجسد حياة يغانه القصيرة صورة جلية لمصير العديد من ضحايا زواج القاصرات في إيران؛ فتيات يُحرمن قبل الوصول إلى مرحلة البلوغ من الحق في التعليم والطفولة والاختيار، ويُحاصرن في دوامة من العنف.
مريم يارمحمدي؛ ضحية ما يُسمى بجرائم الشرف
في جزيرة قشم، لقيت مريم يارمحمدي، الأم لحديثي ولادة البالغة من العمر ۲۸ عاماً، حتفها على يد شقيقها.
وبحسب التقارير، فإن زوج مريم تعاون أيضاً مع شقيقها في ارتكاب هذه الجريمة؛ حيث قام ليلة الجريمة بإخراج الأطفال من المنزل، ثم أقدم شقيق مريم على قتلها بطعنات متكررة بالسكين في الرقبة والصدر وأجزاء أخرى من جسدها.
ولكن الأكثر صدمة من الجريمة ذاتها هو رد الفعل الذي تلاها؛ إذ احتج عدد من أقارب مريم على اعتقال القاتلين، بل ورُصّت أسماء شقيقها وزوجها في إعلان العزاء بوصفهما أصحاب الجنازة والنعاء.
تُقدم هذه القضية صورة جليّة عن ثقافة تُبرر العنف ضد المرأة أو تُضفي عليه طابعاً طبيعياً في ظل القوانين التمييزية.
مينا سلطاني؛ أمٌّ قُتلت في منزلها
في أصفهان، قُتلت مينا سلطاني، الأم لولدين والبالغة من العمر ۴۰ عاماً، على يد زوجها.
وقبل ارتكاب الجريمة، قام القاتل بمكر بإخراج ابنه البالغ من العمر ۲۱ عاماً من المنزل بحجة ما، وحبس ابنه الآخر البالغ من العمر ۱۰ سنوات في إحدى الغرف، ثم أقدم على قتل زوجته بضربات طعن متعددة بالسكين.
تُعد هذه الجريمة نموذجاً آخر لواقع تكرر مراراً في عام ۲۰۲۶؛ نساء يفقدن حياتهن داخل البيوت، التي ينبغي أن تكون أكثر الأماكن أماناً لهن.

عندما ينتهي رفض طلب الزواج بالقتل
لا يقتصر قتل النساء في إيران على العلاقات الزوجية فحسب؛ ففي شهر أكتوبر/تشرين الأول، لقيَت زينب، وهي امرأة تبلغ من العمر ۲۸ عاماً رفضت طلب خطيبها السابق بالزواج، حتفها بطلق ناري داخل أحد المراكز التجارية في تهران.
وفي قضايا متكررة خلال عام ۲۰۲۶، وقعت النساء ضحايا لعنف قاتل لمجرد المطالبة بالطلاق، أو المطالبة بالمهر، أو الانفصال عن الزوج، أو رفض الخُطّاب.
من العنف الأسري إلى القتل
تُظهر مراجعة القضايا المسجلة أن القتل لم يكن أول شكل من أشكال العنف الذي تعرضت له الضحايا؛ فغالبيتهن واجهن قبل القتل تهديدات، وسيطرة، وضرباً، وعنفاً نفسياً، وحرماناً اقتصادياً، وقيوداً صارمة. وفي حالات متكررة، كانت الضحية قد تقدمت بطلب للطلاق أو حاولت الخروج من علاقة عنيفة.
وبعبارة أخرى، فإن القتل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة العنف التي استمرت في ظل غياب الحماية القانونية.
زواج القاصرات؛ مسار ينتهي بالعنف والموت
من بين ضحايا عام ۲۰۲۶، تُلاحظ حالات متكررة لفتيات ونساء كُنّ ضحايا لزواج القاصرات.
من جانا سعدوئي إلى يغانه حسين زايي وعدد آخر من الضحايا، يتكرر النمط ذاته: الزواج في سن مبكرة، ترك الدراسة، التبعية الاقتصادية، العنف المستمر، والقتل في النهاية.
يُعد زواج القاصرات في إيران أمراً قانونياً وشائعاً، ويُعتبر الزواج القسري والمبكر للفتيات إحدى أوضح صور العنف المؤسسي ضد الفتيات المراهقات في إيران. وتُعتبر هذه الظاهرة نتاجاً لنظام الملالي المناهض للمرأة والذي تحول إلى فاجعة اجتماعية بسبب السياسات الاقتصادية والسياسية لهذا النظام.
لماذا يشعر القتلة بالحصانة؟
ولكن قد يكون السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا تتكرر هذه الجرائم بهذه الأبعاد المتصاعدة؟
السؤال الرئيسي ليس لماذا يقدم زوج أو أب أو أخ على القتل؛ بل السؤال الرئيسي هو لماذا يثق العديد من القتلة بأنهم لن يواجهوا عواقب جادة ورادعة.
ومن الأمثلة الصارخة على هذا الوضع، قضية مونا حيدري؛ الفتاة المراهقة التي قُتلت على يد زوجها في فبراير/شباط ۲۰۲۲ بعد سنوات من زواج القاصرات والعنف الأسري.
وشكّلت صور زوج مونا وهو يعرض رأسها المقطوع في شوارع الأهواز صدمة للرأي العام في إيران والعالم. ومع ذلك، فإن العقوبة التي تقررت بحق القاتل لم تتناسب مطلقاً مع أبعاد هذه الجريمة المروعة، وعاد إلى حياته الطبيعية بعد فترة وجيزة.
كانت الرسالة الموجهة للمجتمع من هذه القضية واضحة: حتى أكثر جرائم قتل النساء فظاعة لا تواجه بالضرورة عقوبة قاسية ورادعة، ولا تزال الأمثلة المشابهة مستمرة.
ففي يونيو/حزيران ۲۰۲۵، قُتلت هانية بهبودي، بطلة مصارعة الذراعين في مشهد، على يد زوجها. وقبل ارتكاب الجريمة، قام القاتل بقطع يدي زوجته أيضاً؛ وكانت هانية بدورها ضحية لزواج القاصرات ولديها طفلة بعمر أربع سنوات.
ليس هذا مجرد عنف فردي؛ بل إن المسألة الأساسية هي أن مرتكبي مثل هذه الجرائم يعملون في بيئة لا تحمي فيها القوانين الحالية النساء ولا توفر الردع اللازم.
إن عدم تجريم العنف الأسري، وبقاء قوانين حماية المرأة معلقة، ونقص الدور الآمنة، والنظرة التملكية للنساء، والتمييز المؤسسي في القوانين، كلها عوامل ساهمت في تشكيل ثقافة الحصانة.
وفي كل مرة يواجه فيها قاتل عقوبة خفيفة، تُنقل رسالة إلى المجتمع مفادها أن حياة النساء لا تحظى بالحماية الكافية.

إحصائيات مروعة لعام ۲۰۲۶
تُظهر مراجعة الحالات المسجلة منذ بداية عام ۲۰۲۶ وحتى نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول ما يلي:
- مقتل ما لا يقل عن ۹۲ امرأة وفتاة.
- ۱۳ ضحية على الأقل كُنّ تحت سن ۱۸ عاماً.
- ارتكاب معظم الجرائم من قبل الزوج، أو الزوج السابق، أو الأب، أو الأخ.
- ارتبطت حالات متكررة بشكل مباشر بزواج القاصرات، والزواج القسري، والعنف الأسري.
- تُعد محافظات طهران، وكردستان، وأذربيجان الشرقية، وأذربيجان الغربية، وسيستان وبلوشستان، وخراسان الرضوي، وكرمان من بين المحافظات التي سجلت فيها حالات متكررة لقتل النساء.
تقتصر هذه الإحصائية على الحالات التي وصلت إلى وسائل الإعلام، ومن المحتمل أن تكون الأبعاد الحقيقية للأزمة أكبر بكثير من هذه الأرقام.
قتل النساء في إيران ليس مسألة فردية أو أسرية
على الرغم من أن السكين، أو السلاح، أو الحبل، أو النار تُستخدم من قبل الزوج، أو الأب، أو الأخ، أو غيرهم من رجال العائلة، إلا أن جذور هذه الجرائم تكمن في هيكلية تعتبر النساء مواطنات من الدرجة الثانية، وتتقاعس عن توفير الحماية القانونية لهن، وتمنح مرتكبي العنف ضد المرأة حصانة عملية.
إن الموجة المتصاعدة لقتل النساء في عام ۲۰۲۶ تؤكد مرة أخرى أنه طالما استمرت القوانين التمييزية، والثقافة الذكورية الرسمية، والسياسات المناهضة للمرأة التي يمارسها النظام الحاكم في إيران، فستظل النساء يدفعن ثمن هذه الهيكلية القمعية بأرواحهن.









