مذكرات سجن اعظم حاجحیدری من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الرابع والعشرون
بعد انتهاء أكثر من سبعة أشهر من الاعتقال في عنبر القفص، استمر الألم والتعذيب لكل من اعظم حاجحیدری والسجينات الأخريات بطريقة أخرى. فلم يتم نقلهن إلى العنبر العام، بل إلى الحجر الصحي في سجن قزلحصار؛ حيث كانت آثار أشهر من الحبس في القفص لا تزال تلقي بثقلها على أجسادهن وأرواحهن. وفي هذا الجزء من المذكرات، تتحدث اعظم عن أيام الحجر الصحي، والوضع الجسدي والنفسي للنساء العائدات من الوحدة السكنية، ومحاولات السجانين لإثارة النزاعات، وأخيراً نقلها مرة أخرى إلى العنبر 4.
تُعد اعظم حاجحیدری، إحدى النساء المقاومات من مجاهدي خلق الإيرانية والتي كانت معلمة في ذلك الوقت، حيث روت ذكريات أكثر من خمس سنوات وستة أشهر من فترة سجنها في كتاب ثمن البقاء إنساناً؛ وهي مذكرات توثق جزءاً من تجربة سنوات القمع ومقاومة السجينات السياسيات المجاهدات في حقبة الثمانينات.
في هذا الجزء، تروي سردها لتداعيات سبعة أشهر من الحبس في القفص ومحاولات السجانين لمواصلة الضغط على السجينات بعد انتهاء تلك الفترة.
من القفص إلى الحجر الصحي: شهران في ظل التعذيب والإرهاق
بعد أن جمع الجلادون الأقفاص، أدركوا أنه لا يمكن نقل الأشخاص الذين خرجوا من الأقفاص مباشرة إلى العنابر العامة. فالأخوات، بعد ۷ أشهر من الجلوس المتواصل معصوبات الأعين وتحمل تلك الظروف الجهنمية، لم تكن أي واحدة منهن في حالة جسدية طبيعية، بل كانت كل واحدة منهن وثيقة حية على جرائم النظام ووحشيته وطبيعته الافتراسية. ولو أنهم أدخلونا إلى العنابر، وحتى لو افترضنا أنهم لم يسمحوا لنا نحن أنفسنا بالزيارة، فإن الأخوات الأخريات كن سيخبرن عائلاتهن أثناء الزيارات عن وضعنا، ولكانت الأخبار قد انتشرت بين العائلات.
لذلك رأوا أن من مصلحتهم أن يحتفظوا بنا مدة من الزمن، امتدت لشهرين، في المكان نفسه، أو حسب تعبيرهم في “العزل” (كانوا يسمونه “الحجر”)، حتى تستقر أوضاعنا قليلًا، ثم ينقلونا إلى العنبر.
فعلى سبيل المثال، كانت عيون إحدى الأخوات قد انحرفت بسبب بقاء عينيها معصوبتين سعبة أشهر والنظر من أسفل العصابة، وكانت أعين جميعنا قد أصابها الانحراف. كما أن معظمنا لم تكن لدينا القدرة على الوقوف على القدمين أو المشي.
لكن خبر القفص كان قد انتشر بشكل أو بآخر بين العائلات، وكان أفراد العوائل الذين لم يكونوا قد تلقوا أي خبر عن أبنائها منذ أشهر، يراجعون أجهزة النظام ومسؤوليه مطالبين بالسماح لهم بلقائهم. ونتيجة لذلك، اضطر النظام إلى أن يمنح بعض الرفاق، بعد شهر واحد، لقاءات مع عائلاتهم التي كانت تمارس ضغوطًا من الخارج.
وبعد ثمانية أشهر، كانت العائلات التي سمح لها بلقاء أبنائها قد صدمت من رؤية أوضاعهم الجسدية، وكانت تسعى لمعرفة ما الذي حدث حتى أوصلهم إلى هذه الحالة.
وخلال فترة سجني التي استمرت أكثر من خمس سنوات وستة أشهر، كنت محرومة تقريبًا من الزيارات. كانت أختي الكبرى “مهين”، عندما أطلقت سراحها بعد عامين من الأسر، تراجع السجن بشكل مستمر لعدة سنوات من أجل الحصول على زيارة لي ولأختي الصغرى “نجمة”، وكانت تنتظر ساعات طويلة خلف أبواب سجني “إيفين” و”قزل حصار”، لعلها تتمكن ولو لمرة واحدة من لقائي ولقاء أختي التي كانت قد أنجبت أيضًا أحد طفليها في السجن. لكن طوال هذه الفترة، لم يمنحوها الزيارة ولو لمرة واحدة، بل لم يكونوا يعطونها حتى جوابًا واضحًا: هل نحن في سجني إيفين أم في قزل حصار؟ هل نحن أحياء أم أموات؟ وكانوا يتركونها في حالة من الضياع وعدم معرفة المصير.
كانت “مهين”، وهي تحمل بين ذراعيها أحد طفلي نجمة المصاب بالشلل، تتابع لسنوات، في البرد والحر، محاولاتها للحصول على زيارة لنا. لكنها طوال هذه المدة لم تكن تتلقى أي جواب، بل كانت تواجه باستمرار تهديدات وترهيب أفراد الحرس. إلى أن اضطروا أخيرًا، بعد انتهاء فترة القفص وبسبب انتشار خبرها بين الناس، إلى السماح لها بزيارتي وزيارة “نجمة” مرة أو مرتين. لكنهم سرعان ما قطعوا هذه الزيارات من جديد.
كان طعام عنبر “العزل” خلال هذه الفترة، في أغلب الأوقات، عبارة عن “مرق اللحم”. وكان هذا المرق، كما كانوا يسمونه، يتكون من قطعة عظم واحدة، وقطعة بطاطًا واحدة، وملعقة ماء. حتى إنه لم يكن من الممكن إطلاق اسم “طعام” على ما يقدمونه، لأن ذلك الطعام في الواقع لم يكن يكفي حتى للحفاظ على البقاء على قيد الحياة.

العائدات من عنبر “الوحدة السكنية”
كانوا قد أعادوا بعض السجينات اللواتي أرسلن إلى وحدة “الوحدة السكنية“، وجاؤوا بهن إلى عنبر “العزل”. كانت الكثيرات منهن قد فقدن توازنهن النفسي بسبب الضغوط الجسدية والروحية التي تعرضن لها، ومن بينهن فتاة جامعية تدرس الهندسة الميكانيكية تدعى “شيوا”، أصيبت باضطراب شديد في حواسها وإدراكها. كانت “شيوا” التي كانت تتمتع بذكاء استثنائي وذهن خلاق وموهبة كبيرة، قد تحولت خلال فترة وجودها في وحدة “الوحدة السكنية” إلى مريضة نفسية كاملة، كانت تعاني بشدة من الاختلاط بالآخرين ومن الأوهام، وكانت تبتعد عن جميع الفتيات.
كان لدى شيوا صندوق كرتوني وضعت بداخله صينية وملعقة وكوبًا ومصحفًا وكتاب أدعية وسجادة صلاة. كانت تضع هذه الأشياء أمامها، كما كانت تضع بطانية ووسادة خلف رأسها. وبهذه الطريقة صنعت لنفسها مساحة لا تتجاوز 70 سنتيمترًا، وكانت تقول: لا ينبغي لأحد أن يقترب مني داخل هذه المساحة. وفي إحدى المرات، في المرحاض، عندما تناثر قليل من الماء من يدي عليها، ظلت تضرب رأسها بكلتا يديها لمدة عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة! إلى درجة أنها فقدت وعيها وسقطت. بقيت نصف ساعة ملقاة في المرحاض، ولم يجرؤ أحد على الذهاب لرفعها، لأنها لو علمت أن أحدًا لمسها، لأقامت ضجة كبيرة.
وكانت “فرزانة” مثالًا آخر. كانت ترتدي دائمًا قميصًا أحمر طويلًا، وتتجول في العنبر وهي تتحدث مع نفسها، تضحك وتبكي، وكانت تجلس ساعات طويلة أمام حقيبتها وتنظر إليه. أو كانت تنام، أو تذهب وتقف فوق رؤوس الأخوات وتحدق بهن، بحيث كان المرء يظن أنها تريد خنق إحداهن. أو كانت تجلس في الحمام أو المرحاض وتفتعل مشاهد مقززة ومؤلمة لا يمكن وصفها.
وهكذا كانت “الوحدة السكنية” التي كانت أكثر رعبًا من عنبر القفص، قد تسببت في أن يفقد عدد من السجينات توازنهن النفسي بشكل غير قابل للعلاج.
تسمية عنبر العقوبات 8 بـعنبر الحرية!
بعد شهرين من بقائنا في “العزل”، وحين أصبح مظهرنا الخارجي طبيعيًا إلى حد ما، أعادونا مرة أخرى إلى العنبر الثامن، وبقينا هناك أيضًا مدة شهر.
في العنبر الثامن، كانوا يسلطون الخائنات علينا. كانت مهمتهن أن يستفززننا من خلال الجدال والمشادات معنا، وأن يدفعن الأمور إلى الشجار، ويصنعن ذريعة وحجة لممارسة الضغط علينا. لكن هذه المحاولات لم تجد نفعًا كثيرًا، لأن قصة القفص كانت قد انتشرت بشكل واسع بين العائلات، كما أن القضية كانت قد طرحت بين فئات من الناس وأصبحت، كما يقال، قضية اجتماعية. وكانوا قد أطلقوا على العنبر الثامن، الذي كان معروفًا طوال السنوات بأنه عنبر تأديبي، اسم “عنبر الحرية”!
كما نقلوا إلى العنبر 8 مجموعة من السجينات من العنابر الأخرى اللواتي انتهت مدة سجنهن، وكذلك عددًا ممن قالوا، حسب تعبيرهم، إنهم منحوا العفو، ونقلوا السجينات اللواتي كن قد نقلن من القفص إلى هناك، إلى العنبرين 3 و4. أما أنا فنقلت إلى العنبر 4.
كان هدفهم أن يخرجوا، حسب تصورهم، العنبر 8 من وضعية عنبر تأديبي ومركّز، وأن يعيدوا إليه وضعًا عاديًا. لكن رغم هذه الإجراءات، كانوا يبقون العنبر دائمًا تحت سيطرتهم، ويدخلون إليه عددًا من العميلات والسجانات الجديدات للسيطرة على الوضع.
وكانوا يقومون بذلك طبعًا بحيلة وتحت غطاء أجواء الحرية. فمثلًا كانوا يقولون إن كل شخص يستطيع أن يتحدث مع من يشاء وأن يدرس ويطالع، لكنهم كانوا يتذرعون بأسباب مختلفة للتضييق على السجينات وإزعاجهن.
ذات مرة، وبسبب الضعف الجسدي الشديد الذي كنت أعاني منه، لم أكن أستطيع لا المشي كثيرًا ولا حتى الجلوس، ولذلك كنت أقضي معظم الوقت في حالة استلقاء. وكانت بعض الخائنات في العنبر يمشين معًا، ويقمن بنظرات ساخرة، ويشرن إلي ويقلن إن هؤلاء، من خلال هذه التصرفات، يحاولون خلق أجواء وإيحاء بأنهم يريدون القول إننا كنا تحت الضغط.
كانت جميع زنازين قزل حصار تحتوي على أسرة ثلاثية الطوابق. وفي إحدى المرات، عندما أردت الصعود إلى السرير العلوي، وما إن رفعت قدمي حتى أصابتني تشنجات عضلية مفاجئة، وتحولت إلى حالة أشبه بالشلل، فلم أعد قادرة على الحركة. عندها ساعدتني الأخوات وأنزلنني من سريري، ثم وضعنني في أحد الأسرة الموجودة في الطابق السفلي.
ولأن سريري كان بجانب قضبان الزنزانة، كانت الخائنات يأتين مجددًا إلى الممر، ويجلسن خلف القضبان، ويتعمدن الحديث مع بعضهن البعض لإيذائي واستفزازي، ويسخرن مني، ويلقين عبارات تهكمية ويضحكن. لكنني، بما أنني كنت أعلم أن كل هذه التصرفات كانت تهدف إلى خلق أجواء للصدام وإثارة الفوضى داخل العنبر، لم أكن أعير أي اهتمام لهرائهن. وبعد ذلك قامت الأخوات بتغيير مكاني، وبذلك فشلن في تنفيذ المخطط الذي كن قد أعددنه.
يتبع …




















