مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب «ثمن الإنسانية» – الجزء التاسع عشر
في الجزء التاسع عشر من مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري، المنشورة في كتاب «ثمن الإنسانية»، تواصل الكاتبة سرد تجاربها المريرة خلال سبعة أشهر ونصف قضتها في عنبر الأقفاص والصمت المطبق، وما رافق ذلك من أذى وتعذيب نفسي وروحي مستمر على أيدي الجلادين.
كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة تبلغ من العمر 22 أو 23 عاماً، وقد خطت خطواتها في مسار النضال. أمضت 5 سنوات في سجون قصر العدل المؤقت، وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي حرس خميني.
قانون الصمت المطلق وعنبر القفص
كان قانون الصمت المطلق هو السائد في عنبر الأقفاص. ولم يكن يسمح لنا بالكلام إطلاقًا. وإذا كان لدى إحدانا أي أمر، أو أرادت شيئًا، كان عليها أن ترفع يدها، وتبقيها مرفوعة حتى تراها إحدى السجانات أو إحدى الخائنات، فتأتي إليها بنفسها. كان تقترب وتدني فمها القذر إلى أذن السجينة، وتقول: تكلمي بهدوء! فإذا ارتفع صوتنا قليلًا، كن ينهلن علينا باللكمات والركلات، ثم يرفعن تقريرًا يقلن فيه: هذه المنافقة تريد بهذه الطريقة أن تخبر زميلتها المجاورة بأنها هنا. وعندئذ كان يظهر “حاج داوود” ومساعده العميل “أحمد”، فتُنهال على السجينة ضربات وحشية من اللكمات والركلات والسياط. وكان أبشع ما يفعلونه أن يضربوا رأس السجينة ووجهها بالحائط، وكانوا يقولون، على حد تعبيرهم، إنهم “يعيدونها إلى رشدها”، حتى لا يخطر ببالها بعد ذلك أن تطلب شيئًا!
وقبل توزيع الطعام كانوا يوجهون إلينا ضربة على الرأس. وكان معنى ذلك: الطعام!… كلي! لكنهم في معظم الأحيان لم يكونوا يعطونني الطعام، بل يتجاوزونني، ولم أكن أعرف أن الطعام يوزع إلا من خلال حركة الذهاب والإياب، وأصوات الأواني. وبعد أن ينتهوا من التوزيع، كانوا يقولون: من لم تحصل على الطعام؟ لترفع يدها. لكنني لم أكن أرفع يدي، ولذلك كانوا في كثير من الأيام لا يعطونني الطعام، ويقولون: أيتها المنافقة، ستحتاجين إلينا في النهاية يومًا ما! كانوا يريدون أن يركعوني عن طريق الطعام، لكنني لم أفعل ذلك.
وطوال الأشهر التسعة التي قضيتها هناك، منها سبعة أشهر ونصف في القفص، ونحو شهرين في الحجر، ظلوا يعاملونني بهذه الطريقة في سبيل إرغامي على الركوع.
وبسبب الجوع والحرمان من الطعام، كنت في الأيام الأخيرة قد أصبحت ضعيفة إلى درجة أنهم عندما كانوا يأتون ليأخذونني إلى الصلاة، ويمسكون بشادوري (العباءة) لكي أنهض، لم أكن أستطيع الوقوف. وكانت يداي وقدماي قد تيبستا بسبب الجلوس الطويل والجوع، ولم تعد فيهما قوة. كانوا يرفعونني بالقوة. وما إن أقف حتى أسقط على وجهي على الأرض. عندها كانت السجانات والخائنات ينفجرن بالضحك، ويقلن: ها هي البطلة تنهار!
وكان “حاج داوود” الجلاد يقول: سأبقيك هنا حتى تموتي! سأجعلك تتحسرين على حلمك بأن تخرجي من هنا بصفتك مجاهدة تعرضت للتعذيب. لن أسمح لك بأن تصبحي بطلة. ثم كان يطلق ضحكاته ويقول: إني أنا البطل! أنا الذي أجعل أنتم المنافقين تركعون!
تذكرت يومًا جاء فيه شقيق الملا خامنئي مع وفد لزيارة عنبرنا، العنبر الثامن. وكانت “أم عفت شبستري” التي كانت تبدو في نحو 65من عمرها، بيننا أيضًا. كانت جميع مفاصلها مصابة بالتهاب المفاصل، ولم تكن تقوى على المشي، ولذلك بقيت في زنزانتها الواقعة في آخر العنبر ولم تخرج. وكان أحد مرافقي شقيق خامنئي، ويبدو أنه كان تربطه بها قرابة، قد قال للأم بسخرية: “أنت التي تدعين أنك شجاعة، تعالي إلى هنا وتكلمي!” وأجبر الأم على الخروج من زنزانتها والذهاب إلى الزنزانة الأولى في العنبر. وبسبب التهاب المفاصل، وغياب أي دواء أو علاج، كانت الأم تمشي بصعوبة بالغة، فسقطت في الطريق. فضحك أولئك العملاء الذين جاءوا -بحسب زعمهم- للنظر في شكاوى السجينات، وراحوا يطلقون عليها السخرية والاستهزاء: “ألم تكوني شجاعة؟ كيف لا تستطيعين المشي؟!”
كانت الأم، رغم حالتها الجسدية البالغة السوء، أسدًا حقيقيًا من حيث المعنويات. وهناك كنت أجيب عنها في داخلي: اضحكوا أيها الحمقى! نعم، سأسقط على الأرض، وسأقع عشر مرات أخرى، لكنني لن أستسلم! وفي النهاية أنا المنتصرة وأنتم الخاسرون! وأنتم محكوم عليكم بالفشل. وعندما كنت أنا أيضًا أسقط على الأرض هنا ويضحك الجلادون، تذكرت ذلك المشهد وكلمات ذلك اليوم، وقلت في نفسي: نعم، سأسقط، لكنني لن أستسلم! وسنرى في النهاية من الذي سيهزم ومن الذي سينتصر!
استمر هذا الوضع أكثر من سبعة أشهر، ليلًا ونهارًا. وخلال هذه المدة لم يكن لنا أي اختيار أو إذن في أي شيء، لا في الذهاب إلى المرحاض، ولا في تناول الطعام، ولا في الصلاة، ولا في أي أمر آخر. كنا نمضي الليل والنهار كلهما جالسات بلا حركة، بلا صوت، معصوبات الأعين، في وضعية القرفصاء. ولم يكن مسموحًا لنا حتى أن نسند ظهورنا إلى جدار القفص. فإذا استندت إحدانا، سقط الجدار الفاصل فوق رأس السجينة المجاورة، وكان ذلك يعقبه الضرب المبرح وضربات الكابل. وخلال النهار لم يكن مسموحًا لنا بالنوم، ولا حتى بالغفوة. وكان أقل أثر للنوم أو النعاس، وكذلك إحداث أقل صوت، حتى عطسة أو سعال لا إرادي، يعد إشارة إلى الأخريات، ويستتبع وابلًا من اللكمات والركلات من “الحاج” وأفراد الحرس وعميلاتهم الخائنات، أو ضربات السياط.
والساعة الثانية عشرة ليلًا كانوا يقولون: ناموا!. لكن القفص كان قصيرًا إلى درجة أنني، رغم أن طولي 157 سنتيمترًا، لم أكن أستطيع التمدد فيه. فإذا وضعت رأسي على الأرض، استقر فوق الحديد الموجود عند حافة السريرين الملحومين ببعضهما، وكانت الحافة الحديدية الحادة تغرس في رأسي. وعندما كانوا يسمحون لنا بالنوم، كان علينا أن ننام بالملابس نفسها، وبالشادور، ومعصوبات الأعين. لكن في تلك اللحظة بالذات كان وقت الضرب بالكابلات قد بدأ للتو.
بعد الساعة الثانية عشرة ليلًا، كان “حاج داوود” ومساعده العميل “أحمد” يطوفان، والكابل بأيديهما، على عنابر الأقفاص، ليمنحانا حصتنا اليومية من الضرب!
ومنذ منتصف الليل كانوا يشغلون المذياع ويرفعون صوته إلى أقصى حد ممكن حتى لا نستطيع النوم. وكان هذا يتكرر كل ليلة. في البداية كان ذلك يرهقني، ولم أكن أستطيع التكيف معه، لأنني، إلى جانب تعب النهار والضغوط النفسية، كنت أتمنى على الأقل في الليل أن أكون مع نفسي وأن أنام بضع ساعات. لكنني كنت أحاول أن أحول كل وسيلة يستخدمها العدو لتحطيمي إلى عاملًا إيجابيًا يفيدني.
واكتشفت أن ذلك وفر لي فرصة جيدة لجمع المعلومات وتخزينها، ثم التفكير فيها طوال النهار. فمثلًا، كنت أتابع الأخبار من خلال خطب صلاة الجمعة التي كانت تبث كل يوم من إحدى المدن، ولا سيما يوم الجمعة حين كانوا ينقلون صلاة جمعة طهران، إذ كنت أحصل منها على أخبار كثيرة.
كنت سعيدة جدا بهذه الإمكانية الجديدة التي وجدتها، حتى إن النوم كان يطير من عيني، ويصبح ذهني أكثر يقظة، فأفكر: كيف أستفيد من كل برنامج يبث؟ من الآيات القرآنية أو مقاطع نهج البلاغة التي كانوا يبثونها أحيانًا، إلى القصائد التي كانت تذاع في برنامج “درب الليل” (“راه شب” بالفارسية)، إلى خطب أئمة الجمعة، إلى برنامج “العمل والعامل” الذي كان يرسم صورة عن بؤس الناس، أو البرامج التي تتناول الإدمان والمخدرات وغيرها…
وكانت بعض البرامج مضحكة فعلًا، حتى إنني وأحيانًا كنت أستلقي وأضحك، في برنامج الساعة السادسة صباحًا، حين كانوا يبثون برنامج “العمل والعامل”، كانوا يعرضون أخبارًا وتقارير عن الوضع المؤلم للعمال والكادحين، فكانت تشكل بالنسبة إلي مادة فكرية ثمينة أتأملها طوال النهار، وأستمد منها دافعًا إضافيًا للمقاومة.
كما تعلمت كيف أغفو أثناء النهار، في الأوقات المناسبة، من دون أن يلاحظني أفراد الحرس أو الخائنات، وبذلك أعوض جزءًا من قلة النوم في الليل.
أما تقديم الطعام فلم يكن له وقت ثابت؛ كانوا يقدمونه متى شاؤوا، وكذلك كانوا يأخذوننا للصلاة أو إلى المرحاض متى أرادوا. وفي العادة كانوا يسمحون لنا بالذهاب إلى المرحاض ثلاث مرات في اليوم، لكن حتى هذا لم يكن يحدث دائمًا. وحتى عندما كانوا يأخذوننا إليه، لم يمنحونا دقيقة واحدة. فما إن ندخل، حتى يفتحوا الباب من جديد، بقصد الإيذاء والتعذيب، ويقولوا: أيتها المنافقة، انتهى وقت!
وبسبب شدة الضغط والتوتر، كنت قد أصبحت مريضة، ولم أكن أستطيع أن أفعل شيئًا حتى خلال تلك الدقيقة الواحدة، فأصبت بتشنجات. وكان الألم في مختلف أنحاء جسدي شديدًا، نتيجة الجلوس المتواصل ساعات طويلة في وضع القرفصاء، حتى إنني لم أعد أستطيع الجلوس على قدمي. وكانت قدماي، بسبب طول الجلوس، قد امتلأتا بالجروح.
وأحيانًا كنت أضع قدمي الواحدة فوق الأخرى كأنهما كرسي صغير، لأرفع جسدي قليلًا فتخف آلام الجروح، لكنني لم أكن أستطيع الاستمرار على ذلك أكثر من بضع دقائق. وإذا تحركت أكثر قليلًا لأغير وضعي، كانوا يضربونني على رأسي ويقولون: أيتها المنافقة! ما بك تتلوين هكذا؟ هل يحكك جسدك؟! ثم يرفعون تقريرًا ضدي، وفي الليل كانت الكابلات واللكمات والركلات تنهال علي مرة أخرى، فتضيف ألمًا جديدًا إلى آلامي.




















