اغتصاب سجينة
مذكرات السجن لمهری حاجی نجاد من كتاب «الضحكة الأخيرة لليلى» – الجزء السادس عشر
في الحلقة السادسة عشرة من مذكرات السجن للكاتبة مهري حاجي نجاد، والمستقاة من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى، تكشف الكاتبة التي كانت في ذلك الوقت طالبة مراهقة، عن حالة من الانهيار النفسي لسجينة نتيجة تعرضها للاغتصاب. كما تستعرض نماذج لنساء تعرضن لتعذيب طويل الأمد على يد جلادي نظام خميني، لمجرد كونهن شقيقات لمجاهدي خلق.
جرح يحرق روح الإنسان
في أواخر عام 1981، كنت في العنبر 240 العلوي، حين فُتح الباب ودخلت سجينة جديدة تُدعى رويا. كانت حالتها مزرية للغاية، بهيئة متسخة واضطراب نفسي واضح. وكعادتنا مع كل قادم جديد، استقبلناها بالماء والشاي لتهدئتها، لكننا واجهنا وضعاً مختلفاً؛ إذ أدركنا من ردود أفعالها أنها فقدت توازنها العقلي.
تبين من حديثها أنها قضت 15 يوماً متواصلة في فرع الاستجواب تحت وطأة تعذيب وتحقيق لا يتوقف. لكن ما لم نكن نفهمه هو السبب الدقيق وراء فقدانها لعقلها. قالت رويا، التي كانت البراءة تملأ نظراتها، إنها اعتُقلت بتهمة تأييد الجماعات اليسارية رغم أنها لم ترتكب أي جرم. كانت تصرخ في وجه القضبان وتكيل الشتائم للمحققين والسجانين، ثم تنهار باكية في الزاوية.
حاولنا مراراً العناية بها، لكننا كنا ننجح في ذلك نادراً، كأنها قد تخلت عن كل شيء، ولهذا السبب كانت تثير فينا علامات استفهام أكثر: ماذا حدث؟ وما الذي جعلها على هذه الحال؟
رویا لم يصل إلينا أذاها، لكنها كانت تعاني ألماً شديداً بنفسها، قد أصبحت كطفلة صغيرة تثور وتبكي لأتفه الأسباب. كانت إما لا تأكل الطعام أصلاً، أو تأكل القليل جداً منه، ولا تذهب إلى الحمام أيضاً، وكانت حالتها سيئة جداً.

ذات يوم، أصررنا أنا والمجاهدة الشهيدة شهناز إحسانيان على إخراجها للمشي، في ذلك اليوم، روينا لها نكات وكلاماً تارة ذا صلة وتارة بلا صلة، حتى نخرجها قليلاً من الحالة التي كانت فيها. أخذنا منها وعداً بأن تستحم حين يسخن الماء، وأن تأتي يومياً معنا للتنزه. لم تأتِ للتنزه إلا مرة أو مرتين، لكنها في النهاية قبلت بالاستحمام.
كنا نذهب إليها بذرائع مختلفة، من صنع السبح إلى قول الشعر وغيرهما… وكانت هي قد تحسنت قليلاً عما قبل. في يوم من الأيام، وبينما كنا نتمشى في الممر ونتحدث، سألناها: لماذا أنتِ حزينة إلى هذا الحد؟ هل استشهد أحد من أقاربك؟ لماذا لا تأكلين؟ لماذا تبكين كثيراً؟ كانت تنظر إلينا وتستمع إلى أسئلتنا، وقد أصبحت أكثر جدية، وكأنها لم تعد تلك الـ«رویا» غير المتزنة، لكنني فجأة رأيت في أعماق عينيها بريق غضب وكراهية.
قالت: «أنتن لا تعرفن ما الذي حلّ بي! أنا لم أفعل شيئاً، لكن هؤلاء الغوريلات يظنون أنني أملك معلومات وأرفض إعطاءها. لقد ضربوني حتى الموت، لقد دمروا حياتي». فجأة، كأن جرح قلبها قد فتح من جديد، هربت رویا منّا وركضت نحو قضبان مدخل العنبر، وبينما تضرب القضبان وتحاول اقتلاعها، كانت تصرخ وتسبّ وتقول: «اقتلوني! لماذا دمرتم حياتي؟! يا مجرمين!» و…
كنت أنا وشهناز خائفتين جداً، فقد أحدث صوت رویا فوضى في العنبر كله، وكانت تصرخ من أعماق قلبها بكل قوتها، وتسبّ الحراس والملالي بكل ما تستطيع. من الخوف لم نستطع حتى الاقتراب منها، كانت رویا قد امتلكت قوة خارقة وكانت تكاد تقتلع القضبان. جاءت الحارسات وأخذنها، ولم أعد أعرف إلى أين نقلنها وما آل إليه مصيرها.
لكن بعد أن أخذوا رویا، قالت لنا مينو -إحدى مؤيدات الجماعات-: «رویا في الحقيقة لم تفعل شيئاً وهي بريئة تماماً، ولا يُعرف حتى لماذا اعتقلت، فهي لم تكن تمارس أي نشاط سياسي، لكن المحققين المتوحشين، ظانين أنها تقاوم، اغتصبوها لكسرها».
لمجرد كونها شقيقة مجاهد!
كانت ”كلناز“ شقيقة المجاهد مصطفى معدن بيشه، ولهذا السبب وحده جرى اعتقالها. في خريف عام 1982، نُقلت كلناز إلى غرفتنا في العنبر 240. بدأت قصتها عندما لجأ مصطفى إلى منزلها هرباً من الملاحقة، فداهم الحرس المنزل، لكنها تمكنت من تهريبه، فاعتقلها الحرس بدلاً منه. تعرضت لضرب مبرح أدى إلى تورم جسدها لضعف حجمه الطبيعي، وكانت قدماها سوداوين ومليئتين بالقيح والآثار.
كانت كلناز أمية، لكنها كانت شجاعة جداً ولطيفة القلب. عندما دخلت الغرفة، قالت بألفة وكبرياء: «اسمي كلناز، جاؤوا بي بسبب مصطفى، ولي ثلاثة أطفال أيضاً، أحضروهم معي، لكنني لا أعرف أين هم الآن. ليس لي زوج، أعمل في مصنع الطوب».
بعد دقائق من دخولها الغرفة، ذهبت أنا وزهرة إليها، جلستا بجانبها وبدأنا ندلّك قدميها. مع كل دلك، كان يخرج القيح والدم من أخمص قدميها، كنّا نصرخ «آخ»، لكن كلناز تقول: «هكذا جيد جداً، ألمي يقل». أثناء الدلك قلنا لها: لا تتحدثي مع أحد عن مصطفى. في تلك الأيام، كان النظام يُدخل إلى غرفتنا عدداً من المنشقين والخائنين لكسر معنوياتنا، وكانوا يبحثون عن استخراج معلومات من الأشخاص.
كانت كلناز ريفية وبسيطة، ولها قلب مفعم بالحنان. لقد جلدوها بالكابلات أياماً متتالية، يطلبون منها عنوان مصطفى ومكانه. لم تقل كلناز سوى: «لا أعرف، لا أعرف». هذا القدر من الصبر والهدوء والمقاومة من كلناز قد سُجّل في ذهني كجزء من ملاحم المجاهدين.
بعد أيام قليلة، أحضروا أطفال كلناز الثلاثة إلى العنب وسلموهم إلينا. كان محمود، الابن الأكبر لكلناز – أعتقد أنه كان في الخامسة – قد أصبح عصبياً جداً وغير قابل للسيطرة على الإطلاق. فقد شاهد مشاهد متعددة من تعذيب أمه وسائر السجناء، ولم يكن يستطيع فهم ما الذي حدث ليجد نفسه فجأة في هذا الجحيم. كل شيء كان غريباً بالنسبة له. كان يتصرف تصرفات غير طبيعية، يصرخ ويهرب من الغرفة. لم يكن معلوماً ما الذي رآه هذا الطفل البريء في سنه ليصل إلى تلك الحالة.
كانت ألعاب هذا الطفل هي لعبة المحقق والمتهم. رأيته مرات عديدة يصطف الأطفال الصغار خلف بعضهم، يغطي أعينهم، ويعطيهم حبلاً في أيديهم. يقول لهم: «تعالوا، لديكم تحقيق». وهو يمشي بجانبهم يقلد السجان.
مرة رأيته يجلس طفلاً أمام الجدار ويقول له: «هيا اكتب، لديك وقت حتى الساعة كذا لتكتب!»…
كانت كلناز تذهب إلى التحقيق أياماً طويلة، ويعودون فيضربونها بالكابلات مرة أخرى على قدميها المجروحتين، ثم تعود إلى العنبر. لم تكن تعرف شيئاً عن مصطفى، لكن الجلادين، بسبب حقدهم على مصطفى، لم يكفوا عنها.
رعاية ثلاثة أطفال في تلك الحالة داخل السجن كانت عذاباً آخر لكلناز. وفي خارج السجن أيضاً لم يكن لديها أحد تسلم إليه الأطفال. بقيت أكثر من سنة في قسمنا، وتكررت هذه المشاهد مراراً.
في عام 1983 وصل خبر استشهاد مصطفى في اشتباك. لم نخبر كلناز بهذا، ولا أعرف متى علمت به. لكن في عام 1983 نقلوه من عنبرنا، ولم أعد أعرف إلى أين ذهبت، وإلى الآن لا أعرف ما آل إليه مصيرها ومصير أطفالها.




















