ذكريات السجن لمهري حاجي نجاد من كتاب «الضحكة الأخيرة لليلى» – الجزء الخامس عشر
في العددين السابقين من ذكريات السجن لمهري حاجي نجاد المُدوَّنة في كتاب « الضحكة الأخيرة لليلى»، روت الكاتبة -التي كانت آنذاك مراهقة طالبة- ذكرى كانت فيها على بُعد خطوة واحدة من الإعدام والإطلاق النار. في هذا العدد، تتحدث مهري عن رفيقة أيام السجن شهناز أحسانيان[1]، وتعرّفنا على ملامح هذه المرأة المقاتلة.
التضحية بالنفس للحصول على أخبار جديدة
في أواخر عام ١٩٨٤، نُقل عدد كبير من السجينات الحاكم عليهن إلى سجن قزلحصار أو إلى سجون المحافظات الأخرى. نتيجة لذلك، انخفض عدد السجينات في الغرف التي كانت تضم ١٠٠ شخص في سجن إيفين إلى ٤٥-٥٠ سجينة، فأصبح لدينا مساحة أكبر مقارنة بعام ١٩٨٢. رغم أنه في عهد الشاه لم يكن يُحتجز في هذه الغرف نفسها أكثر من ١٠-١٥ سجينة.
في تلك الأيام، لم يكن يُؤتى تقريبًا بأي سجينة جديدة إلى العنبر، وكانت تمر أحيانًا أشهر طويلة دون أن نتلقى أي خبر من الخارج. ذات يوم قلنا: حسنٌ أن نفعل شيئًا يجبرهم على استدعاء إحداهن للتحقيق، ولو كعقوبة، حتى نعرف ما يجري في أقسام التحقيق، وهل أُلقي القبض على شخص جديد يمكننا من خلاله الحصول على أخبار عن المنظمة.
رحمة الله على شهناز أحسانيان، التي كانت مشهورة بين الرفيقات بفرحها وحيويتها، فقالت: اليوم أثناء الغداء سأفعل شيئًا يدفع الخونة إلى كتابة تقرير عني، فيستدعونني للتحقيق. وفعلت ذلك بالفعل.
في وقت الغداء، أمسكت بقاع الرز المحروق ورمته نحو السقف وقالت: ما هذا الطعام؟ كان ذلك كافيًا. بعد غدٍ ذلك اليوم، استُدعيت شهناز للتحقيق. عند سماع اسمها، انفجرنا جميعًا بالضحك، لأن خطتنا نجحت. رغم أننا كنّا نعلم أن شهناز ستدفع الثمن، لكن الأمر كان يستحق: أن تأكل إحداهن بضعة كيبلات مقابل أن نحصل على خبر من الخارج.
أبقوا شهناز واقفة حتى آخر الليل في الشعبة الرابعة للتحقيق. كلما سألت شهناز المحقق مرارًا: لماذا استدعيتموني؟ كان يضربها بقبضته على رأسها ويقول: أنت تعرفين جيدًا لماذا استدعيناك. وفي النهاية، وجه إليها عدة لكمات وركلات، وقال: من الآن فصاعدًا لا أريد أن أراك تشتكين من الطعام. احذري أن تكوني تخططين لإضراب عن الطعام. إذا كررتِ هذا العمل مرة أخرى، سنرميك في الحبس الانفرادي.
[1] شهناز أحسانيان من مدينة بابل، وكانت تنشط في قسم الأحياء التابع لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية بطهران. اعتُقلت شهناز عام ١٩٨١. كان روحها المعنوية العالية والصلبة تؤثر في الجميع داخل السجن. بعد تحمّل خمس سنوات من الأسر في غرف التعذيب التابعة للملالي، أُطلق سراحها في الأيام الأخيرة من أكتوبر ١٩٨٦؛ فانضمت فورًا إلى جيش التحرير الوطني،الإيراني واستشهدت أخيرًا عام ١٩٨٨ خلال عملية « الضياء الخالد» في سبيل تحقيق غدٍ مشرق لشعب إيران.
عندما عادت شهناز، ذكرت أن عدداً من الأشخاص قد اعتُقلوا أثناء محاولتهم عبور الحدود، ومن بينهم أخت تُدعى جميلة، وهي من سكان الشمال كانت قد أُطلقت سراحها من السجن عام 1982. كما تم جلب عدد من المعتقلين من سجن قزلحصار إلى سجن إيفين لاستجوابهم.
كنا نتساءل باستمرار عن سبب نقل السجناء من قزلحصار إلى إيفين لأغراض الاستجواب، وهل كان ذلك بسبب ارتباط ملفاتهم بآخرين؟ لقد كان الجميع يفكر في سبب عودة رفاقهم في القضية إلى إيفين. وعلمنا لاحقاً أنه نتيجة لما عُرف بقضية “تنظيم داخل السجن” والجرائم الوحشية التي ارتكبها لاجوردي ورحماني في قزلحصار، سِيق عدد من أخواتنا مجدداً إلى غرف التحقيق.
لم تكن تلك المرة الأخيرة التي نستخدم فيها هذه الطريقة لجمع المعلومات. وفي مرة أخرى، قالت مهري: “هذه المرة أريد الذهاب لاستطلاع الأمر”. كانت مهري قد فقدت الكثير من وزنها وظهرت بقع سوداء في عينيها بسبب مرض الكبد. كانت تمزح داخل الغرفة قائلة: “بيتنا يقع بجوار المسلخ، أتعلمون أي مشاهد للقتل كان المرء يراها؟”. ظن الخونة النادمين أنها تعطي توجيهات محددة، فسارعوا بتقديم تقارير ضدها. وفي اليوم التالي، استُدعي مهري للتحقيق وتكررت أحداث شهناز ذاتها؛ لقد كانوا مغفلين ولم يدركوا أننا كنا نفعل ذلك بوعي تام.
شهناز إحسانيان
ولدت شهناز إحسانيان في عائلة كادحة ومحرومة في مدينة بابل، وكانت تنشط في قسم الأحياء التابع لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في طهران. تعرفتُ عليها عام 1981 بعد أن فُتحت أبواب غرفنا في العنبر 240 العلوي. كانت شهناز مليئة بالحماس والطاقة؛ كانت تُساق كل 10 إلى 15 يوماً للتعذيب بالكابلات ثم تعود. في الحقيقة، لم أسألها يوماً عن تفاصيل ملفها، لذا لا أعرف سبب كل ذلك التعذيب الذي تعرضت لها، لكنها كانت تعود دائماً من الاستجواب وهي تبتسم وتغني: “تحدثي يا نازلي، لكن نازلي لم تتكلم”.
كنت أشارك شهناز دائماً في أمرين: إنشاد الأناشيد وإحياء المناسبات التنظيمية المختلفة مثل 20 يونيو و8 فبراير، والمشي بعد تناول الطعام. وخلال ذلك السير، كنا نتحدث عن أحلامنا بالانضمام للمنظمة وذكرياتنا في الأيام الجميلة للمرحلة السياسية.
في عام 1984، تم فصلي عن شهناز ونُقلت هي إلى سجن قزلحصار. وفي عام 1986 التقيت بها هناك مجدداً. تعاهدنا على أن من يخرج من السجن أولاً، عليه توفير وسيلة لمغادرة البلاد والاتصال بالمنظمة ليلحق به الآخرون. وعندما نلتُ حريتي، وقعت هذه المسؤولية على عاتقي، لكنها أُطلقت سراحها بعدي بشهر واحد، وفي النهاية غادرنا البلاد معاً.
أُصيبت شهناز في عملية “الثريا”، ورغم إصابتها، أصرت على المشاركة في عملية ” الضياء الخالد” حيث نالت وسام الشهادة. كانت شهناز دائماً وفي كل فرصة تنشد هذه الأبيات:
أقسمتُ بكِ يا عشقُ
أن أبذل روحي في سبيلكِ يا عشقُ
فالروح لا قيمة لها في طريقٍ سامٍ
وهي هدية متواضعة يا عشقُ
بحق الدماء الطاهرة لشهدائكِ
وبحق القلب الدامي لهذا الشعب
لن تخمد هذه الشعلة
بل ستضيء في كل الأرجاء يا عشقُ…




















